شرح قرة عيون الموحدين 20

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 20، ألقاها

تحريم لبس الحلقة والتمائم

يناقش المقطع تحريم لبس الحلقة والتمائم لرفع البلاء أو دفعه، ويبين أن هذا الفعل من الشرك سواء اعتقد فيه الاستقلال أو السببية. يشرح أيضًا أن تعليق القلب بغير الله تعالى يوقع في الشرك.

تعليق التمائم وعلاقته بالشرك

يناقش تعليق التمائم ومدى علاقته بالشرك، ويشرح قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلق تميمة فقد أشرك». يبين أن تعليق التمائم قد يكون شركًا أكبر أو أصغر حسب اعتقاد الشخص.

فهم المشركين لدعوة النبي

المشركون في زمن النبي فهموا دعوته إلى عبادة الله وحده، لكنهم اختلفوا في الاستجابة لها. بينما المشركون في الأزمان المتأخرة لا يفهمون حقيقة التوحيد ومعنى لا إله إلا الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى جميعاً- في كتابه الموسوم بـ "قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين"، وهو تعليق وحاشية على كتاب التوحيد: قال قوله عن عمران بن حسين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً» رواه أحمد بإسناد لا بأس به. قوله: عمران بن حسين، أي: ابن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد -بنون وجيم مصغر- صحابي، ابن صحابي، أسلم عام خيبر، ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة. قبل هذا الحديث المذكور -كما ذكر رحمه الله تعالى- أنه رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، والحديث في إسناده ضعف باعتبار طريقه المذكورة هاهنا، لكن للحديث شواهد، بها يرتقي إلى الحسن، فهو حديث حسن بمجموع شواهده وطرقه، ومنها ما سيأتي في هذا الباب. قوله: «رأى رجلاً»، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً، قال: في رواية الحاكم: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عضدي حلقة صفر، فقال: ما هذا؟» الحديث. قال: فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث، أي: أن الرجل الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم -في قول عمران- أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، المراد به نفسه، لكنه كنّى عن نفسه، كما بين ذلك رواية الحاكم -رحمه الله تعالى-. قوله: «ما هذا؟» قال: الظاهر أنه للإن، والثاني: أنه سؤال إنكار، أي: حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في يد هذا الصحابي هذه الحلقة من الصفر، فقال: «ما هذا؟» هل سأله النبي صلى الله عليه وسلم ليستفصل، أي: ما معنى وما هي هذه الحلقة التي في يدك؟ أم أنه أنكر عليه؟ الأمران محتملان. قوله: «من الواهنة»، قال: أبو السعادات: الواهنة: عرق يأخذ في المنكب، وفي اليد كلها، فيرقى منها، وقيل: هو مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء. وأبو السعادات هو ابن الأثير -رحمه الله تعالى-، صاحب كتاب "غريب الحديث"، ومن أفضل الكتب في غريب الحديث، وأيسرها، بل وأجمعها. قال -رحمه الله تعالى-: «وإنما نهاه عنها»، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن هذه الحلقة من صفر التي كانت في يده، وإنما نهاه عنها لكونه يظن أنها تمنع عنه هذا الداء أو ترفعه، فأمره بنزعها لذلك، وأخبره أنها لا تزيده إلا وهناً؛ فإن المشرك يعامل بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه. قوله: «لأنه يظن أنها تمنع»، أي: ذلك الذي علق تلك الحلقة لكونه يظن أنها تمنع، إما لذاتها استقلالاً، وإما لكونها سبباً. فقوله: «لأنه يظن أنها تمنع»، هذا تمنع عنه هذا الداء أو ترفعه -كما تقدم معنا- إما أن يكون ذلك الرجل يعتقد فيها أنها تمنع الداء أو ترفع الداء استقلالاً -أي بذاتها-، وهذا من قبيل الشرك الأكبر، وإما أن يكون أنه اعتقد فيها السببية، وأنها ترفع الداء أو تدفعه، وهذا هو الأقرب من حال الصحابي، أي: أنه قد يكون بقي عنده -بسبب حداثة إسلامه- شيء من رواسب الجاهلية، ومنها تعليق هذه التمائم، ظناً منهم أو ظناً منه أنها سبب لدفع الضر أو لرفعه، فيكون على المعنى الأول -إن اعتقد فيها الاستقلال أنها ترفع الضر أو تدفعه استقلالاً- أي بذاتها، يكون من قبيل الشرك الأكبر، وإن كان يظن فيها أنها ترفع الضر أو تدفعه، وأنها إنما هي سبب، وأن الأمر بيد الله -جل وعلا-، فهذا يكون من قبيل الشرك الأصغر؛ لما تقدم معنا في الدرس السابق، وذلك لأنه جعل ما ليس سبباً سبباً. ومن هذا نعلم وجه الدلالة من هذا الحديث في هذا الباب، منه نعلم ما هي أو ما هو وجه الدلالة من ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- لهذا الحديث تحت هذا الباب، أي: تحت باب: «من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه». قال -رحمه الله تعالى-: «قال: وأخبر أنها لا تزيده إلا وهناً؛ لماذا؟ لا تزيده إلا وهناً؛ لأن قلبه قد تعلق بغير الله -جل وعلا-، وما دام أن قلب العبد قد تعلق بغير الله -جل وعلا-، وكل إليه، وكان عن حفظ الله -جل وعلا- ورعايته وعنايته به بعيداً، بحسب ما قام بقلبه من التفات إلى غير الله -جل وعلا-، لذا جاء في الحديث: «ما زادك إلا وهناً»؛ قال: «فإن المشرك يعامل بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه»؛ فقلبه معلق بغير الله -جل وعلا-. قال: «فإذا كان هذا بحلقة صفر، فما الظن بما هو أعظم وأطم؟» كما وقع من عبادة القبور والمشاهد والطواغيت وغيرها، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل -أي: بقية من عقل-. وفي هذا الكلام إشارة إلى أن هذا المعلق لهذه التميمة قد وقع في قلبه أنها ترفع الضر أو تدفعه استقلالاً؛ لذا قال: «فإن المشرك يعامل بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه»، وتعليق القلب المطلق بغير الله -جل وعلا- هذا من الشرك الأكبر، بخلاف الالتفات إلى غير الله -جل وعلا-؛ فإن هذا نوع من الشرك الأصغر، ففرق بين هذا وذاك. قوله -رحمه الله تعالى-: «قال المصنف -رحمه الله تعالى-، أي: الإمام محمد بن عبد الوهاب: فيه شاهد لكلام بعض الصحابة: «إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر»، وأنه لم يُعذر بالجهالة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً»، والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة. قوله -رحمه الله تعالى-: «فيه شاهد لكلام بعض الصحابة: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر»، وقد جاء عن ابن مسعود -سيأتي معنا بإذن الله -جل وعلا- في هذا الكتاب المبارك- أنه قال: «لأن أحلف بالله كاذباً وهو يعلم أنه كذب -يقول- خير لي أو أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقاً»، وهذا فيه إشارة إلى أن اليمين الكاذبة هي من الكبائر، لكن أشد منها أن يحلف بغير الله -جل وعلا- ولو كان صادقاً؛ أن يحلف بغير الله -جل وعلا- ولو كان صادقاً. فقول الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: «ففيه شاهد لكلام بعض الصحابة: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر»، كما جاء في الأثر المذكور عن ابن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه-، ونحوه، قال: «وأنه لم يُعذر بالجهالة»، وأنه لم يُعذر بالجهالة، أي: في هذه المسألة، لم يُعذر بالجهالة، وهذا قد يحمل على أنه لم يُعذر بالجهالة؛ إما لأنه -أي- أصل العلم قد بلغهم، أن العلم أو أصله قد بلغهم؛ بمعنى أنه عن تعليق التمائم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ما هذا؟» بناء على وصول ذلك إليه، وإلا فإن الأصل في ذلك: قول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وكما قال الله -جل وعلا-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، فالأصل أن الله -جل وعلا- كما أخبر عن نفسه: أنه لا يعذب أحداً حتى يبلغه العلم، فمتى بلغه العلم فإنه يكون مؤاخذاً حينها بتبعات ما خالف فيه ذلك العلم، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وتلميذه القيم، وجماعة من المحققين، والله تعالى أعلى وأعلم. قوله: «أنه لم يُعذر بالجهالة؛ لقوله: فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً»، قال: والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة. وقوله: «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً»، والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة. وكذلك مسألة الفلاح، يقال: على حسب ما تقدم ذكره من تعليق التميمة، فقد يكون الفلاح فلاحاً مطلقاً، وقد يكون الفلاح المنفي مطلق الفلاح؛ بمعنى أن من علق التميمة، واعتقد في التميمة كشف الضر أو جلب النافع استقلالاً -بذاتها-، الفلاح المنفي مطلق الفلاح؛ فلا يفلح أبداً، فلا يدخل الجنة أبداً؛ إذا مات على ذلك؛ وذلك لأنه أشرك بالله -جل وعلا-، والله -جل وعلا- يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ويقول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، هذا القسم الأول. والقسم الثاني: إذا اعتقد فيها السببية، فيكون من قبيل الشرك الأصغر، ويكون الفلاح المنفي هاهنا نوع من الفلاح، وهو ما يستحق الثناء المطلق، صاحبه، فالفلاح هناك مطلق الفلاح، والفلاح المطلق ينفى عنه كمال الفلاح، أما أصل الفلاح فإنه يناله بتوحيده، أي: من كان من أهل الشرك الأصغر. إذن في قوله -رحمه الله تعالى-: «والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة» تفسيراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً»، التفصيل فيه على ما تقدم ذكره: فلاح الكامل، والفلاح المقيد. قوله -رحمه الله تعالى-: «قوله: رواه أحمد بإسناد لا بأس به»، قال: هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي، إمام أهل عصره، وأعلمهم بالفقه والحديث -أي في عصره- رحمه الله، وأشدهم ورعاً ومتابعة للسنة، وهو الذي كان يقول فيه بعض أهل السنة: «عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه؛ أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها» -رحمه الله تعالى وغفر له-. قال: «روى عنه الشافعي، ويزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وابن عيينة، وعبد الرزاق، وخلق لا يحصون، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة -رحمه الله تعالى-». قوله: «وله عن عقبة بن عامر»، الضمير عائد إلى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-؛ لأنه أقرب مذكور، قال: «وله عن عقبة بن عامر مرفوعاً: من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له»، وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك». والحديث -كما ذكر- حديث حسن بمجموع طرقه، حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده. قوله: عقبة بن عامر، صحابي مشهور، فقيه، فاضل، ولي إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنين، ومات قريباً من الستين. قال: «وهذا الحديث فيه التصريح بأن تعليق التمائم شرك؛ لما يقصده من علقها؛ لدفع ما يضره أو جلب ما ينفعه»، لما يقصده من علقها، أي: من علق هذه التمائم؛ لدفع ما يضره -أي: إما لدفع ضر، أو جلب ما ينفعه- أي: إما أن يعتقد فيها أنها مانع أو رافع للضر، أو أنها جالب للنفع، أو أنها جالب للنفع، وكل الأمرين من الشرك، والتفصيل فيه كما تقدم: إن اعتقد أنها استقلالاً تجلب النفع أو تدفع الضر؛ فإنها من قبيل الشرك الأكبر، وإن اعتقد أنها سبب لجلب النفع أو لدفع الضر؛ فإنها من قبيل الشرك الأصغر. قال: «وهذا أيضاً ينافي كمال الإخلاص الذي هو معنى: لا إله إلا الله؛ لأن المخلص لا يلتفت قلبه لطلب نفع أو دفع ضر من سوى الله» -كما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، قال: «فكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك»، أي: إن كان من قبيل الشرك الأصغر، وأصل التوحيد لا يصلح إلا بذلك؛ إن كان من قبيل الشرك الأكبر، واضح هذا. قوله -رحمه الله تعالى-: «فكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك؛ إن علقها معتقداً أنها سبب، وأن الله -جل وعلا- هو النافع الضار، إنما هي سبب، فهذا منافٍ لكمال التوحيد، منافٍ لكمال التوحيد، أما إن اعتقد فيها جلب النفع أو دفع الضر استقلالاً لذاتها؛ فإن هذا منافٍ لأصل التوحيد، منافٍ لأصل التوحيد». قال: «فكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك، وإن كان من الشرك الأصغر فهو عظيم»، أي: وإن كان هذا الأمر -أي: تعليق التمائم- من قبيل الشرك الأصغر، إلا أنه عظيم. قال: «فإذا كان قد خفي على بعض الصحابة -رضي الله عنهم- في عهد النبوة، فكيف لا يخفى على من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟» بعدما حدث في الأمم ما حدث من البدع والشرك -كما في الأحاديث الصحيحة- وتقدمت الإشارة إلى ذلك. ففي هذه الكلمات إلماحة وإشارة إلى أن الشرك واقع، وأن أحداً لا يعصم منه إلا من عصمه الله -جل وعلا-، فإذا كان هذا الأمر قد وقع في بعض الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- أي: تعليق التمائم، فكيف بحال من هو دونهم إيماناً و علماً؟ أفيأمن على نفسه؟ لا، والواقع خير شاهد؛ إذا كان أولئك وقع منهم ذلك معتقدين فيها السببية، فكثير من المتأخرين من يعتقد فيها السببية، وربما اعتقد بعضهم فيها أنها تنفع أو تضر بذاتها استقلالاً، فيكون وقع منه الشرك الأكبر المنافي لأصل التوحيد. قال: «وهذا مما يبين معنى: لا إله إلا الله أيضاً»، وفي هذا إشارة أولاً إلى أن الحديث المذكور علاقة بهذا الباب، في قوله: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، وفيه إشارة أيضاً إلى أن هذا الباب وما سيأتي من الأبواب هو كالتفسير والتفصيل للباب الذي قد مضى معنا: «باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله»، لذا يقول: «وهذا مما يبين معنى: لا إله إلا الله أيضاً؛ فإنها نفت كل الشرك قليله وكثيره»، أي: سواء كان من قبيل الشرك الأكبر أو من قبيل الشرك الأصغر، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قوله: «فلا أتم الله له»، دعاء عليه، وكذلك قوله: «فلا ودع الله له»، أي: لا جعله الله في دعة وسكون، وهذا دعاء من نبي صلى الله عليه وسلم، فيه التحذير من هذا الأمر، فقوله صلى الله عليه وسلم: «فلا أتم الله له»، وقوله: «فلا ودع الله له» -كما ذكر الشارح -رحمه الله تعالى- أن ظاهره الدعاء، وقد يحتمل أنه إخبار، يحتمل أنه إخبار، أي: من رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن من هذا حاله، فلا أتم الله له، أي: ما ظنه واعتقد في ذلك، فيكون حالك أو تفسيرك التفسير الأول: «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً»، فيكون: «فلا أتم الله له» معناها كمعناها، وكذلك: «فلا ودع الله له»، وكل الأمرين محتمل، أي: محتمل أن يكون هذا على سبيل الدعاء، ومحتمل أن يكون على سبيل الإخبار، إخبار منه صلى الله عليه وسلم: أن حال من علق التمائم هو هذا الأمر، ومآله كذلك، هذا حاله، إن لم يتم منها، ومآله كذلك؛ إن لم يتم منها إلى الله -جل وعلا-. قوله: «ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾»، والحديث له طرق، بها يرتقي إلى الحسن، أو هذا الأثر -يعني بهذا اللفظ- فيه شيء من الضعف، لكن رواه أبو شيبة -رحمه الله تعالى- بأسانيد أحدها صحيح لذاته، والآخر كذلك، محتمل؛ إن كان راويه ثقة؛ لأن راويه محتمل أن يكون رجلاً ضعيفاً أو آخر ثقة، فالحق أن الأثر ثابت. وفي "مصنف ابن أبي شيبة": «أن رجلاً دخل يعود حذيفة، وفي يده خيط، فقال له: ما هذه؟» حذيفة: «ما هذه؟ قال: ثم قطعها»، يعني: نزعها منه، وقطعها، وقال له حذيفة -رضي الله عنه وأرضاه-: «أما إنك لو مت وهي عليك ما صليت عليك»، أي: ثبت عن حذيفة أنه قال لذلك الرجل: «أما إنك لو مت وهي عليك ما صليت عليه». قال -رحمه الله تعالى-: «ابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي الحنظلي الحافظ، صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرهما -أي: ابن أبي حاتم -رحمه الله تعالى-، قال: مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة». قال: «وحذيفة هو ابن اليمان، واسم اليمان حسين -بمهملتين صغر-، وهو صحابي، ابن صحابي، ويقال: حسل -أي: حذيفة بن حسل-، ويقال: حسين -بكسر ثم سكون- العبسي -بالموحدة- حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، ويقال له: "صاحب السر"؛ أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر له بأسماء المنافقين، وأبوه صحابي أيضاً، أبوه مات يوم أحد خطأ؛ قتل في معركة أحد خطأ، قال: مات حذيفة في أول خلافة علي -رضي الله عنه- سنة ست وثلاثين». قوله: «رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾»، قال: فيه دليل على أن هذا شرك، وأن الصحابة -رضي الله عنهم- يستدلون بالآيات التي نزلت في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر؛ لدخوله في عموم الشرك المنهي عنه في الآيات والأحاديث عموماً وخصوصاً؛ لما قد عرفت أنه ينافي كمال الإخلاص، ينافي كمال الإخلاص. قال: «وهذا أدلته كثيرة؛ لاستدلال بالآيات؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والحكم