الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام مسح الرأس في الوضوء للرجل والمرأة، حيث أجمع العلماء على أن من عم رأسه فقد أدى ما عليه. كما يتناول اختلاف الإمام أحمد في مسألة مسح المرأة لمقدم رأسها.
يفصل هذا الفصل كيفية وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم كما رواه عبد الله بن زيد، مع توضيح لعدد مرات الغسل في مختلف أعضاء الوضوء وتفسير آراء العلماء في ذلك.
يناقش هذا الفصل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطهارة والوضوء، مع التركيز على تفاصيل مثل غسل الرجلين وترتيب الوضوء والتنعم بالتيمن في الأفعال.
وعلى رسول الله وعلى آله وصحبه، من وعلاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، هنا بعض الفوائد المتممة لحديث عثمان في مسألة الوضوء. منها أن الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى قال: وأجمع العلماء على أن من عم رأسه بالمسح فقد أدى ما عليه، وأتى بأكمل شيء فيهم. وسواء بدأ بمقدم رأسه أو بوسطه أو بمؤخره، وإن كان لم يفعل ما استحب منه. وأيضًا قال: وأجمعوا على أن اليسيرة الذي لا يقصد إلى إسقاطه، متجاوز عنه لا يضر المتوضئ. أي إنسان إذا مسح وشيء ما مر عليه شيء يسير، فهذا لا يضر على الصحيح؛ لأنه عمل الذي عليه، وهو التعميم. فائدة ثالثة، قال أيضًا ابن عبد البر رحمه الله: والمرأة عند جميع الفقهاء في مسح رأسها كالرجل سواء. على أصله، المرأة سواء توضأت مثل الرجل. رجل إذا كان شعره طويلًا، ماذا يصنع؟ يتوضأ، يقبل بيديه وماذا ويدبر. وهكذا المرأة تصنع، تقبل بيديها وماذا وتدبر الرأس إلى الرأس. ونقل ابن قدامة رحمه الله عن أحمد في هذا أنه قال: إلا أن الظاهر عن أحمد ابن حنبل عن أحمد رحمه الله في حق الرجل وجوب الاستيعاب، وأن المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها. هذا قول للإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه قال: الرجل يجب عليه الاستيعاب في المسح، أما المرأة يكفيها أن تمسح مقدم رأسها. فلما سئل عن ذلك قال: كانت عائشة تمسح بمقدمة رأسها. قال: وكانت عائشة رضي الله عنها تمسح بمقدم رأسها. وأثر عائشة هذا لم نقف عليه، لكن إمام أحمد رحمه الله تعالى من أئمة الحديث، مادام استدل بها على هذه المسألة، فالظاهر أنه ثابت عنده. لكن قد ثبت عن عائشة رضي الله عنها خلافه. فقد روى البيهقي من طريق أم عالقمة مولاة عائشة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء تمسح برأسها كله. وهذا فيه دلالة على أن عائشة رضي الله عنها وأرضاه كانت تعمم الرأس في المسح. وأضح هذا الأمر، ما تدخل يدها من تحت الرداء فتمسح رأسها كله. وأم عالقمة وإن كانت مقبولة، إلا أن في مثل هذا يقبل حديثها؛ لأنها تروي قصة رأتها بعينيها. فعلى هذا، لو ثبت الذي نقله الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فيحمل على أن عائشة رضي الله عنها وأرضاه كانت تارة تعمم المسح، وذلك إذا بادرت المسح برأسها. وإذا كان على رأسها شيء خمار أو نحوه، تمسح مقدمة رأسها وتتم من الخمار. كما يصنع الرجل، وكما ثبتت الأحاديث عن نبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان على رأسه عمامة، أنه مسح بناصيته وعلى العمامة. قال رحمه الله تعالى: عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه قال: شهدت عمر بن أبي الحسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بتور مما فتوضأ لهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأكفأ على يديه من التور فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يديه في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات. ثم أدخل يده في التور فغسل وجهه ثلاثًا، ثم أدخل يده فغسلهما مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح بهما رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه. وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجعا إلى المكان الذي بدأ منه. قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: التور شبه الطست. طيب، عبد الله بن زيد وهو بن عاصم، عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب الوضوء. سئل عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان؟ فأراه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء عمليًا. قال: فدعا بتور مما فتوضأ لهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي توضأ لهم مثل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم تمامًا. قال: فأكفأ على يديه من التور، أي حرك التور فجعل يصب من التور على يديه. قال: فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يديه في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات. قال: ثم أدخل يده في التور فغسل وجهه ثلاثًا. قال إمام النووي رحمه الله تعالى: ويستحب أن يدخل كلتا يديه ويغسل وجهه؛ لأن بهما يكون التعميم. قال: ثم أدخل يده فغسلهما مرتين إلى المرفقين. قوله: ثم أدخل يديه فمسح بهما رأسه فأقبل بهما وأدبر، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى بمعنى هذا. فقال بعضهم: أقبل بهما أي بدأ من مؤخرة رأسه فأقبل بيديه إلى الأمام، ثم أدبر بهما. وقال بعض أهل العلم: لا، المراد بالإقبال الإقبال بالنسبة ليدين، فهو أقبل بيديه فبدأ من مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: قد جاءت الرواية الأخرى مبينة موضحة للمراد، فقال: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. قال: فهذه الرواية تذهب الإشكال. فيستحب أن المتوضئ إذا توضأ أن يبدأ بمقدم رأسه حتى يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه. قوله: فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، فيه دلالة على أن مسح الرأس يكون مرة واحدة. وقد ذكر بعض أهل العلم أن المستحب أن يغسل الرأس ثلاثًا، استدلوا ببعض الأحاديث جاءت في سنة نبي داود. ولكنها لا تصح، والصحيح ما جاء في هذا الحديث ونحوه من أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه مرة واحدة. قال: ثم غسل رجليه. قوله: ثم غسل رجليه، مرة معنا الكلام على غسل الرجلين عند الكلام على حديث «ويل للأعقاب من النار». لكن ها هنا مسألة وهي غسل الرجلين كم مرة؟ معنا أنه واجب على الصحيح، وهو قول عامة سلف. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. اختلف أهل العلم في هل الكعبين داخلان في الغسل أم ليس بداخلين في الغسل؟ المسألة كالمسألة في المرفقين. ذهب عامة أهل اللغة والفقه والحديث إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق وأعلى القدم. هذا الكعبان يسميان كعبان. وأما الشيعة، فالكعب هو ما كان في مقدمة القدم، ما كان في أعلى القدم يسمى كعبان. وهذا مردود لغة وشرعًا. عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله». ذكر رحمه الله تعالى حديث عائشة هؤلاء في باب الطهور، في قوله: «ما لا يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره». ففي إشارة إلى أن أعضاء الوضوء ما كان مكونًا من عضوين، أنه يبدأ باليمين. قال: كان يعجبه التيمن في تنعله، أي في لبسه للنعال. كان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا بدأ بلبس النعال بدأ باليمنى ثم اليسرى، وإذا نزعهما بدأ باليسرى ثم اليمنى. كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «كان إذا نعل لأحدكم فليبدأ بالي، ثم اليسرى. وليجعل اليمنى أولاهما تنعل وأخراهما تنزع». قال: وفي ترجله، المراد في مشطه لشعره. يدخل فيه كذلك شعر اللحية لمن كان عنده لحية. إذا بدأ كذلك يبدأ باليمين. لعموم حديث «يعجبه التيمن». وفي شأنه كله، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى ها هنا قاعدة، قالوا: في كل شيء يكرم أو مكرم يبدأ فيه باليمين. فمن امتشط يستحب له أن يبدأ بالجزء الأيمن ثم الجزء الأيسر. وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رأسه وفي شعره كما جاء عن عائشة رضي الله عنها وأرضاه: «أنها كانت تفرق لرسول الله صلى الله عليه وسلم من يافوخه وتسدل ناصيته بين عينيه». كان يفرق رأسه من الوسط وتسدل ناصيته بين عينيه. قال: وطهوره، سواء كان في الوضوء كما مر معنا أو في الغسل. الغسل إذا بدأ في غسل جنابة أو في غسل جمعة ونحوها، وبدأ الغسل بعد أن يغسل رأسه يبدأ بغسل جنبه الأيمن، ثم جنبه الأيسر. ثم قال: وفي شأنه كله، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في كل شيء يفعله. والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.