الدرس في حلية طالب العلم 16، ألقاها
يُناقش أهمية التواضع وخفض الجناح ونبذ الكبرياء لطلبة العلم، ويُعرّف الكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس. يُشدد على ضرورة قبول الحق والتحلي بآداب النفس مثل العفاف والحلم والصبر والتواضع.
ينبغي لطلبة العلم التحلي بصفات العفاف والحلم والصبر والتواضع، وأن يكونوا رفقاء رحيمين ومتواضعين للعلم وللحق. يجب أن يتحملوا مشاق طلب العلم وأذية الناس.
يُعدد صفات طالب العلم منها التواضع للحق، الوقار والرزانة، خفض الجناح لأهل الإيمان، وتحمل ذل التعلم لعزة العلم. طالب العلم يجب أن يكون خاضعًا للحق.
يشير إلى خاتمة الحديث أو النص بإظهار التعظيم لله تعالى والإقرار بعلمه، متضمنًا تسبيحًا واستغفارًا وتوبة إليه. يُظهر التعظيم لله والإقرار بعلمه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الشيخ رحمه الله تعالى: الخامس خفضهم الجناح ونبذهم الخيالاء والكبرياء. خفضهم الجناح، وهذا كناية أي تواضع، وكذلك على الرفق ولين الجانب. ونبذ الخيالاء والكبرياء، والخيالاء من الكبرياء والكبر، عرفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما في سنن أبي داود وغيره، من حديث أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». فهذا هو معنى الكبر، بطر الحق التعالي على الحق وعدم قبول الحق، وغمط الناس تنقص الناس والترفع عليهم. وهذا من علامات الكبر، بل هو الكبر. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى علامات للتواضع، وضدها علامات للكبر. فقالوا: من التواضع أن يقبل الحق ممن أتى به، كبيرًا كان أو صغيرًا، بل ولو كان عدوًا، ما دام أنه جاء بالحق؛ فالحق أحق أن يتبع لأنه حق. والحق يُعْلَى ولا يُعْلَى عليه. فمن كان كذلك فقد حقق التواضع، ومن لم يكن كذلك كان فيه من الكبر بحسب الترفع عن ذلك الحق. قال الشيخ رحمه الله: تحلى بآداب النفس. ما هي آداب النفس؟ قال: من العفاف والحلم والصبر والتواضع للحق، وسكون الطائر من الوقار والرزانة، وخفض الجناح متحملًا ذل التعلم لعزة العلم، ذليلًا للحق. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: يا طالب العلم، يا من سلك طريق العلم وأراد نيل العلم وأراد سلوك من قد سبقه من أهل العلم، تحلى أي اتصف بآداب النفس. أن ينبغي لك أيها الطالب أن تكون متصفًا بهذه الآداب الجليلة. وهذا أو هذه الآداب كما مر معنا أنه ينبغي أن يتصف بها كل مسلم. كل مسلم ينبغي أن يتصف بهذه الأخلاق، وبالأخص خواص الناس وهم طلبة العلم، وأخص من ذلك العلماء؛ لأنهم هم أقرب الناس من الله جل وعلا، وأعرف الناس بما يحب الله، بما يحب الله جل وعلا ويرضى، فهم خواص الناس. إذا كان ينبغي لكل مسلم أن يكون متصفًا بهذه الصفات، فطلبة العلم من باب أولى، والعلماء هم أحق من اتصف بهذه الأوصاف. قال رحمه الله تعالى: تحلى بآداب النفس من العفاف. أي أن يكون الطالب عفيفًا قنوعًا، مترفعًا عن ما ينقص أو يضر بعفته. فيدخل بالعفاف القناعة عما في أيدي الناس، وعدم التطلع لما في أيدي الناس، هذا من العفة. وكذلك من العفة العفة عن الرزايا وعن الخبائث وعن القاذورات، أن يترفع عنها وأن يتنزه عنها. طالب العلم هذا كذلك من العفة؛ يترفع عنها طالب العلم لأنه في منزله ينبغي أن يكون من أحرص الناس على علو نفسه عن كل ما يشين هذه النفس من نواقص ونواقض الأخلاق؛ لأنه يسير على درب من يسير على درب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فينبغي له أن يكون متحليًا بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ظاهرا وباطنا. فإذن لا بد له أن يكون عفيفًا، وأن يكون حليمًا. فلا يكون طائشًا غضوبًا متسرعًا عجلًا، بل يكون حليمًا. والحلم كذلك من الصفات التي يحبها الله جل وعلا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». حلم وأناة. فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يكون حليمًا رزينًا، لا يكون طائشًا غضوبًا عجلًا. بل ينبغي أن يكون حليمًا إذا جاءه ما يستدعي الغضب، كسره بالحلم، لا سيما إذا كان في حظوظ نفسه، كسره بالحلم. فينبغي لطالب العلم أن يكون كذلك حليمًا. قال: والصبر أن يكون كذلك صبورًا، عنده صبر على طلب العلم، وصبر على تلقيه، وصبر على مشاقه، وصبر كذلك على أذية الناس. والصبر كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى على ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله جل وعلا، وصبر عن معصية الله جل وعلا، وصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة. ولا تتحقق الإمامة في الدين كما قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: «لا تتحقق الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين». صبر ويقين. وتلى قول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. قال رحمه الله: والتواضع للحق. التواضع للحق إذا جاء الحق فعلى العين والرأس، لا يتكبر ولا يستنكف أن يخضع للحق وأن يقبل الحق بقلب منشرح وفرح أن وفقه الله جل وعلا أن أراه الحق فاتبع الحق، وذلك من الحق. قال رحمه الله: وسكون الطائر من الوقار. أي أن يكون طالب العلم وقورًا، لا يكون طائشًا، يكون وقورًا في ممشاه، وقورًا في كلامه، وقورًا في حاله، يكون مثالًا وأسوة حسنة لغيره، أن يكون وقورًا. قال: والرزانة أن يكون رزينًا، إذا تكلم، إذا وردت عليه الأمور يكون كذلك رزينًا، فلا يكون طائشًا ولا عجلًا، لا في الفتوى ولا في التلقي، ولا فيما يكون مخالفًا ومناقضًا لهذه الرزانة. قال: وخفض الجناح لأهل الإيمان وأهل الطاعة، أن يكون رحيمًا رفيقًا، كما قال الله جل وعلا في حق نبيه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذه من الرحمة الذي بعث الله جل وعلا بها رسوله. فينبغي لكل طالب العلم أن يكون رحيمًا؛ لأنها دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فالله جل وعلا أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. قال: متحملًا ذل التعلم لعزة العلم. الإنسان لا يقول: أنا شريف، وأنا ابن فلان ابن فلان، وأنا وأنا. العلم يحتاج إلى تواضع، ويحتاج إلى ماذا؟ إلى أن يكون الإنسان ذليلًا للعلم لأجل العلم؛ لأن العلم شريف والعلم عزيز. لذا قال الإمام مجاهد بن جبر، إمام المفسرين في طبقة التابعين: «لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر». المستحي يستحي يبعد بعيدًا عن العلم، والآخر متكبر مترفع: أنا أجل من فلان، أنا أعلم منه، أو أنا أكبر منه سنًا، وأنا عندي مال، وأنا عندي جاه. لا ينال العلم، بل لا ينال العلم إلا من كان كذلك أن يتواضع للعلم لأجل العلم؛ لأن العلم شريف وعزيز، فيحتاج إلى ماذا؟ يحتاج من الإنسان إلى أن يحترم ذلك العلم، وأن يقدر ذلك العلم، وأن يذل نفسه لأجل ذلك العلم، حتى يحصل من العلم ما يسره الله جل وعلا له بإذنه سبحانه وتعالى. قال: ذليلًا للحق. بمعنى إذا جاء الحق قبله من غير أي معارضة، من غير أي استنكاف؛ لأنه الحق. والله تعالى أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.