حلية طالب العلم 68

الدرس في حلية طالب العلم 68، ألقاها

أهمية المذاكرة مع الغير في طلب العلم

يؤكد الشيخ على أهمية مذاكرة العلم مع الآخرين من البصراء، مع الحفاظ على الإنصاف والملاطفة. المذاكرة تعزز الفهم وتقوي الذاكرة وتشحذ الذهن.

فوائد وآداب المذاكرة في طلب العلم

المذاكرة تنمي المعرفة وتشحذ الذهن وتجعل المعلومات أكثر رسوخًا، وتحتاج إلى آداب مثل الإنصاف والملاطفة مع الزملاء. المذاكرة مع من هو أضعف قد تسبب المشاكل.

ختام الدرس بالتسبيح والاستغفار

يختم الدرس بذكر الله تعالى بالتسبيح والاستغفار، ويُظهر الاعتراف بعظمة الله وعلوه وأعلميته. يُنهي بالتوبة والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: مذاكرة العلم أي مما ينبغي أن يتحلى به الطالب في حياته العلمية أن يكون مذاكرًا للعلم. قال الشيخ رحمه الله: «تمتع مع البصراء بالمذاكرة والمطارحة، فإنها في مواطن تفوق المطالعة، وتشحذ الذهن، وتقوي الذاكرة، ملتزمًا الإنصاف والملاطفة، مبتعدًا عن الحيف والشغب والمجازفة. وكن على حذر؛ فإنها تكشف عوارة من لا يصدق». قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر المناظرة بلا ممارة، نبه على أمر وهي مسألة مذاكرة العلم مع الغير؛ لأنه قد يقول قائل: إذا كانت المناظرة ربما تؤدي إلى أمور غير محمودة، فهل نترك المناظرة مطلقًا؟ والجواب هو ما ذكره، وما تقدم معنى في الدرس الماضي، ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، فالشاهد من هذا أن الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر المناظرة بلا ممارة، نبه على المذاكرة وبين أهمية المذاكرة مع الغير. فقال: «تمتع مع البصراء» أي من القرناء من طلبة العلم ممن هو في منزلتك أو أعلى منك درجة أو دونك درجة، ولكن عنده فهم ونباهة وما شابه ذلك، فاستعن بمثل هؤلاء على مذاكرة العلم. المذاكرة للعلم إما أن تكون من الشخص مع نفسه، يذاكر ما قد تعلمه، ينظر في المسائل في الكتب التي قد درسها وتعلمها، فيذاكر، يقرأ وينظر، وإن استطاع التحقيق والتدقيق والاستنباط مما تقدم، هذا من المذاكرة. النوع الثاني من المذاكرة: المذاكرة مع الغير. والناظر في كلام الشيخ رحمه الله تعالى أن المذاكرة مع الغير كما ذكر الشيخ هنا، وذكر غيره، يشترط لها شروط. من هذه الشروط أن تكون مع من تظن فيه أنك ستستفيد منه ويستفيد منك، أن يكون نابغًا ذكيًا فطنًا، هذا أمر. والأمر الثاني أن يكون على سبيل الملاطفة، وكذلك على سبيل العدل والإنصاف، دون أن يحصل غضب أو انتصار للقول. فهذا نافع، يعني يأخذ الإنسان أخًا له، فمثلًا يتذاكران، وهذا من المذاكرة، مثلًا يتذاكران في المحفوظات، هذا يقرأ عند هذا القرآن، وهذا يقرأ عند هذا القرآن، هذا من المذاكرة. حفظوا بعض المتون الحديثية، كذلك من المذاكرة، هذا يسمع لهذا، وهذا يسمع لهذا بعض المتون العلمية، كذلك من المنظومات أو المتون الأخرى، هذا يسمع عند هذا، وهذا يسمع عند هذا، هذا معين لتثبيت المعلومات. ومذاكرة أخرى بأن يذاكر الغير بالمسائل المطروحة المدروسة، درسها مثلًا، أنا عندي زميل درسنا أنا وإياه مسألة أو مسائل أو كتابًا على شيخ، بعد الدرس أو بعد انتهاء الكتاب، نبدأ نأخذ مسألة نطرح المسألة ونتذاكر فيها. ما قولك في كذا الذي يظهر عندي كذا وكذا؟ كم في المسألة أقوال؟ يقول في المسألة كذا وكذا، فما الراجح عندك؟ الراجح عندي كذا وكذا، لماذا رجحت هذا القول؟ يقول: لأن الدليل كذا وكذا. يقول: فإن قال إنسان بأن الحديث الآخر معارض لهذا، فماذا نجيب؟ يقول: نجيبه بحديث الأول بكذا وكذا. قال: فإن اعترض علينا معترض فقال لنا بأن الحديث الأول مفهوم وهذا منطوق، فيقدم المنطوق على المفهوم، وهكذا مذاكرات، يحصل منها نضوج لفهم المسألة، المسألة التي أخذتها مع الشيخ ربما تكون كما يقال عالقة في الذهن تعلقًا خفيفًا، لكن أثناء المذاكرة، أثناء المطارحة، أثناء ذكر الإلزامات والملزومات وما يتبع ذلك، ها هنا تتفتح أمام الطالب أشياء كثيرة. وكم من مسألة تتقن إتقانًا عجيبًا بسبب المذاكرة، وهذا معلوم، يعني الإنسان إذا ناظر أو قل: ذاكر وناقش بعض طلبة العلم من قرنائه أو أعلى منه درجة أو دونه درجة، لكن من النبغاء، رب مسألة تصحبك سنوات، عشر سنين، أكثر، بسبب ماذا؟ الطرح والمذاكرة، الطرح والمذاكرة مع الغير. أذكر ليس مرة ولا مرتين المرات، كان أحيانًا، وهذه من مذاكرة الشيخ للتلميذ، كان أحيانًا شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى ربما يسألوه عن الحديث أو المسألة، فيقول: عندك يا فلان حديث كذا وكذا، من صحابيه؟ ومن أخرجه؟ هو واقف أمام الشيخ، يقول: الله أعلم، عندك يا فلان؟ عندك يا فلان؟ حتى يجيب إنسان أو أحد الطلبة، فيقول: علمته الآن، يقول: نعم يا شيخ، يقول: إن شاء الله ما تنساه أبدًا. لماذا؟ لأنه حصل في موقف يجعله ماذا؟ لا ينسى مثل هذا المقام. فالحاصل أن من فوائد المذاكرة ما ذكره الشيخ رحمه الله في قوله: «فإنها في مواطن تفوق المطالعة». إنسان إذا طالع كتاب مطالعة قراءة ربما مرة ولا يتفطن لبعض المسائل أو يقرأها قراءة سطحية، بخلاف ما إذا حصل نقاش ومذاكرة وآخذ ورد واستنباط وإلزام وملزوم وما شابه ذلك، تقوى المسألة وتنضج. قال: «وتشحذ الذهن» أي تجعل الذهن أكثر قوة وأكثر كذلك شفافية لاستنباط والتفطن لملزومات الأقوال وما شابه ذلك. يعني الآن إنسان مثلًا على سبيل المثال ذكرت له مسألة هو وصاحبه يتذاكران، يقول لصاحبه: ما رأيك نتذاكر بعض المسائل؟ يقول: نعم، ما قولكم في مسألة كذا وكذا؟ عندك في مسألة كذا وكذا؟ يقول له: عندي أن الراجح فيها كذا وكذا مثلًا واجبة، ما الدليل على الوجوب؟ الآن مذاكرة الدليل على الوجوب كذا وكذا. طيب إذا قال لنا قائل: عندنا دليل يدل على عدم الوجوب وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فكيف نجيب عليه؟ يبقى الآن يروم الجمع، هذا تشغيل يجعل الإنسان يشغل الذهن، كيف نجمع بين هذا القول وهذا القول أو بين هذا الحديث وهذا الحديث؟ جمع بينهما، يقول له: لكن إذا قال لنا قائل بأن هذا الحديث لا يفهم منه هذا المفهوم، بل يفهم منه مفهومًا آخر وهو كذا وكذا، واستدل على هذا المفهوم بكذا وكذا، ها هنا بدأ ماذا؟ المدارك تتوسع. وهكذا وهكذا، وهذا كما يقال في مسائل كثيرة، مسائل العلم، سواء كانت مسائل فقهية، مسائل عقدية، مسائل في العلوم التي تسمى بعلوم الآلة، مثلًا علم مصطلح الحديث، يأتي أخ يناقش أخًا: ما حكم أو ما ضابط زيادة الثقة؟ هل هي مقبولة أم لا؟ يتناقشان، تنضج المسألة. في أصول الفقه مثلًا: متى يخصص العام؟ أو متى يحمل المطلق على المقيد؟ هل هكذا كل مطلق يحمل على المقيد؟ أم هناك ضوابط وهناك قيود وهناك شروط؟ يتذاكران. هكذا أيضًا في مسائل النحو، يأتي مثلًا إلى آية ما: إعراب هذه الآية؟ يقول: كذا وكذا، وهذا حال، يقول: ليش ما نقول أنه ها هنا مفعول لأجله؟ يبدأ ماذا؟ مذاكرة؛ لأنه ضابط مفعول لأجله كذا وكذا، وضابط الحال كذا وكذا، أن يكون نكرة، أن يكون... أن يكون... تبدأ ماذا؟ مذاكرة للمعلومات. قال: «ملتزمًا الإنصاف والملاطفة» أي مع الغير، ولا سيما إذا كان زميلًا لك، تكون لطيفًا معه، الظاهر كذا والراجح كذا، وتناقشوا حتى تخرجوا حتى تخرجوا بقول مرضي. لا بل إن كان هو رأى قولًا مما يسوغ فيه الاجتهاد، وأنت رأيت قولًا آخر مما يسوغ فيه الاجتهاد، بعد المذاكرة تقول: الأمر واسع، الأمر في هذه المسألة ماذا؟ واسع. مثلًا يأتي رجل يقول: ما حكم تحية المسجد؟ يتذاكران على هذه المسألة، أنا أقول: واجب، والآخر يقول: مستحب، نتذاكر، ما قولكم في كذا؟ لكن إذا قلنا إنسان: حديث كذا، فما الجواب عليه؟ وأنا أقول: لو يلزمك إذن أن تقول كذا وكذا. في الأخير إذا ما وصلنا كما يقال إلى قول نتفق عليه، حسبنا أن نقول: الأمر في هذا واسع، لكن استفدنا ماذا؟ استفدنا أننا قد ذاكرنا المسألة وذاكرنا العلم، وثبتت عندنا المعلومات، وثبت عندنا كذلك المسائل. قال رحمه الله: «وكن على حذر» أي في أثناء المذاكرة والمناقشة، لماذا؟ قال: «فإنها تكشف عوار من لا يصدق» أي من يدعي العلم، عند المناقشة والمطارحة تظهر ما عنده من الفلتات، بل يظهر ما عنده من الضعف العلمي، يظهر عنده من الضعف العلمي. فكما يقال: كل إنسان يسبح على مستواه، ويطير كذلك في الجو الذي يناسبه، لا يأتي إنسان يعني كما يقال لا يحسن السباحة، يقول: ضعوني وسط البحر، فستترون أخرج أو لا. لا كما يقال كل إنسان يعمل بما يتقنه ويحسنه، فيناقش المسائل التي درسها وعلمها، ولا يدعي، ولا كذلك يطرح بعض المسائل التي لم يكن قد علمها من قبل؛ فإنها تظهر للغير عجزه وضعفه، بل وادعاءه لما ليس عنده. قال: «فإن كانت مع قاصر في العلم، بارد الذهن، فهي داء ومنافرة» أي إذا ناقش وذاكر الإنسان إنسانًا ضعيفًا في العلم أو كذلك من حيث النباهة كذلك ليس بنبيه، تقول له: يمين، يقول لك: شمال، يعني ما عنده فطنة، وكذلك ما عنده العلم، فهذا كما ذكر الشيخ رحمه الله يعني مناقشة مثل هذا مضرة. قال: «فهي داء ومنافرة» يعني بالأخير ستصل إلى ماذا؟ أولًا مرض، تمرضك، والثاني أن تسبب منافرة بينك وبين ذلك الغير. يعني كما قيل لبعضهم: ما الدليل على أن الله في السماء؟ قال: أقول: هو الله أحد، واضح، جماعي، يعني شاهد من هذا، يعني بعضهم يأتي الدليل في جهة والمدلول في جهة أخرى، فهذا من هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «فإن كانت مع قاصر في العلم بارد الذهن فهي داء ومنافرة». وأما مذاكرتك مع نفسك في تقليبك لمسائل العلم، فهذا ما لا يسوغ أن تنفك عنه، أي طالب العلم لا ينبغي أن ينفك عن هذه الخصلة، مذاكرة العلم والاستمرار في مذاكرة العلم، بل لا حياة لطالب العلم إلا بمذاكرة العلم. قال: «وقد قيل: إحياء العلم مذاكرته». إن أراد الإنسان إحياء العلم، فإحياءه يكون بماذا؟ بالمذاكرة، بمذاكرة العلم. ذكر عن الأحنف بن قيس، وكان من عقلاء العرب ومن حكمائهم، أنه قال: «مذاكرة الرجال تلقيح لعقولهم» أو قال: «لعقولها»، مذاكرة الرجال تلقح تكون العقول ماذا؟ ملقحة، وكذلك منقحة، منقحة بماذا؟ بالصواب، ومميز له عن الخطأ. فللمذاكرة فوائد كثيرة كما سمعتم. قال رحمه الله تعالى: «طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة وعلومها». قال: «فهما له كالجناحين للطائر، فاحذر أن تكون مهيض الجناح» أي مكسور الجناح. وهذا حق لا ريب فيه ولا شك أن طالب العلم حياته ومعيشته بين الكتاب والسنة، يتقلب بين كتاب الله جل وعلا وبين سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا غنى له عن أحدهما دون الآخر. بل ينبغي له أن يعتني بكتاب الله جل وعلا حفظًا، وكذلك تعقلًا وتدبرًا، وكذلك عليه أن يعتني بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كذلك حفظًا إن استطاع أن يحفظ ما تيسر، وكذلك معرفة علوم الحديث، رواية إن استطاع، ودراية، تحقيق الأحاديث، تنقيح الأحاديث، التمييز الصحيح من الضعيف، إلى غير ذلك من الأمور، هذا كذلك مما ينبغي أن يعتني به الطالب، إلى جانب الفقه في كتاب الله جل وعلا، والفقه كذلك في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على