الدرس في كتاب الصلاة 106، ألقاها
يُعرّف الكسوف لغة واصطلاحا، ويُبين أسبابه الحسية والشرعية. يُفصّل في أسباب كسوف الشمس وخسوف القمر.
يشرح كيفية صلاة الكسوف كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر حديث عائشة وأبي مسعود الأنصاري في صفة الصلاة وأهميتها.
يشرح حديث النبي حول صلاة الكسوف وأهمية الرؤية، ويبين وجوب الصلاة والدعاء حتى ينكشف الكسوف.
يستحب للإنسان أن يدعو الله بعد الصلاة حتى ينجلي الكسوف، ومن الأدعية المستحبة سبحانك اللهم وبحمدك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه عمدة الأحكام، في كتاب الصلاة منه، قال: باب صلاة الكسوف. وتقدم معنا مرارا أن الباب يطلق ويراد به المدخل، أي مدخل لأحكام صلاة الكسوف. وقوله: صلاة الكسوف هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، لأن التقدير باب الصلاة التي سببها الكسوف. ومن ها هنا نعلم أن صلاة الكسوف من الصلاة، أو من الصلوات ذوات الأسباب، بمعنى أنها مرتبطة بسبب، فمتى وجد ذلك السبب شرعت الصلاة، ومتى انتفى انتفت. فمدارها على سببها، مدار مشروعية صلاة الكسوف على ماذا؟ على وجود ذلك السبب. فماذا وجد الكسوف شرعت الصلاة، ومتى لم يجد أو متى لم يوجد لا تشرع تلك الصلاة. والكسوف لغة، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، قالوا: إن مادة الكاف والسين والفاء، أي كسفة، أصل يدل على تغير في حال الشيء إلى ما لا يحب، وعلى قطع شيء من شيء. قالوا: من ذلك كسوف القمر، وهو زوال ضوءه. والكسوف كما قال أهل اللغة: احتجاب نور الشمس أو نقصانه بوقوع القمر بينهما أو بوقوع القمر بينها وبين الأرض. وهو للشمس كالخسوف للقمر. وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى في النهاية: والكثير في اللغة، وهو اختيار الفراء، أن يكون الكسوف للشمس والخسوف للقمر، فيقال: كسفت الشمس وخسف القمر. وذكر بعض أهل العلم أن هذا يطلق على هذا والعكس، فجعلها من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في صلاة الكسوف أنها لها سببان، أحدهما: الكسوف نفسه، الكسوف ذاته. قالوا: له سببان، سبب حسي وسبب آخر شرعي. فالسبب الحسي بالنسبة لكسوف الشمس، قالوا: هو وقوع القمر بينها وبين الأرض. فعند وقوع القمر بين الأرض وبين الشمس يحصل هذا الكسوف. إذا قال من قال من أهل العلم: إن الكسوف بالنسبة للشمس لا يكون كليا على جميع الأرض، وإنما يكون على جهة من جهات الأرض التي أحاط بها ظلام القمر أو التي كان يحل بينها وبينها القمر. وبالنسبة لبقية البلاد لا تكون كذلك، ولكن تكون الشمس قد انكسفت كسوفا جزئيا. وبالنسبة لكسوف القمر، قالوا: إن سببه كذلك هو وقوع الأرض بينه وبين الشمس، كون الأرض بينه وبين الشمس. الأرض ثابتة، والشمس تدور، والقمر كذلك يدور. فكون الشمس والقمر في جهتين والأرض بينهما، فإذا كانت الأرض بينهما منعت ضوء الشمس أو إشعاع الشمس من أن يكون في القمر. وإذا كان كذلك حصل الكسوف. وهذا بناء على ما ذكره جماعة من أهل العلم أن القمر إنما يعكس ضوء الشمس، أن القمر إنما يعكس ضوء الشمس، فقالوا: حاله كحال المرآة. إذا جاء ضوء الشمس إليه عكسه على الأرض. وإذا حال بينه وبينها شيء، حال بين القمر وبين الشمس شيء وهو الأرض، حصل الكسوف. قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها أن الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مناديا ينادي: الصلاة جامعة، فاجتمعوا وتقدم فكبر وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. قوله عن عائشة: تقدم وتكرر معنا مرارا ذكر عائشة رضي الله عنها وأرضاها. وهذا إذا دل على شيء فليدل على مكانتها رضي الله عنها وأرضاها العلمية، وكيف حفظ الله جل وعلا بها المسلمين علما كثيرا، فرضي الله عنها وأرضاها. قالت: إن الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مناديا ينادي: الصلاة جامعة. قولها: إن الشمس خسفت يدل على أنه يقال: الشمس خسفت. وتقدم معنا أنه يطلق هذا