يدور مع وصفه، لا يدور مع سببه»، قال: «إذا كان مثل هذا وقد خافه صلى الله عليه وسلم على الصحابة -كما تقدم في قوله: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر -كما في حديث محمود بن لبيد السابق، وإسناده ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم-، قال: فإذا كان يقع مثل هذا في تلك القرون المفضلة، فكيف يؤمن أن يقع ما هو أعظم منه؟» أي: في هذه القرون التي قد وقع فيها الجهل. قال: «لكن لغالبة الجهل به -أي: بالتوحيد-، ولغالبة كذلك الجهل بمعرفة الشرك؛ لأن بأضدادها تتبين الأشياء، فالأشياء تتبين بمضادها، فالتوحيد يتبين بمعرفة الشرك؛ لأن: لا إله إلا الله تنفي الشرك وتثبت التوحيد لله -جل وعلا- وحده لا شريك له». قال: «لكن لغالبة الجهل به -أي: بالتوحيد الذي جاءت به الرسل- وقع منهم أعظم مما وقع من مشركي العرب وغيرهم في الجاهلية -مما قد تقدم التنبيه عليه- حتى إن كثيراً من العلماء في هذه القرون اشتد نكيرهم على من أنكر الشرك الأكبر، فصاروا هم والصحابة -رضي الله عنهم- في طرفي نقيض، فالصحابة ينكرون القليل من الشرك -لتمام علمهم وإيمانهم وتوحيدهم لله -رب العالمين- جل وعلا-، وهؤلاء ينكرون على من أنكر الشرك الأكبر، ويجعلون النهي عن هذا الشرك بدعة وضلالة». قال: «وكذلك كانت حال الأمم مع الأنبياء والرسل جميعهم -فيما بعثوا به من توحيد الله -تعالى- وإخلاص العبادة له وحده، والنهي عن الشرك به، وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فهؤلاء صاروا كأولئك المشركين الأول في إنكارهم على من أنكر الشرك بالله -جل وعلا-، وإنكار على من أمر بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له». قال: «وقد بعث الله -تعالى- خاتم رسله محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك -كما بعث به من قبله-، فعكس هؤلاء المتأخرون ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشركي العرب وغيرهم؛ فنصر هؤلاء ما نهى عنه من الشرك غاية النصرة، وأنكروا التوحيد الذي بعث به غاية الإنكار؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لما قال لقريش: قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، عرفوا معناها الذي وضعت له، وأريد منها، فقالوا: «أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب». قال -رحمه الله تعالى-: «عرفوا معناها الذي وضعت له وأريد منها؛ فقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب؛ لأن معنى: لا إله إلا الله تنفي عبادة كل ما سوى الله -جل وعلا-، فينفي شرك المشركين، ويأمرون بإخلاص الدين لله وحده لا شريك له؛ فلما علموها أنكروا، وقاموا ونفروا، وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب». وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ ۝ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾، هذه في سورة الصافات. قال: «وقالوا -في صحيح البخاري وغيره- في سؤال هرقل لأبي سفيان عن نبي صلى الله عليه وسلم: قال: فماذا يأمركم؟ قال: قلت: يقول: اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئاً»، نكر في سياق النفي، فهم منها أبو سفيان والمشركون أنها تنفي عبادة كل ما سوى الله -جل وعلا-؛ تنفي عبادة كل مألوه معبود عبد سوى الله -جل وعلا-؛ سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو حجراً أو شجراً أو قمراً أو شمساً أو غير ذلك: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف، والصلاة والحديث متفق عليه. وبه نعلم أن العرب فهموا حقيقة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم منهم من آمن ومنهم من كفر، منهم من آمن ومنهم من كفر. وأما المشركون اليوم وقبل اليوم في الأزمان المتأخرة؛ فإنهم لا يعلمون حقيقة معنى: لا إله إلا الله، ولا حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل، فوقع منهم ما وقع من الشرك، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، بل يعادون ويتبرؤون وينافرون ويبدعون، بل وقد يصل بهم الأمر إلى أغلب أو أكثر من ذلك؛ فيمن دعاهم إلى التوحيد وحذر من عبادة كل شيء سوى الله -جل وعلا-. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على