الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 36، ألقاها
يشرح المقطع حديثًا نبويًا يصف كيفية سماع الملائكة لكلام الله تعالى، ويستدل به على إثبات كلام الله وعلوه على خلقه. يُبين أن هذا الحديث يدل على تعظيم الله تعالى ومهابة كلامه.
يشرح المقطع مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله تعالى وعلوه على خلقه، ويرد على الجهمية والأشاعرة والكلابية الذين ينفون هذه الصفات. يُؤكد أن أهل السنة يثبتون ما أثبته الله لنفسه ورسوله.
يشرح المقطع حديث نواس بن سمعان حول كيفية نزول الوحي وكلام الله تعالى، ويرد على الأشاعرة الذين ينكرون كلام الله الحقيقي بحرف وصوت. يُبين أن الله يتكلم ويتكلم بما شاء كيف شاء.
يختتم النص بالتأكيد على أهمية اتباع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الصحابة الكرام وأتباعهم. يشير إلى أن الله تعالى هو الأعلى علمًا ويختم بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده، ولا نستعينه، ولا نستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على تبويب الشيخ، رحمه الله تعالى، باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وأن هذه الآية الخطاب فيها -على الصحيح من أقوال أهل العلم- أنه مع الملائكة، وأن الملائكة حينما يسمعون كلام الله جل وعلا يحصل لهم غشية، فإذا فزع عن قلوبهم -أي ذهب ذلك الفزع عنها- قالوا: ماذا قال ربكم؟ وتقدم أن الشيخ رحمه الله تعالى ساق هذه الآية؛ ليبين -كما بيّن في الباب السابق لهذا الباب- أن أحدًا لا يملك شيئًا من أمر الله جل وعلا، وأن الأمر كله بيد الله جل وعلا، فلا يستحق أحد العبادة مع الله جل وعلا، ولو كان ملكًا مرسلًا أو نبيًّا مرسلًا أو ملكًا مقربًا، الكل عبيد لله جل وعلا، والكل مخلوقون لله جل وعلا، والله جل وعلا ربى ومعبودهم كلهم جل وعلا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: "قوله في الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قضى الله في السماء -إذا قضى الله الأمر في السماء- ضربت الملائكة بأجنحتها خضعان لقوله -كأنه سلسلة على صفوان- ينفذهم ذلك -أي في أسماعهم-، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا، بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه -أي حرف أصابعه وفرق-، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيصدق -أو فيصدق- بتلك الكلمة التي سمعت من السماء". قوله في الصحيح -أي في صحيح البخاري- قال رحمه الله: "ففي هذا الحديث أن من عرف الله تعالى ذلا له تعظيمًا ومهابة وخوفًا، لا سيما عند سماع كلامه تعالى؛ لأن قوله: إذا قضى الله الأمر -أي بكلامه ووحيه إلى جبريل-، وقوله: في السماء يدل على العلو، ففيه إثبات كلام الله وعلوه على خلقه، على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل". وهذا الحديث ونحوه مما احتج به أهل السنة على الجهمية والأشاعرة والكلابية وغيرهم من أهل البدع ممن ألحد بالتعطيل في أسماء الله وصفاته. قوله رحمه الله تعالى: "ففي هذا الحديث أن من عرف الله تعالى -وهذه من ألفاظ العموم- أن من عرف الله تعالى ذل له تعظيمًا ومهابة وخوفًا، لا سيما عند سماع كلامه تعالى، كيف لا والله جل وعلا يخبر بأنه لو أنزل هذا القرآن على الجبل -على الجبل- لخر -الجبل- وتهدم، لعظمة كلام الله جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وما يعقلها إلا العالم، الجبل إذا أنزل عليه القرآن حصل له ما حصل من الخشية والتصدع، وكثير من الناس لا تتحرك له شعرة، وآيات الله جل وعلا تتلى عليه ليلًا ونهارًا، وهذا إن دل على شيء دل على الغفلة العظيمة التي تحصل لكثير من الناس، فإن لله وإن إليه راجعون". قال