على هذا والعكس، يطلق على القمر بأنها كذلك يقال: خسف القمر، ويقال: كسفت الشمس، ويقال: كسف القمر. ولا مانع من هذا وهذا. قوله: فبعث مناديا ينادي، في إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حضر المسجد ودخل المسجد أمر هذا المنادي بأن ينادي في الناس. وفيه أنه قال: ينادي الصلاة جامعة. وقوله صلى الله عليه وسلم: ينادي الصلاة جامعة، فيه مشروعية النداء بهذا النداء في صلاة الكسوف. وأن صلاة الكسوف ليس فيها أذان ولا إقامة. قال: فاجتمعوا وتقدم فكبر، ليس فيه أنهم أذنوا ولا أنهم أقاموا الصلاة، ولكن أمر المنادي أن ينادي فنادى، ثم تقدم فصلى. صلى الله عليه وسلم: وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. وهذا من عائشة رضي الله عنها وأرضاها إخبار عن صفة صلاة الكسوف التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أن كسفت الشمس. فقالت: صلى أربع ركعات في ركعتين، ما معنى أربع ركعات في ركعتين؟ معناه أنه صلى أربع ركوعات في ركعتين، أربع ركوعات في ركعتين، أي في الركعة الواحدة ركوعان. قال: وأربع سجدات، على صفة بقية الصلوات، أن الركعة الواحدة كان فيها سجدتان. قال رحمه الله تعالى: عن أبي مسعود عقبة بن عمر الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ﴾. قوله رضي الله عنه: عن أبي مسعود، وهو عقبة بن عمر كما ذكر رحمه الله تعالى، وهو عقبة بن عمر الأنصاري البدري. وهل هو بدري لأنه شهد بدرا أم لأنه كان يسكن بدرا؟ قولان لأهل العلم. فجماعة من أهل العلم قالوا: إنما سمي البدري أو لقب بالبدري لأنه سكن بدرا. وذهب آخرون ومنهم الإمام البخاري رحمه الله تعالى إلى أنه ممن شهد بدرا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده». قوله: يخوف الله بهما عباده، هذا في تعليل لقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله. فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ يخوف الله بهما عباده. وكون الشيخ رحمه الله تعالى ذكر حديث أبي مسعود عقب حديث عائشة، إشارة إلى حسن ترتيب منه رحمه الله تعالى، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى بهم هذه الصلاة التي وصفتها عائشة بوصف إجمال، بعد أن صلى بهم خطبهم. فكان من جملة خطبته صلى الله عليه وسلم أن قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده». وقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا»، استدل به أهل العلم على أن المعتبر في صلاة الكسوف هي الرؤية. فإذا علم هذا، فإذا قال قائل: إن أثبت الفلكيون أو أخبر الفلكيون أنه سيقع كسوف أو كسوف في يوم كذا في وقت كذا في زمن كذا، هل هذا الأمر معتبرا أم ليس بمعتبر؟ الجواب هو أن العبرة بقوله النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا». فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بماذا؟ برؤية ذلك الشيء، رؤية عينية. قال جماعة من أهل العلم: إن العبرة بالرؤية البصرية، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم منها شيئا»، هذا فيه إشارة إلى أن قوله: شيئا، فيه أنه إذا رأى الإنسان ولو شيئا يسيرا من هذا الكسوف فإنه يشرع له أن يصلي، بل عليه أن يبادر إلى الصلاة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فصلوا»، قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن مجيء الفاء ها هنا، وهي للسببية، عقب قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا»، فيه إشارة إلى وجوب هذه الصلاة. وإلى أن هذه الصلاة مرتبطة بسبب، فإذا وجد سببها شرعت تلك الصلاة بل وجبت. وقولهم: «وادعوا الله حتى ينكشف ما بكم»، استدل به أهل العلم إلى أن الصلاة وأن الدعاء يبقى مستمرا إلى أن ينكشف ذلك الكسوف. فإن صلى الإنسان وسلم قبل أن تنكشف، قبل أن ينكشف ما بهم، استحب العلماء أن يبقى الإنسان يدعو الله جل وعلا ويدكر ربه جل وعلا حتى ينجلي ذلك الكسوف. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.