حلية طالب العلم 15

الدرس في حلية طالب العلم 15، ألقاها

مقدمة في مراقبة الله تعالى

يتحدث عن أهمية مراقبة الله في السر والعلن وكيف تحفظ العبد في حركاته الظاهرة. المراقبة تعني تعبد العبد لربه باسمه الرقيب والحفيظ والعليم.

أثر مراقبة الله في حياة العبد

تجعل العبد يعلم أن الله يراقبه ويحفظ عليه أفعاله وأقواله، وتعتبر أعلى رتب الدين. ينبغي للعبد أن يراقب الله بالشكر على النعم.

تطبيق مراقبة الله بالشكر والاستغفار

يجب على العبد أن يعترف بتقصيره ويسأل ربه المغفرة والعفو، وأن يكون قلبه لازما لمقام الشكر والاستغفار. يتم التعبير عن العلم الإلهي وتقديم تسبيح لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من الإسناد المسلسل بالآباء، وقد أشار رحمه الله تعالى إلى كلام في لسان الميزان للحافظ بن حجر رحمه الله تعالى. وقد تقدم معنا في الدرس الماضي، وقلنا إن في إسناده مقالًا، ففيه عبد العزيز ابن الحارث ابن أسد إلى آخره. ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في الميزان، وكذا غيره، أنه وضع حديثين، فهو وضع. وكذلك ذكر رحمه الله تعالى أنه يروي بهذا الإسناد، قال: «وَأَجْدَادُهُ لَا ذِكْرَ لَهُمْ فِي تَارِيْخِ ولا في أسماء الرجال»، فهو إسناد يحتمل أن يكون مصطنعًا. والحاصل أنه كما ذكر في هذا الأثر: «أن العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإن لا ارتحل»، لأن العلم شريف وعزيز، فمن قيده بالعمل، وهو من الشكر لذلك العلم، ثبُت واستقر، ومن أعرض عن العمل به كان سببًا لذهابه ولزواله. قال رحمه الله تعالى: «الرابع: دوام المراقبة». قال: «التحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائرًا إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر». قال: «فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستغفار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه». قوله رحمه الله تعالى: «دوام المراقبة»، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن المراقبة لله في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظاهر». تأمل إلى هذه الكلمات، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «مدارج السالكين»: «إن مراقبة الله في الخواطر - أي فيما يخطر في قلب العبد خواطر، قد تكون فيها معنى الرياء، قد تكون فيها معنى العمل لغير الله، قد يكون فيها معنى التصنع - قال: إن المراقبة لله أي أن يراقب الإنسان ربه جل وعلا في الخواطر، أي فيما يخطر في قلب المرء، قال: سبب لحفظها في حركات الظاهر». من راقب الله جل وعلا في سره كان سببًا لأن يحفظه الله جل وعلا في علانيته وفيما ظهر منه. قال رحمه الله: «فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته». جزاء من الله جل وعلا وإكرامًا من الله جل وعلا وتفضلا من الله جل وعلا. والله كريم سبحانه وتعالى، بل هو أكرم الأكرمين، والله جل وعلا شكور سبحانه وتعالى. فالعبد يتقرب إلى ربه جل وعلا بهذه العبادة الجليلة، عبادة المراقبة. والمراقبة كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنها من أعلى رتب الدين، وهذا مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فعلم بأنه يراك، وهذا دليل على أن أعلى مراتب الدين مراقبة الله جل وعلا. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب، التعبد لله جل وعلا باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير». فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة. من تعبد الله جل وعلا بهذه الأسماء بأن الله جل وعلا رقيب يرقب حركات العبد وسكناته، وما يصدر من العبد من أقوال وأفعال واعتقادات وأحوال، الله جل وعلا رقيب يرقب كل شيء يصدر من العبد. فيتعبد العبد لربه جل وعلا بمقتضى هذا الاسم، وأيضًا حفيظ يحفظ ما يصدر من العبد أو عن العبد من أقوال وأفعال واعتقادات وأحوال يحفظها عليه. وكذلك يحفظك أيها العبد. وكذلك العليم أن يتعبد لله جل وعلا باسمه العليم، أن يعلم أن ربه جل وعلا يعلم كل ما يصدر منه من قول أو فعل أو اعتقاد أو حال، بل يعلم السر وأخفى ويعلم ما تخفي الصدور سبحانه وتعالى. فيتعبد الله جل وعلا بمقتضى هذا الاسم، السميع الذي يسمع جميع الأصوات وإن خفتت وإن كانت سرًا وإن كانت أخفى من ذلك. البصير كذلك يبصر كل شيء، كل ما يصدر من العبد فإنه يعلم. يجب على العبد أن يعلم أن ربه جل وعلا يبصر ما يصدر من العبد من حركات وأفعال. قال ابن القيم: «فمن عقل هذه الأسماء - أي من علم معانيها وعقل معانيها وعمل بمقتضاها - حصلت له المراقبة لله رب العالمين». حصلت له المراقبة لله رب العالمين لأنه ما يصدر منه من قول إلا يعلم أن الله يحفظ عليه كلامه، أن الله جل وعلا كذلك يرقبه، أن الله جل وعلا يعلم ما يصدر منه من أقوال ومن حركات، يسمع ما يصدر منه من أقوال ويبصر ما يرى منه أو ما يحصل منه من حركات. إذن إذا علم هذا العبد وتحقق هذا العلم في قلبه وعمل بمقتضى هذا العلم كان سببًا لمراقبة الله جل وعلا. وقد قال من أهل العلم: «من أحسن المراقبة أن يكون العبد مراقبًا لله جل وعلا بالشكر على النعم، مراقبًا لله جل وعلا بالاعتراف بالإساءة، والتعرض للعفو». بمعنى أن العبد إذا رأى ربه جل وعلا أنعم عليه بالنعم فإنه يراقب الله جل وعلا في شكره ربه جل وعلا على هذه النعم. وأيضًا الاعتراف بالإساءة إذا ظهرت منه الإساءة وحصل منه التقصير وحصل منه التفريط، اعترف لربه جل وعلا بتقصيره واعترف لربه جل وعلا بأنه مسيء مقصر في حق ربه جل وعلا. وتأمل ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم صديق هذه الأمة. روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن العاص قال: «جاء أبو بكر الصديق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي». قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». إذن الإنسان مهما بلغ علمه وبلغ صلاحه فإنه مقصر مفرط ولا شك. فلا بد له من الاعتراف بالإساءة فيعترف لربه جل وعلا بالتقصير والإساءة. وكذلك تأمل ما جاء في حديث الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم «سيد الاستغفار»: «أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». فالحاصل أن فيه هذا المعنى: أن يكون العبد مراقبًا لله بالشكر على النعم والاعتراف بالإساءة والتعرض للعفو. فيكون قلبه لازما لهذا المقام، ينظر إلى جانب النعم فيشكر ربه جل وعلا، وينظر إلى جانب التقصير والنقص فيستغفر ربه جل وعلا ويعترف بهذا التقصير. وفي المقابل يدعو ربه جل وعلا ليلًا ونهارًا أن يتجاوز عما صدر منه من نقص وخطيئة. فيكون قلبه لازما لهذا المقام في كل أحواله وأعماله. فمتى غفل رده إلى هذا بإذن الله، أي متى حصل عنه غفلة ردته هذه الأمور إلى سلوك الطريق القويم إلى الله جل وعلا. فالحاصل أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون متحليًا بهذه الحلية، متصفًا بها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على