رحمه الله تعالى: "لا سيما عند سماع كلامه تعالى؛ لأن قولهم: إذا قضى الله الأمر -أي بكلامه ووحيه إلى جبريل-، وقوله: في السماء يدل على العلوم؛ لأن قوله: في السماء يدل على أن الله جل وعلا فوق السماوات، وأن الله جل وعلا يتكلم متى شاء مع من شاء كيف شاء جل وعلا، كلم جبريل في هذا الحديث؛ لأنه فيه: إذا قضى الأمر -إذا قضى الأمر-، ففيه إشارة إلى أن هذا الأمر يحصل متكررًا؛ إلى أن هذا الأمر يحصل متكررًا". قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعان لقوله، فهذا يدلنا على ماذا؟ على أن الأمر يحصل متكررًا، ففيه دلالة على أن الله جل وعلا يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء مع من شاء سبحانه وتعالى، وأن الله جل وعلا فوق سماواته، مستوى على عرشه. قال رحمه الله: "ففيه إثبات كلام الله وعلوه على خلقه، ففيه إثبات كلام الله، وأن الله يتكلم متى شاء مع من شاء كيف شاء بما شاء، وأنه عال على خلقه جل وعلا علوًا يليق بجلاله وعظمته". وهو علوم ذات، وعلوم كذلك مكانه، وعلوم طهر، والأمر الأول هو الذي وقع فيه النزاع بين أهل السنة والجماعة وغيرهم، أما الأمران الآخران فقد وقع الاتفاق عليه عند جميع الأمة، فالكل متفقون بأن الله جل وعلا عال علو قهر، وعال علو صفات ومكانة وعظمة وجلال، لكنهم ينازعون في كون الله جل وعلا علو ذات -أي أنه عالم بذاته جل وعلا-. وأهل السنة والجماعة أسعد الناس بإثبات ما أثبت الله جل وعلا لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما كان عليه كذلك صحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، كيف لا والله جل وعلا يقول: ﴿آَمَنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إلى غير ذلك، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -كما في الصحيحين- يقول: "إن الله كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت -أو في رواية: غلبت- غضبي"، كما في حديث أبي هريرة. وجاء في حديث عمر، وجاء في حديث -أو الحكم- حديث معاوية بن الحكم السلمي، معاوية بن الحكم السلمي عند مسلم، حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية: أين الله؟ فقالت الجارية: في السماء، قال: من أنت؟ أنت رسول الله؟ قال: اعتقها؛ فإنها مؤمنة، وكانت أم حبيبة، وكانت زينب زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم تتباهى على نسائها، فتقول: إن كنا زوجكن آباءكن، وأما أنا فزوجني الله من فوق سبع سماوات، من فوق سبع سماوات، والأدلة في ذلك كثيرة. قال رحمه الله تعالى: "ففيه إثبات كلام الله وعلوه على خلقه، على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أنهم يثبتون ما أثبت الله جل وعلا لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الصفات، إثباتًا من غير تمثيل -أي لا نقول: بأن الله جل وعلا استوى على العرش معنى الاستواء كاستواء كذا وكذا، أو مثل استواء كذا وكذا، أو يقولون: يد الله كيد كذا وكذا-، هم لا يقولون بهذا، بل يثبتون المعاني، ويفوضون الكيفيات، كما قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وأيضًا ينزهون الله جل وعلا عن كل نقص وعيب، لكن هذا التنزيه لا يمنع أن يعطي الخالق جل وعلا عما يستحقه من الصفات". إذن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبت الله جل وعلا لنفسه، وما أثبت له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتًا من غير تمثيل، وتنزيهًا من غير تعطيل، انطلاقًا من قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال رحمه الله تعالى: "وهذا الحديث ونحوه مما احتج به أهل السنة والجماعة -مما احتج به أهل السنة- على الجهمية والأشاعرة والكلابية وغيرهم