الدرس في كتاب الطهارة 11، ألقاها
يبدأ بوصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من خلال حديث عثمان بن عفان، ويبرز أهمية التعليم العملي في نقل الأحكام الشرعية. يشرح كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ويوضح بعض المصطلحات المتعلقة بالوضوء.
يتناول تفاصيل الوضوء مثل شروط تحريك الماء في الفم وغسل الكفين في ابتداء الوضوء. يشرح معاني بعض الألفاظ الواردة في حديث الوضوء ويفسر بعض الأحكام الفقهية المتعلقة به.
يناقش استحباب التثليث في غسل أعضاء الوضوء، واختلاف الأقوال حول ذلك. كما يناقش حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء، حيث اختلفت الأقوال بين استحبابها ووجوبها.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد: قال -رحمه الله تعالى- عن حمران مولى عثمان أنه رأى عثمان -رضي الله عنه- دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض، أو استنشق، أو استنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا. ثم قال: «رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ نحو وضوء هذا». وقال: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». هذا الحديث -كما ترون- من طريق حمران، وهو تابعي ثقة، عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه-. وفيه بيان وضوء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من هذا الصحابي بطريقة عملية. وقد ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أن التعليم بالعمل أوقع في النفس من التعليم بالقول. ولهذا صنع هذا الفعل عثمان -رضي الله عنه وأرضاه-. وقد جاءت أيضا سنة نبينا تبين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلم أصحابه في بعض الأمور عمليا. قوله: «الوضوء» بفتح الواو، اسم الماء الذي يتوضأ منه. وبالضم، أي: الوضوء اسم للفعل، أي: لفعل الوضوء. وهذه هي لغة الأكثر، أي: التفريق بين «الوضوء» و«الوضوء». وذهب بعض أهل اللغة إلى جواز الفتح فيه، أي: يقال: «وضوء» للماء المستخدم للوضوء، و«وضوء» أيضا للتوضؤ، أي: العمل. قوله: «تمضمض»، التمضمض: تحريك الماء في الفم. قال الحافظ -رحمه الله-: «وأما معناه في الوضوء الشرعي، فأكمله أن يضع الماء في فمه، ثم يديره، ثم يمجه». كما يقال: «الذيء في الشيء يمجه». وقد جاء عن بعض الشافعية أنهم قالوا: «لا يشترط تحريك الماء في الفم، بل يكفي أن يكون الماء في الفم». ولا يشترط أيضا المجه، وهذا القول استضعفه بعضهم. قوله: «فأفرغ على يديه من إنائه»، أي: صب. قوله: «ويديه إلى المرفقين»، المرفقين: مفردها «مرفق». والمرفق: بكسر الميم وفتح الفاء. وهو مجتمع العضدين المتداخلين، وطرف العضد وطرف الساعد. وقوله: «من توضأ نحو وضوء هذا»، قال النووي -رحمه الله تعالى-: «إنما لم يقل: مثل، لأن حقيقة المماثلة لا يقدر عليها غيره». حقيقة مماثلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يستطيع عليها أحد أن يعمل تماما مثل ما عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. هذا توجيه الحافظ، أو توجيه الإمام النووي -رحمه الله تعالى-. وتعقبه الحافظ فقال: «لكن ثبت التعبير بها في رواية المصنف في الرقاق: من توضأ مثل وضوء هذا». ولم يقل: «نحوه». قال: «مثل وضوء هذا». وجاء في كتاب الصيام أيضا من صحيح البخاري: «من توضأ وضوء هذا». وقال مسلم أيضا: «توضأ مثل وضوء هذا». قوله: «لا يحدث فيهما نفسه»، قال: المراد ما تسترسل النفس معه، ولا يمكن المرء قطعه. قال: لأن قوله: «يحدث» يقتضي اكتسابا منه، أي: أنه هو الذي يحدث نفسه. فأما ما يهجم من الخطرات والوسواس ويتعذر دفعه، فذلك معفو عنه. يستفاد من الحديث الفوائد: الأولى: استحباب غسل الكفين في ابتداء الوضوء. قال ابن المنذر -رحمه الله-: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة». يستحب استعمالها، وهو مخير: إن شاء غسلهما مرة، وإن شاء غسلهما مرتين، وإن شاء غسلهما ثلاثا. أي ذلك فعل. وغسلها ثلاثا أحب إلي. وإن لم يفعل ذلك، فأدخل يده في الإناء قبل أن يغسلهما، فلا شيء عليه. فالأمر على الاستحباب. المسألة الثانية: استحباب التثليث في غسل أعضاء الوضوء إلا الرأس. وفي المسألة أقوال: الأول: قول الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، قالوا: «إن الأعضاء تغسل ثلاثا ثلاثا، إلا غسل الرجلين، فإنهم يغسلونه بما يتنظف فيه، ثم مرة أو مرتين أو ثلاثا». الثاني: قول الشافعي وأصحاب الرأي، قالوا: «استحباب الوضوء ثلاث مرات، وواحدة تجزئ». إلا الرأس، فمرتان، وواحدة. القول الثالث: قول مالك، وهو عدم التوقيت. أي: عدم عدد معين في الوضوء، بل يتوضأ بالغسل مطلقا. واستدل بعموم الآية: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾. الراجع من هذا: القول باستحباب الغسل ثلاثا، لحديث الباب، حديث عثمان. وجاء في حديث عبد الله بن زيد نحوه. وقد ثبت في الصحيح: عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرة مرة. وجاء في حديث عبد الله بن زيد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرتين مرتين. المسألة الثالثة: حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء. فيها أقوال: القول الأول: قول الشافعي ومالك والأوزاعي وأحمد، وطائفة من السلف، ذهبوا إلى أنها مستحبة. واستدلوا بحديث رفاعة بن رافع -رضي الله عنه- وفيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بإعادة الوضوء والصلاة، فلما علمه الوضوء، قال له: «توضأ كما أمرك الله». فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه ورجليه. رواه أبو داود بسند صحيح. قالوا: فهذا يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في مقام التعليم لهذا الأعرابي، ولم يعلمه المضمضة والاستنشاق. ولو كانا واجبين، لعلمه النبي -صلى الله عليه وسلم-. القول الثاني: أنهما واجبان في الوضوء والغسل، وشرطان لصحتهما. وهذا مذهب ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق. واستدلوا بأدلة، منها: الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، قالوا: فإن الله أمر بغسل الوجه، والأنف والفم من الوجه، فوجب غسلهما في المضمضة والاستنشاق. والقول الأقرب: أن المضمضة مستحبة مسنونة، وأما الاستنشاق فواجب، لظاهر حديث أبي هريرة وحديث لقيط بن صبرة. والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.