الدرس في الجواب الكافي 44، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش المقطع مفهوم اليقين بالمعاد وأثره على العمل الصالح، حيث يجب أن يكون اليقين دافعا للعمل. اليقين الحقيقي بالمعاد يجب أن يدفع العبد للعمل الصالح.
الاحتساب يجعل الإنسان يجتهد في الطاعات ويستعد ليوم المعاد والوقوف بين يدي الله تعالى. الإنسان مطالب بالاستعداد لهذا اليوم والاحتساب في كل أعماله.
التخلف عن العمل الصالح يعود إلى أسباب منها ضعف العلم ونقص اليقين. زيادة اليقين والعلم بأسماء الله وصفاته وحقوقه تدفع الإنسان إلى العمل الصالح.
تجربة سيدنا إبراهيم مع الطيور تظهر قدرة الله وعزته وحكمته في إعادة ما تم تفريقه. هذه التجربة توضح قدرة الله في تأليف ما تم تفرقته.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» المعروف بـ «الداء والدواء»: كيف يجتمع اليقين بالمعاد والتخلف عن العمل؟ قال: فإن قلت كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار، ويتخلف العمل؟ وهل في طباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدا بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهيا غافلا لا يتذكر موقفه بين يدي الملك ولا يستعد له ولا يأخذ له أهبته؟ قيل لهذا: قيل هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر الخلق، فاجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء. وهذا التخلف له عدة أسباب، أحدها ضعف العلم ونقصان اليقين. ومن ظن أن العلم لا يتفاوت، فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها. قد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عيانا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك، ليزداد طمأنينة ويصير المعلوم غيبا شهادة. وقد روى أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ليس المخبر كالمعاين». فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحباره أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة وتسويل النفس وغرور الشيطان واستبطاء الوعد وطول الأمل ورقابة الغفلة وحب العاجلة ورخص التأويل وإلف العوائد، فهناك لا يمسك الإيمان الذي يمسك السماوات والأرض أن تزول. وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال حتى ينتهي لأدنى مثقال ذرة في القلب. وجمع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر، ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين، وجعلهم أئمة الدين، فقال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع كيف يجتمع اليقين بالمعاد والتخلف عن العمل، يعني الذي عنده يقين بالمعاد، فهو متيقن بأنه سيرجع إلى الله جل وعلا، وأن هناك يوما سيعود فيه إلى الله جل وعلا، وأن هناك معادا سيعود الناس فيه إلى رب العالمين جل وعلا. إذا تيقنا هذا، هل يمكن أن يحصل من هذا تخلف عن العمل؟ لا يجتمعان، لا يجتمع اليقين بالمعاد مع التخلف عن العمل، ما يمكن عند شخص يقول: أنا عندي يقين بالمعاد وقد تخلف عن العمل، لا يمكن. إن كان حقا صادقا في كلامه بأن عنده اليقين بالمعاد، فأين المخرج؟ فكيف عنده يقين بالمعاد وبالحساب وبالقبر وبالصراط وبهذه الأمور التي سيقبل عليها، ثم هو يتخلف عن العمل؟ فهذا هذان الأمران لا يجتمعان. يقول ابن قيم رحمه الله تعالى: كيف يجتمع اليقين بالمعاد والتخلف عن العمل؟ وأراد رحمه الله تعالى أن يبين أن من أيقن بالمعاد حق اليقين، فمعناه أنه لن يتخلف عن الأعمال، لن يتخلف عن الأعمال؛ لأنه على يقين. الذي على يقين أنه سيعطى الأجرة مثلا، ما يتخلف عن العمل، ما يتخلف عن عمل يداوم عليه، وآخر الشهر سيستلم الراتب، سيستلم الراتب. عنده جزم في هذا، مع أن هذا من أمر الدنيا قد يحصل أو قد لا يحصل، لكن عنده مثل اليقين أنه سيتحصل على الراتب. ومع أن الأمور بيد الله عز وجل قد يحصل وقد لا يحصل، فهل يتخلف عن العمل؟ ما يتخلف عن العمل؛ لماذا؟ لأنه على يقين أنه سيعطى. لكن إذا كان عنده الشك، عنده الشك إذا ذهب اليوم يعمل مثلا يعمل في البناء أو في كذا أو كذا من الأعمال، لكن هو على شك هل سيعطيه من سيعمل عنده أجرته أو ما سيعطيه؟ هذا الذي يشتغل عنده في البيت أو في المحل أو في المتجر أو في المطعم أو في المشرب أو غير ذلك، عنده شك قد يعطيه الأجرة وقد لا يعطيه، وقد لا يعطيه. هذا يتخلف عن العمل، يتخلف عن العمل؛ لماذا؟ لأنه ليس على يقين من أنه سيعطى أجرة عمله. فالعبد إذا كان على يقين بوعد الله بالجنة والثواب والحسنات، على يقين من هذا، كيف يتخلف عن العمل وأجرته مضمونة لا شك فيها؟ لأنه وعد الله عز وجل، ما هو وعد البشر، ما هو وعد ملك من ملوك الدنيا، وله وعد مخلوق من أهل الدنيا، إنما هو وعد الله سبحانه وتعالى. أجرتك مضمونة إذا عدت إلى الله جل وعلا، فستجد ما أردت وما أعد الله سبحانه وتعالى وما وعدك به، فكيف تتخلف عن العمل؟ فإذا علينا أن نكون على يقين بوعد الله جل وعلا وبثوابه وبجنته، وهذا يجعلنا أن نستمر في العمل ولا نتخلف، نستحضر هذه الأجور وهذه الوعود من رب العالمين جل وعلا. فهل يليق بك أن تتخلف؟ ما يمكن هذا. صاحب المحل قال: تعمل عندي عشرة أيام أو شهرا، ولك أجرة هذا العمل، مال قدره خمسون ألفا مثلا إذا انتهيت من العمل، فمالك عند فلان قد عطيته إياه معه قد صرف لك، وإنما ستستلمه بعد إكمال العمل. كل الأيام المال مرصود، وأجرة العمل طيب، فهل يمكن تتخلف يوما عن العمل؟ وكيف تتخلف وأجرة هذا اليوم مرصودة قبل أن أعمل؟ الأجرة قد صرفت، هي عند فلان موجودة قبل أن أعمل، قبل أن أبدأ في العمل. فالأجرة هي موجودة وقد صرفت، فلا يمكن أنك تتخلف، كيف تتخلف عن العمل وأجرة العمل قد صرفت لي ومعنا رب العالمين جل وعلا قد أعد لك ما أعد في جنته من النعيم العظيم، وأوعدك بالثواب الجزيل. نعم، وقد أرصد لك من يذهب إلى المسجد أو يروح، أعد الله له في الجنة نزلا، كلما غدا أو راح. كما جاء في الصحيحين: «يذهب إلى المسجد يعد لك في الجنة»، أعد الله جل وعلا منزلا، أعد الله جل وعلا نزلا. النزل ما يقرب للضيف وما يهيأ له، كلما غدا أو راح. كم تذهب؟ كم تقضي؟ كم ترجع؟ وأنت كلما غدوت وكلما رجعت، يعد ذلك النزل لك في الجنة، فهل تتخلف عن الغدو والرواح؟ ما تتخلف عن الغدو والرواح، تغدو وتروح؛ لماذا؟ لا تمل، أنت تعلم أن الغدو هناك نزل قد أعد مقابل هذا الغدو وهذا التحرك إلى هذا المكان، ما هو تروح وترجع من غير فائدة، كل هذا محسوب. حتى إذا كنت تمشي، خطواتك محسوبة، كل خطوة لها أجر، ما تخطو خطوة إلا تكتب لك حسنة وترفع لك درجة، وتمحى عنك سيئة وتحط عنك خطيئة في الخطوة. وإن كنت تمشي على دراجة، فكل عجلة من عجلات الدراجة خطوة، كل ما دارت العجلة دورة كاملة هذه خطوة. وكذلك عجلة السيارة، هذه خطوة. أنت تخطو برجلك، وإذا كنت على السيارة أو على الدراجة، عجلة الدراجة إذا دارت دورة كاملة هذه خطوة. كم يدور التاير من البيت إلى المسجد؟ كم دورات؟ هذه كلها حسنة. وذلك جاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم رجل يمشي إلى المسجد ويرجع، يمشي يذهب إلى المسجد ماشيا ويرجع ماشيا، فقال: «لو اتخذت حمارا لماذا تشتري حمارا تركبه تروح فيه وترجع؟» قال: «إني أحتسب ذهابي وإيابي» يعني ماشيا أحتسب ذلك. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال لهم: «أخبروه أن الله أعطاه ذلك كله وأعطاه ما أراد». وجاء في بعض الروايات أنه قال له: «من المسلم؟» قال له: «أنطاك الله ذلك». أنطاك الله ذلك، بلغة أهل اليمن، يقول: أنطاك لأن أعطاه أنطيته كذا، أو لعله في بعض المناطق كذلك، حتى في الجنوب. وقيل: إن الرجل كان من أهل اليمن. فالشاهد من هذا أن الإنسان يحتسب، أنت إذا احتسبت صرت على جد واجتهاد ونشاط. وذلك كان يقول بعض الصحابة: «إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي». إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، كيف أحتسب نومتي؟ كيف أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي؟ يعني هو لما ينام الآن، لما يقوم الليل يريد ماذا يحتسب؟ الأجر يريد الأجر والثواب من الله عز وجل. كذلك قال: «أنا أحتسب النوم الذي أنامه»، كذلك تحتسبه يريد الثواب من الله جل وعلا في هذا النوم؛ لماذا؟ ليكون عونا له على القيام، فهو ينام ليكون النوم له عونا على القيام. فإذا ما في شيء إلا وهو يحتسبونه، حتى أكلهم وشربهم، كل شيء يحتسبونه. وأنت أقول: «أنا أحتسب أكلي وشربي»، احتسب الأكل والشرب، ما هو فقط الأجل لتشبع والأجل لتتلذذ بالمشروبات، لا احتسب أكلك واحتسب شربك واحتسب جلوسك واحتسب كلامك مع أخيك، كل شيء يحتسبه. احتسب كل شيء لله سبحانه وتعالى، حتى كلامك مع أخيك احتسب أنه لأجل تطيب خاطره، لأجل الأنس، لأجل كذا، لأجل كذا. فإذا صار الإنسان يحتسب كل شيء، هذا يجعله يجد ويجتهد بالعمل؛ لأنه يحتسب ما يعمل، عمل هكذا من غير استحضار لا، فهو دائما على احتساب. فلما كان كذلك، صار على استمرار للطاعة ولا يتخلف عن العمل. وهكذا الذي أيقن بالمعاد فإنه يحتسب كل شيء لذلك المعاد الذي سيعود فيه. واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله؛ لأنه قد علم أنه مطلوب غدا بين يدي الله جل وعلا. فإذا كان مثلا مطلوبا بين يدي بعض ملوك الدنيا، قالوا: «غدا أنت مطلوب عند الملك الفلاني»، «أنت غدا مطلوب»، جاء ورقة أمر: «غدا ساعة فلانية أنت مطلوب عند الملك الفلاني». إيش يفعل؟ من حين توصل الورقة ويصل هذا الأمر، الشخص ما هو مع الناس، خلاص لا مع أهله ولا مع ولده، ولا حول طعام ولا شراب. الآن هو يفكرها في هذا اللقاء مع هذا الملك، هذا ملك ما هو أي شخص آخر، ملك. تجده خلاص يفكر، مشغول البال، مشغول البال. يكلمه الشخص وما هو معه: «ما لك يا فلان سارح وما سارح؟» الآن هنا عنده: «بكرة ساعة كذا مع الملك من ملك الدنيا». الله المستعان. يا عبد الله، مطلوب غدا بين يدي الله سبحانه وتعالى، قد جاءتك الرسائل وجاءتك الأوراق وجاءتك الأوامر، كم الأوامر في كتاب الله عز وجل التي تأمرك بالاستعداد لذلك اليوم الذي تقف فيه بين يدي الله؟ كم الأحاديث الواردة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام التي تأمرك وتدعوك إلى هذا اللقاء بالله جل وعلا؟ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقي. ستلاقي الله عز وجل، أنت ملاقي. والمعنى: استعد، أنت مطلوب، أنت مطلوب بين يدي الله عز وجل. كلنا عندنا هذه الأوامر من رب العالمين جل وعلا، طلب فيها جل وعلا طلبنا فيها جل وعلا لهذا اللقاء؛ لماذا نحن غير مشغولين بهذا؟ لماذا نحن على غفلة؟ وهذا وقوف بين يدي ملك الملوك، وقوف بين يدي ملك الملوك. وقفوهم إنهم مسؤولون. طيب، وكيف الناس على غفلة من هذا الوقوف بين يدي الله عز وجل؟ وإذا قيل: «غدا مع الملك الفلاني»، ولا بعد أسبوع، ولا بعد شهر، يحسب الساعات. الشهر يمر على مثل السنين، هو اليوم، هذا الذي سيأتي ومتى يحصل به، لكن الوقوف بين يدي الله عز وجل: «أنت مطلوب غدا بين يدي الله سبحانه وتعالى»، فكيف أنت على غفلة؟ وكيف أنت على عراض؟ وكيف أنت على لهو؟ وكيف على لعب؟ ومعناه: أنك انتبه، تنتبه لنفسك وتستعد لهذا الوقوف وتحاسب نفسك. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد. وذكر رحمه الله تعالى قال: «فلذلك لا يذكر موقفه بين يدي الملك ولا يستعد له ولا يأخذ له أهبته» يعني استعداد أهله لذلك. فقال رحمه الله تعالى: «هذا سؤال صحيح وارد على أكثر الخلق»، يعني أنهم على هذا الحال. فاجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء، لا يجتمع يقين بالمعاد مع تخلف عن العمل. طيب، التخلف عن العمل ما هي أسبابه؟ لماذا يتخلف كثير من الناس عن العمل؟ هل لهذا أسباب أم لا؟ ذكر أن التخلف عن العمل له عدة أسباب، الإنسان لا يتخلف عن العمل الصالح ولا يعرض عن امتثال الأوامر إلا لأسباب من هذه الأسباب. ذكر رحمه الله تعالى ضعف العلم ونقصان اليقين، ضعف العلم الجهل. أكثر الناس يتخلفون ويعرضون ويقعون في الذنوب والمعاصي؛ لأنهم على جهل، جهلوا بحقيقة الأمر، وأن الأمر فيه حساب، وأن الأمر فيه كذلك سؤال ومواقف عظيمة، سؤال في القبر، سؤال يوم القيامة، لكن الجهل أعرضوا عن علم، فجهلوا حقيقة هذه الأشياء. فكيف يعملون؟ كيف يعمل من جاهل حقيقة الأمر؟ كيف يعمل من جهل ثواب هذه الأعمال؟ إنسان ما يدري بثواب هذا العمل وقيمة هذا العمل ومنزلة هذا العمل ومكانة هذا العمل عند الله سبحانه وتعالى، جهل هذا. فكيف يأتي به؟ لكن لو علم قيمة هذا العمل عند الله عز وجل ومقام هذا العمل والثواب المعد الذي عده رب العالمين جل وعلا لهذا العمل، فهذا بهذا العلم لا يتخلف عن العمل، لا يتخلف عن العمل إلا الجاهل. أما عنده علم بوعد الله وبعهد الله، فهذا مسارع في العمل. فتخلف كثير من الناس عن العمل وعن أداء الفرائض وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، سببه الجهل بثواب من أدى فرائض الله، ومن امتثل أوامره واجتنب نواهيه. ولذلك أمر العلم أمر عظيم، على الإنسان أن يتعلم؛ لأن العلم يدفعه إلى العمل، والجاهل يدفعه إلى الكسل وعدم العمل. من علم عمل، ومن جاهل كسل، كسلان كيف يعمل؟ وكسل جاهل، وجاهل مدمن، جاهل ما يرغب يعمل، جاهل جاهل كسلان. لكن الذي عنده علم يعمل، فلا ترضى بالجهل: «قد هيئوك لأمر قد لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل». فأنت مهيأ لأمر عظيم، ما هو لأجل ما أنت مهيأ مثل البهائم التي يرعى بها، لا أنت مهيأ لأن ترعى أمة، وأن ترعى رعية تكون مسؤولا عنها، أولاد وزوجة وحقوق، وكيف تؤدي الحقوق؟ وأن تجاهل كيف تؤدي حق زوجتك؟ وأن تجاهل كيف تؤدي حق أولادك؟ وأن تجاهل كيف تؤدي حق أرحامك؟ وأن تجاهل كيف تؤدي حق جيرانك؟ وأن تجاهل ما يمكن تضيع الحقوق، وأعظم الحقوق التي تضيعها حق الله جل وعلا؛ لأنك جهلت حقه. لو علمت حقه لأتيت به. فاحذر الحذر من الجهل، دواء الجهل العلم، والجهل داء قاتل. كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «والجهل داء قاتل، وشفاؤه أمران متفقان في التركيب»، علم بأوصاف الإله وفعله، وكذلك الأسماء للديان، والأمر والنهي الذي هو دينه، وجزاؤه يوم المعاد. والثاني: العلم بالله بأسمائه وحقوقه وأوصافه جل وعلا، العلم بالأمر والنهي بالحلال والحرام، حتى تعلم أن هذا حلال فتفعله، وتعلم أن هذا حرام فتتركه. أما إذا أنت جاهل، تفعل الحرام وتترك الحلال، وتقع في الحرام وتبتعد عن الحلال، والله المستعان. ومن الأسباب التي ذكرها رحمه الله تعالى كما سمعنا ضعف اليقين ونقص اليقين، نقص اليقين إذا نقص يقين الشخص نعم، فإنه يضعف عن العمل بمقدار نقصان اليقين، يكون نقصان العمل. الأمر مرتبط، نقصان العمل بنقصان اليقين. فإذا ازداد اليقين ازداد العمل، وإذا نقص اليقين نقص العمل، وهذا معلوم. لماذا؟ أنت تجد نفسك في بعض الأحيان مسارعا وقويا، قويا يقينك، النسبة ارتفعت، الإيمان قوي؛ لأن الإيمان يزيد وينقص ويضعف ويشتد، ما هو يبقى على نسبة واحدة، لا يطلع وينزل، يطلع وينزل. فأنت إذا طلع عندك الإيمان، معناه قوي عندك اليقين، أكثرت من العمل، حرصت على قراءة قرآن، حرصت على كذا وكذا وكذا من العمل. إذا ضعف اليقين نقص عندك العمل. إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام من أئمة الموحدين، إمام موحدين بعد نبينا صلى الله عليه وسلم محمد، ومع هذا يسأل ربه جل وعلا أن يزيد يقينه، أن يزيد يقينه. ماذا فعل؟ طلب من الله جل وعلا أن يريه كيف يحيي الموتى. إبراهيم إبراهيم أراد أن يطمئن قلبه ويعظم يقينه، مع أنه على يقين عظيم، ومع هذا يطلب من الله عز وجل أن يجعل يقينه عظيما. ماذا طلب؟ ما هو أي طلب، ما طلب أي طلب، طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى. وإذ قال إبراهيم ربه: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾، ماذا الجواب من الله جل وعلا؟ يعني هذا الطلب يدل على ماذا؟ يعني ما فيه يقين، اليقين موجود. قال: «أولم تؤمن؟» يعني ما فيه يقين، ما فيه لا، اليقين موجود عند إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قال: «بلى ولكن ليطمئن قلبي». طيب، ما نحن هذا الخليل إبراهيم يطلب من الله عز وجل هذا الطلب لكي يطمئن قلبه، ونحن من نحن؟ ما نطلب من الله عز وجل يجعل أمورا لتطمئن قلوبنا؟ ومن نحن ونرى أنفسنا ما قد بلغنا قمم الجبال؟ لا، لسان يدعو الله عز وجل أن يعظم اليقين في قلبه، وأن يريه من آياته جل وعلا في ملكوته ما يكون سببا لزيادة يقينه وقوة يقينه. إذا كان إبراهيم هو الذي يطلب هذا، فمن نحن؟ قال: «بلى ولكن ليطمئن قلبي». فأراه الله جل وعلا كيف ذلك، وأمره أن يأخذ أربعة طيور إلى آخر ذلك. قال: «فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا وعلى الله عزيز حكيم». صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.