من أهل البدع -كما تقدم-، وأن ذكرنا أن جميع أهل البدع يخالفون أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، في مسألة علو الله جل وعلا على خلقه، علو ذات، الكل يخالفون، مع أن الكتاب والسنة متضافرة أدلتها في إثبات هذه الصفة". ولكن صدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، فالجهمية ينفون جميع أسماء الله جل وعلا وصفاته، أتباع الجهم بن صفوان، ورأس الفرقة وأصلها هو الجعد بن درهم، وإنما أخذها عنهم الجهم بن صفوان وشهرها. والأشاعرة نسبة إلى أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري -كما ذكر العلماء رحمه الله تعالى، كابن عساكر، وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى وغيرهم- أنه مر بثلاث مراحل، مرحلة كان فيها معتزليًا، وهذه المرحلة هي أكثر عمره، إذ مضى فيها أربعون سنة، بقي على الاعتزال أربعين سنة، وهو كذلك معتزليًا. ثم ترك الاعتزال وأتى بمذهب -كما يقول علماء- كالبرزخ بين المعتزلة وبين مذهب أهل السنة والجماعة، وهو مذهب الأشعري، وحقيقة أنه أخذه من ابن كلاب، أخذه من محمد بن سعيد بن كلاب الذي تنسب إليه الفرقة الكلابية، إلا أنها -أي الأشاعرة- هذه الفرقة انتشرت واشتهرت بأبي الحسن الأشعري؛ لأمور منها نسبه؛ لأنهم يقولون: بأن نسبه ينتهي إلى أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل، والأمر الثاني: أنه كان أشهر، والمرحلة الثالثة: مرحلة رجوع عن ذلك -كما في كتابه الإبانة ومقالات الإسلاميين وغيرها من الكتب المتأخرة- رجع فيها عن مذهب الأشعري إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وصرح بذلك، وقال: "فإن سألوني: بماذا تقولون؟ وما هو مذهبكم؟ وما هي عقيدتكم؟ قال: أقول بما قاله الإمام المبجل والعالم الأمثل -إلى آخر ما ذكره- في صفات الإمام أحمد رحمه الله تعالى، قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: أي أقول بما يقول به الإمام أحمد بن حنبل". ففيه رجوع عن مذهب إلى مذهب أهل السنة والجماعة، إلا أنه -كما هي عادة من تلوث بلوثات البدع، وتربى من نعومة أظافره على ذلك- أنهم لا يخلون من شوائب، والكلابية كذلك، والجهمية والكلابية كلهم ينفون علو الله جل وعلا على خلقه. أما صفة العلو، فصراحة الجهمية والمعتزلة ينفون عن الله جل وعلا أن يكون عاليًا على خلقه، يقولون: لأننا لو قلنا: بأن الله جل وعلا عاليًا على خلقه؛ لنلزمنا أن نثبت لله جل وعلا المكان، وهذا لا يجوز، وهذا كلام باطل؛ لأن لفظ المكان من الألفاظ المجملة، والألفاظ المجملة يفصل فيها، فيقال لهم: ما المراد بالمكان؟ إن أردتم بالمكان الموجود في هذا العالم، فأهل السنة والجماعة لا يقولون: بأن الله جل وعلا موجود في هذا العالم، وإن أريد به مكان خارج هذا العالم، فالله جل وعلا قد أثبت لنفسه بأنه فوق العرش: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقال جل وعلا: ﴿آَمَنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، الله جل وعلا أثبت لنفسه بأنه في السماء، في العلو، فهو ثابت له هذا الوصف. وأما صفة الكلام، فالجهمية تنفيها كذلك أصلا ورأسًا، وأما الأشاعرة فأتوا بمذهب مخلوط، أشبه ما يكون بمذهب النصارى في عيسى بن مريم، إذ إنهم قالوا: بأن كلام الله، والقرآن الذي بين أيدينا هو من كلام الله جل وعلا باعتبار المعنى، وهو كلام المخلوق باعتبار اللفظ، فاللفظ مخلوق والمعنى غير مخلوق، لذا صرح من صرح من متأخريهم ومن محققيهم: أن حقيقة قولهم: بأنهم يقولون: بأن القرآن مخلوق، ولكنهم يهابون العامة أن يقولوا: بأن القرآن مخلوق؛ لأنهم لو قالوا: بأن القرآن مخلوق، وقد اشتهر وعرف أن من قال: بأن القرآن مخلوق بأنه كافر؛ لو قالوا صراحة: بأن