الدرس في حلية طالب العلم 32، ألقاها
يبدأ الشيخ بالحديث عن أهمية التدرج في طلب العلم، حيث يجب على الطالب البدء بالكتب الصغيرة قبل الكبيرة. ينبغي على الطالب أن يحافظ على الوقت لكي يصل إلى تحصيل العلم بشكل منهجي.
ينبغي للطالب حفظ مختصر في كل فن من العلوم، مثل الأجرومية والبيقونية والورقات. كما يُوصى بحفظ كتاب الله وأحاديث رسول الله مثل الأربعين النووية وعمدة الأحكام.
يُنصح بحفظ كتب الحديث مثل بلوغ المرام والمنتقى، ثم حفظ الصحيحين. يُفضل البعض البدء بصحيح مسلم بينما يرى آخرون البدء بصحيح البخاري لما يحتويه من أبواب فقهية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا نبارك فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فمواصلة لما مر معنا من دروس «حلية طالب العلم» والتي قد توقفنا عنها في أواخر شهر شعبان، فمواصلة للدرس الذي قد وقفنا عنده، وقد كان الدرس بعنوان «كيفية الطلب والتلقي». وقد ذكرنا فيما مضى، ولا بأس من المذاكرة، قبل أن نقرأ شيئًا جديدًا، تقدم معنا أن هذا القطر يعد من أهم الفصول لطالب العلم، وذلك لأن طالب العلم يعرف الطريق الذي يسير عليه في تلقيه العلم وطلبه للعلم. ذكرنا فيما مضى أن مسألة التدرج في طلب العلم لا بد منها للطالب الذي أراد الوصول إلى تحصيل العلم والاستفادة والثمرة من طلبه للعلم. فلا بد إذن من مواصلة لهذا الموضوع، وهو موضوع كيفية التلقي العلم. وقد ذكرنا فيما ذكرنا أنه لا بد من تدرج، لا بد للطالب من أن يتدرج في طلبه للعلم، فلا يقفز إلى الكتب الكبار قبل أن يأخذ ما تيسر من الكتب التي هي مفاتيح لهذه الكتب الكبار، أي لا بد من أخذ أوليات العلوم، لا بد للطالب من أخذ أوليات العلوم، ثم بعد ذلك يصعد، وبعد ذلك يرتقي، وبعد ذلك يرتفع من درجة إلى أخرى، ومن رتبة إلى أخرى، حتى يحصل أو يتحصل على العلم ما يسر الله له. على حسب همته، وعلى حسب كذلك حرصه، وكذلك على حسب اجتهاده، وكذلك على حسب صدقه مع الله، وعلى حسب نيته، وكذلك على حسب محافظته على الوقت. طالب العلم لا بد أن يحافظ على الوقت محافظة كاملة إن أراد الوصول. وأما إذا كان أهوى أو من أهوى الأشياء عليه الوقت، فليعلم أنه لن يخرج بكثير شيء من العلم، بل تضيعه للأوقات يدل على عدم عمله بالعلم أو قل على قلة عمله بالعلم. فإن الطالب يقرأ في كتاب الله جل وعلا، ويقرأ كذلك في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويقرأ كذلك في سيرة الصالحين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، كيف كانوا حريصين على العلم، معمرين لأوقاتهم في طاعة الله جل وعلا، وفي تحصيل العلم، وفي الرغبة في ذلك. فالموفق من وفقه الله جل وعلا إلى ذلك. فتقدم معنا أنه ينبغي للطالب أن يحفظ مختصرًا في كل فن، أن يحفظ مختصرًا في كل فن يكون هذا المختصر كاللبنة لهذا الطالب في ذلك الفن. مثلا في علم النحو يحفظ الأجرومية المتن، وإن كان ممن يحب النظم فيحفظ نظم العمريطي للأجرومية، فهي كما يقول العلماء، وهذا ملموس مشاهد، مثل مختصر مبارك، فيه بركة. كذلك في علم الحديث يأخذ ما تيسر، إن حفظ «البيقونية» وهي فيها أوليات لبعض فنون، وكذلك الحدود والضوابط وأنواع علم الحديث، فعل وهذا جيد. كذلك في علم أصول الفقه إن استطاع أن يحفظ المتن «الورقات» أو حفظ نظمها كذلك للعمريطي، هذا الكتاب من الكتب المؤلفة في أصول الفقه، وقد جعل الله جل وعلا فيه البركة، في هذا الفن على اختصار فيه. كذلك في علوم أخرى يأخذ الطالب من كل علم ما تيسر، مع ما تقدم من أنه يبدأ أول ما يبدأ بحفظ كتاب الله جل وعلا، لأنه هو أساس العلوم وهو أصل العلوم. ويحفظ كذلك ما تيسر من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جرت عادة العلماء في حفظ الحديث بالبدء بـ«الأربعين النووية» للإمام محيي الدين النووي رحمه الله تعالى، متن مختصر، جمع فيه اثنين وأربعين حديثًا من أحاديث الجوامع، وإن كان في بعضها مقال، ولكن الكتاب جعل الله جل وعلا فيه الخير والبركة، والعلماء ينصحون بحفظه، لا سيما للصغار وللمبتدئين. فإن حافظ «البيقونية» في علم الحديث انتقل إلى حفظ «عمدة الأحكام» للإمام عبد الغني المقدسي، وهو كتاب اعتنى فيه مؤلفه رحمه الله تعالى بجمع الأحاديث التي في صحيحي البخاري ومسلم، وإن كان أحيانًا ربما ذكر الحديث الذي انفرد به أحد الشيخين، وربما أدخل حديثًا من حيث لا يشعر، رحمه الله تعالى، وهو حديث واحد ليس في الصحيحين، ذكره في العمدة في كتاب الصيام. فالحاصل العلماء كذلك ينصحون بحفظ هذا الكتاب. ثم من قويت كذلك همته للحفظ فيحفظ «بلوغ المرام» للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، إمام المحدثين في زمنه، وهو الملقب بخاتمة الحفاظ، رحمه الله تعالى. وكتابه «بلوغ المرام» يعد من أحسن الكتب المؤلفة في الحديث وفي فقه الحديث، لأن مؤلفه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قد جمع الله له بين الحديث وبين فقهه. وقد قال رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه «بلوغ المرام»: «وحررته تحريرًا بليغًا ليصير من يحفظه نابغًا من بين أقرانه». والناظر في ذلك الكتاب يرى اعتناء الحافظ رحمه الله تعالى بذلك الكتاب، مع أنه كتاب من كتب البشر، لا بد أن يعتريه النقص ويعتريه التقصير. وكتاب الحافظ في «بلوغ المرام» يشبه تمامًا كتاب «المحرر» لابن عبد الهادي رحمه الله تعالى، بل بعضهم المحققين يقولون إن بعضهم أن أصل «بلوغ المرام» مأخوذ أو مقتبس أو مستفاد من هذا الكتاب، من الكتاب الآخر، من كتاب «المحرر». وبعض أهل العلم ينصح بعد ذلك لمن كان لحفظ أقوى وأقوى بأن يحفظ كتاب «المنتقى» لشيخ الإسلام المجد ابن تيمية، شيخ الإسلام، وهو جد شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية. وكتاب «المنتقى» يعز من أفضل الكتب جمعًا، فقد استوعب فيه أكثر أحاديث الأحكام، إلا أن كتاب «بلوغ المرام» يمتاز عن كتاب «المنتقى» أن الحافظ رحمه الله تعالى يحسن على الحديث صحة وضعفًا، وينبه على بعض الألفاظ وما شابه ذلك. فهذه ميزة لكتاب «بلوغ المرام». فكذلك العلماء رحمهم الله تعالى ينصحون بمثل هذه الكتب. ومن قوي على أشد من ذلك وحرص على أكثر من ذلك فليستعن بالله جل وعلا، وأن يسارع إلى حفظ الصحيحين. منهم من يفضل حفظ صحيح مسلم لأنه أيسر وأسهل، لأن الإمام مسلم رحمه الله تعالى طريقته في كتابه الصحيح أن يجمع أحاديث الباب في مكان واحد، بخلاف طريقة الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فإنه يقطع الأحاديث ويختصر، وربما ذكر حديثًا واحدًا في عدة مواضع، يذكرها هنا لفظًا شاهدًا للباب، وفي موضع آخر لفظًا آخر، وهكذا، بخلاف مسلم فإنه يجمع الأحاديث في مكان واحد. لذا بعض أهل العلم فضل الابتداء بحفظ أي صحيح مسلم على صحيح البخاري، ومنهم من فضل العكس، فضل العكس لما في كتاب البخاري رحمه الله تعالى من الأبواب العجيبة والعظيمة التي تدل على فقه عظيم من الحافظ الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فإنه يستنبط الأحكام، أحكام الأحاديث، فيعنونها ويدونها في تلكم الأبواب، فكان كتاب البخاري مقدما عند البعض بسبب هذه الميزة، كتاب فقه وكتاب حديث. والوقت قد مضى، فنكتفي بهذا. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.