القرآن مخلوق، وقد اشتهر وشاع وذاع وتقطعت به الأسماع بين الأمة: أن من قال: بأن القرآن مخلوق بأنه كافر؛ انتقلوا إلى أمر آخر، انتقلوا إلى أمر آخر، قالوا: القرآن ليس بمخلوق، والقرآن كلام الله أمام العامة، لكن عند الخواص يقول: باعتبار اللفظ هو مخلوق، وباعتبار المعنى هو من كلام الله جل وعلا، وعند خاصة الخاصة يصرح من يصرح: يقول: هذا حقيقة ما دام الذي بين أيدينا مخلوق؛ فهو مخلوق، ما في داعي -كما يقال- للألف والدوران، ولا للتلبيس. فالحاصل: أن مثل هذا الحديث فيه رد على هؤلاء وهؤلاء. قوله: "خضعان" هو مصدر خضع، أي خضع يخضع خضعانًا. قوله: "لقوله" صريح في أنهم سمعوا قوله تعالى، وأنه بصوت، وأن ذلك ينفذ إلى جميع الملائكة -أي يسمعونه كلهم-، وفي هذا رد على من يقول: بأن الله ليس له كلام حقيقة، وإنما هو معنى، وفيه رد على الأشاعرة، ومن باب أولى على المعتزلة والجهمية. قوله: "حتى إذا فزع عن قلوبهم" أي زال عنها الفزع -كما تقدم معنا- بأن "عن" تفيد المجاوزة. قوله: "فيسمعها مسترق السمع" أي الكلمة التي سمعتها الملائكة وتحدثوا بها، أي أن الملائكة في السماء حينما يتحدثون فيقولون: ماذا قال ربكم؟ فيحصل الكلام، يقولون: قال كذا وكذا، فقد يسمع هذه الكلمة أو شيء من هذه الكلمة بعض مسترقي السمع من الشياطين. قوله: "مسترق السمع بعض فوق بعض" هكذا وصفهم سفيان -قال: راوي الحديث وهو ابن عيينة- بكفه، وأشار -كما ذكر- أنه حركها، أي أمالها، وفرق بين أصابعه. قوله: "فيسمع الكلمة" يعني مسترق السمع، فيلقيها إلى من تحته من الشياطين، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فيتكلم بها، وقوله: "على لسان الساحر أو الكاهن" يدلنا على أن الساحر والكاهن يتعاملون مع الشياطين، يتعاملون مع الشياطين في استراق بعض المغيبات، وأنهم لا يعلمون الغيب، وأنهم لا يعلمون الغيب، ولكن حقه أن يكون من باب الغيب النسبي -من باب الغيب النسبة- الذي يخفى على البعض؛ لأن الملائكة علمت ذلك الأمر، الملائكة سمعت ذلك الكلام وعلمت به، فهي تعلمه، فيكون ذلك الكلام الذي سرقه ذلك الشيطان وألقاه إلى من تحته؛ يكون من باب العلم الذي يسترقه من يسترقه من الشياطين، فيلقيه على وليه من السحر والكهان. وهذا فيه دلالة واضحة على أن هؤلاء السحرة والكهنة بابهم واحد؛ أن الساحر كاهن، وأن الكاهن ساحر؛ لأن الكل يدعي علم الغيب، والعلم بالمغيب يدعي العلم بالغيب -أي الذي لا يعلمه إلا الله-، والعلم بالمغيب الذي هو مغيب على بعض دون بعض. قوله: "فيكذب معها" أي الساحر أو الكاهن مئة كذبة، فيصدقوا في المئة كلها بتلك الكلمة التي سمعت من السماء؛ لقبول النفوس للباطل. قوله: "وعن نواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي -إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي- أخذت السماوات منه رجفة -أو قال: رعدة شديدة- خوفًا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله بوحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل". والحديث -كما ذكر رحمه الله تعالى- رواه ابن أبي حاتم بسنده عن النواس بن سمعان، وعن النواس بن سمعان مثلنا بالكسر، قال: وسمعان بكسر السين -الذي نعرفه- سمعان، فالله أعلم هل له ضبط بالكسر وبالفتح؟ يحتاج إلى نظر بإذن الله عز وجل. قوله: "إذا أراد الله تعالى" فالإرادة صفة من صفات الله عز وجل، وهي نوعان: شرعية وقدرية -كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾، وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾-، ونحن هذه الآيات، ومر معنا القاعدة التي بها نستطيع أن نميز بين الإرادتين الشرعية والكونية، وهي أن نجعل مكان "أراد" "أحب" أو "شاء"، فإن استقام المعنى علمنا ما المقصود بذلك. قوله: "أن يوحي بالآمر" فيه بيان معنى ما تقدم في الحديث قبله من قوله: إذا قضى الله الأمر. قوله: "تكلم بالوحي" في التصريح بأنه يتكلم بالوحي، فيوحيه إلى جبريل عليه السلام، ففيه رد على الأشاعرة في قولهم: إن القرآن عبارة عن كلام الله -معنى عبارة عن كلام الله- كما تقدم، أي أنه ليس من كلام الله حقيقة، أي لم يتكلم الله جل وعلا به حقيقة، وإنما هو عبارة -أي أن جبريل، وبعضهم يقول: بأن نبي الله صلى الله عليه وسلم عبر عما في نفس الله جل وعلا- عبارة عما في نفس الله جل وعلا، وأما الحرف والصوت فإن الله لم يتكلم بكلام بحرف وصوت، هكذا زعم هؤلاء الأشاعرة، وهذا قول باطل؛ لأن حقيقة الكلام هو صوت بحرف -بحرف- لابد أن يكون صوتًا مع حرف -كما قال الإمام بن مالك رحمه الله تعالى: كلامنا لفظ مفيد كاستقيم- لابد أن يكون لفظًا، واللفظ هو مجموع الحرف والصوت، واللفظ هو مجموع الحرف والصوت، ولابد أن يكون مفيدًا، فهكذا كلام العرب، وهذا مجمع عليه، وهذا مجمع عليه على أن اللفظ هو ما اجتمع فيه الحرف والصوت -كما نقل ذلك الإجماع، كما نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة رحمه الله في كتاب الحرف والصوت، وقبله السكوت رحمه الله تعالى كذلك في كتابه الرد على من أنكر الحرف والصوت -أي الرد على الأشاعرة-. قوله: "أخذت السماوات منه رجفة -أو قال: رعدة شديدة- خوفًا من الله عز وجل" في هذا معرفة عظمة الله، ويجب العبد شدة الخوف منه تعالى، وفيه إثبات العلو -كما تقدم-. قوله: "فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدًا" هيبة وتعظيمًا لربهم، وخشية لما سمع من كلامه تعالى وتقدس. قوله: "فيكون أول من يرفع رأسه جبريل؛ لأنه ملك الوحي عليه السلام" وفيه كذلك منزلة جبريل عند الله رب العالمين جل وعلا -على القول بثبوت الحديث-. قوله: "فيكلمه الله من وحيه بما أراد" فيه التصريح بأن الله تعالى يوحي إلى جبريل بما أراده من أمره -كما تقدم في أول حديث-، وكذلك في الحديث الأول: على أن الله يتكلم معه بما شاء كيف شاء متى شاء. قوله: "ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها" وهذا أيضًا من أدلة علو الرب تعالى وتقدس، قوله: "ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل"، وهذا دليل بأنه تعالى قال ويقول -قال باعتبار الماضي، ويقول باعتبار الاستمرار والمستقبل- فالله جل وعلا قد تكلم ويتكلم، الله جل وعلا قد تكلم ويتكلم بما شاء كيف شاء؛ لأن الله جل وعلا إذا أراد أن يوجد شيئًا وأن يخلق شيئًا يقول له: كن فيكون، ففيه دلالة على أن الله جل وعلا يتكلم، وما زال يتكلم، وأنه قد تكلم جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: "وهذا دليل بأنه تعالى قال ويقول، وأهل البدع من الجهمية ومن تلقى عنهم كالأشاعرة جحد ما أثبته الله تعالى في كتابه، وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته من علوه وكلامه وغير ذلك من صفات كماله التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله، والمؤمنون من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل السنة والجماعة على ما يليق بجلال الله وعظمته، بشبهات اختلقوها ما أنزل الله بها من السلطان -بمعنى أن هؤلاء ردوا الحق بهذه الشبهات التي فيها شبه بالحق، فهي خليط من الباطل الذي ألبسوه لباس الحق؛ لأجل أن يروج، وإن لها في الحقيقة فهو باطل؛ لأنه مناف ومناقض ومعارض لكلام الله جل وعلا، ولكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما كان عليه الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان، وإلى غير ذلك من أئمة الإسلام في كل زمان ومكان". والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.