كتاب الزكاة 14

الدرس في كتاب الزكاة 14، ألقاها

زكاة العبيد والخيل وأحكامها

ناقش المقطع زكاة العبيد والخيل مستندا إلى حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعرض آراء العلماء حول زكاة العبيد والخيل في حالات مختلفة.

مسؤولية صاحب البهيمة عن الأضرار

يتناول المقطع آراء العلماء حول مسؤولية صاحب البهيمة عن الأضرار التي تسببها، مع اختلاف الآراء حول الضمان في حالات مختلفة.

أحكام الركاز والمعادن وخمس الغنيمة

يتناول المقطع أحكام الركاز والمعادن، ويشرح معنى الركاز واختلاف العلماء في تعريفه، كما يبين حكم مصرف خمس الغنيمة واختلاف العلماء في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبدالغاني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب الزكاة: «عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة"». والحديث على ظاهره، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة، أي ليس فيها زكاة. وكما تقدّم معنا فيما مضى من مسائل أن هذا الحديث استدل به من استدل على أن عروض التجارة ليس فيها زكاة؛ لهذا العموم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا خاص بما كان متخذا للخِدمة، لذا ذكر هؤلاء أن الخيل تُستخدم لثلاث حالات: الأولى: خيل تُستخدم للخدمة والركوب، قالوا: فهذه لا زكاة فيها إجماعا. الثانية: الخيل التي أُعدت للتجارة، فهذه ذهب الجمهور إلى أن فيها الزكاة؛ لأنها داخل في عروض التجارة. وذهب الظاهريّة ومن تقدّم فيما تقدّم -أي في المسائل- إلى أنه أو إلى أنها ليس فيها الزكاة؛ لعموم الحديث. الثالث: خيل أُغتنيت للنماء والنسل -للنماء والنسل-، فذهب أبو حنيفة إلى أن هذه فيها الزكاة، وذهب الجمهور إلى أنه لا زكاة فيها؛ استدلالا بعموم حديث الباب. وأبو حنيفة استدل على قوله بحديث جابر مرفوعا: «في الخيل السائمة في كل فرس دينار». رواه الدارقطني، وقال بعد إخراجه لهذا الحديث: "تفرد به غورك عن جعفر، وهو ضعيف جدا". قال: "ومن دونه ضعفا، ومن دونه ضعفا"، فالحديث ضعيف جدا. وراجع للنظر في طرقه وكلام عليه العلامة الألباني في "الضعيفة" برقم 4144. والصحيح قول الجمهور؛ لحديث الباب، ولعدم صحة ما يدل على ما ذهب إليه أبو حنيفة، بل هذا -كما ذكر من ذكر من أهل العلم- أنه مما شذ به أبو حنيفة. فالحاصل أنه ليس فيه زكاة؛ على عموم هذا اللفظ، أو على عموم هذه الألفاظ. قوله رحمه الله تعالى: «وفي لفظ: "إلا زكاة الفطر في الرقيق"». هذه الرواية بهذا اللفظ رواها أبو داود. ورواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى بلفظ: «"ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر"». وهذا كذلك يؤيد ما تقدّم من أن العبد -وكذا ما كان بمعناه- ليس فيه زكاة، لكن العبد فيه زكاة الفطر. وقد اختلف العلماء: هل زكاة الفطر التي هي على العبد على مولاه، أم أن العبد يمكن من العمل حتى يزكي عن نفسه؟ ذهب أكثر أهل العلم -بل عامة العلماء- إلى أنه على سيده. وذهب داود الظاهري إلى أنه يجب على سيده أن يمكنه من العمل والاكتساب حتى يزكي عن نفسه. والراجح قول الجمهور؛ لهذا الحديث: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر». الحديث الذي يليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «"العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس"». قول النبي صلى الله عليه وسلم: "العجماء جبار"، قال العلماء: بالمد، هي كل الحيوان سوى الآدمي، سميت البهيمة عجماء؛ لأنها لا تتكلم. وقوله: "جبار"، بضم الجيم وتخفيف الباء: الهدر، وما لا يضمن. قال النووي رحمه الله تعالى: "العجماء جبار" محمول على ما إذا أتلفت شيئا بغير تفريط من مالكها. قال القاضي: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد. فإذا كان معها راكب أو سائق أو قائد، فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت. وقال داود الظاهري: لا ضمان بكل حال؛ إلا أن يحملها الذي هو معها على ذلك ويقصده. العلماء يقولون -كما ترون- بإجماع على أن البهيمة إذا أرسلت عندك -بقر عندك، غنم عندك، إبل- خرجت في النهار ترعى، فأتلفت شيئا، مثلا: إبل تمشي، فمر بجانبها رجل، أو من بينها رجل، فعضتهم أو رفستهم أو ما شابه ذلك، هل عليه ضمان على صاحبها؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "العجماء جبار"، أي هدر، لا ضمان على من فعلت فيه شيئا من المتلفات، ولو قتلت ذلك الرجل. قوله رحمه الله تعالى: "فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد، فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت". إذا كان معها سائق يسوقها، راع أمامها، أو كان رجل مثلا على إبل، كان رجل على إبل، مر بجانبه رجل، رفسته أو عضته أو ما شابه ذلك، تلك الإبل هل عليه ضمان؟ الجمهور يقولون: عليه ضمان. وقال داود الظاهري: لا ضمان بكل حال؛ إلا أن يحملها الذي هو معها على ذلك ويقصده. وكلام داود الظاهري من حيث المعنى وجيه؛ ومن حيث كذلك العمل بظاهر الحديث، بمعنى أن رجلا إذا كان يسير مثلا على دابة، يسير على دابة، فعضت رجلا أو رفست رجلا من غير قصده، ومن غير إرادته، هل يتحمل ذلك الرجل ما أتلفته تلك الدابة؟ الجمهور يقول: يتحمل. وداود الظاهري يقول: لا يتحمل؛ أخذا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "العجماء جبار". قوله: «أو قال القاضي رحمه الله تعالى: وجمهور العلماء على أن الضارية من الدواب كغيرها على ما ذكرنا؛ أي أنها ما أتلفته فهو هدر». الضارية: معروف، المؤذية، المؤذية إما برفسها، وإما بعضها، أو ما شابه ذلك المفسدة. فجمهور العلماء يقول: أنه غيرها؛ لعموم الحديث. وقال مالك وأصحابه: يضمن مالكها ما أتلفت؛ لماذا؟ لأن مالكا يقول: إنما الحديث فيمن كانت عادتها غير ذلك، أما إذا كانت مؤذية بطبعها، معلوم منها الإتلاف والإضرار، فإن مثل هذه تحبس، فإن تركها سيدها فهو مفرط، فإذن يضمن. وقال الشافعية: يضمن إذا كانت معروفة بالإضرار؛ لأنه عليه ربطها والحالة هذه. وهذا هو الأقرب كذلك من حيث المعنى، إنما هي كانت جبار إذا لم تكن معروفة بالإضرار أو الإساءة، أما إذا كانت معروفة بالإضرار، مثلا: رجل عنده إبل ضارية، وتعرفون يا جماعة -أو بعضكم قد يعرف- الإبل إذا كانت ضارية كما يقول بعضهم: هائجة، كما جاء في الحديث، فإنها لها ماذا؟ تكون كالسبع، يكون فيها معنى من هذه المعاني، فإذا كانت كذلك فينبغي له أن يحبسها، ويربطها، فإن أطلقها على الناس وأفسدت وآذت، فإن صاحبها يضمن. قالوا أيضا: وأما إذا أتلفت ليلا، أي هذه البهائم، فقال مالك: يضمن صاحبها ما أتلفته؛ لأن العادة جرت أن مثل هذه البهائم لا تخرج ليلا، بل تخرج في النهار، وغالبا في النهار يكون إنسان منتبه لماله ومنتبه كذلك لنفسه بخلاف الليل. وقال الشافعي: إن فرط في حفظها -أي يضمن- وإلا فلا، أي إذا حفظها وما فرط، ولكن انفلتت، إن فتح الباب باب زريبة الأبقار أو الأغنام أو ما شابه ذلك، فانطلقت إلى المزارع وأكلت بمزارع الناس، أو خرجت مثلا البقر أو الإبل فركضت أو نطحت من أمامها، فيقول الشافعي: لم يكن تفريط من صاحبها فلا شيء، وإن كان هناك تفريط فإنه ضامن. وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما أتلفته البهائم لا في الليل ولا في النهار. وقد جاء حديث في هذا يحسن به بعض أهل العلم أن البهائم إذا أطلقت في الليل فإنها تكون ضامنة، فإنه يكون أو فإن صاحبه يكون ضامنا. فالحاصل أن المسألة -كما ترون- مختلف فيها بين أهل العلم. أوله: «والبئر جبار». ومعنى البئر جبار: قيل: هي العادية القديمة التي لا يعلم لها حافر ولا مالك، فيقع فيها إنسان أو غيره، مثلا: بئر معروفة في قرية، فيمر إنسان فيسقط فيها، أو إنسان يرفع الماء فيسقط فيها، أو بئر قديمة محفورة منذ زمن، ولكنها مثلا ليس فيها ماء، أو فيها ماء ولكنها قديمة، فمر إنسان فسقط فيها، فهي هدر. وقيل: معناه أن يحفرها في ملكه، أن يحفرها في ماله، في ملكه، يكون عنده مثل مزرعة، يكون عنده مزرعة أرض، فيحفر بئرا في هذه المزرعة، في أرضه، أو في موات -والموات: الأرض الميتة التي يحييها الإنسان-، فيقع فيها إنسان أو غيره، ويتلف، قالوا: فلا ضمان. وكذا لو استأجره لحفرها، لو استأجر رجل رجلا لحفر بئر، فحفرها فوقعت عليه فمات، فلا ضمان. فأما إذا حفر البئر في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف فيها إنسان، فيجب ضمانه على عاقل حافرها، أو على عاقلة حافرها، والكفار في مال الحافر؛ لأنه يكون من باب قتل ماذا؟ من باب قتل الخطأ. وإن تلف بها غير الآدمي، وجب الضمان. قوله: «والمعدن جبار». ومعناه: الرجل يحفر معدنا في ملكه، أو في موات كما تقدم في البئر، فيمر به مار فيسقط فيها فيموت، أو يستأجر أجراء فيعملون فيها، فيقع عليهم فيموتون، فلا ضمان في ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المعدن جبار". قوله: «وفي الركاز الخمس». وهو الشاهد من إيراد الشيخ رحمه الله تعالى الحديث في هذا الباب. الركاز قال النووي رحمه الله تعالى: وأصله في اللغة الثبوت. والركاز شرعا اختلف العلماء فيه على قولين، فمن أهل العلم من قال: الركاز هو دفين الجاهلية، أي أنه خاص بدفين الجاهلية، وهذا قول الجمهور. وذهب أبو حنيفة والكوفيون -أبو حنيفة والثوري وغيرهما- إلى أن الركاز يدخل فيه دفين الجاهلية، وكذا المعدن. والأظهر قول الجمهور؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". مسألة: هل يقتصر الركاز على الذهب والفضة، أو هو أعم من ذلك؟ خلاف بين أهل العلم، فذهب الشافعي إلى اختصاصه بالذهب والفضة، واستدل بحديث أبي هريرة مرفوعا: «"وفي الركاز الخمس، قال: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: الذهب والفضة المخلوقات في الأرض يوم خلق الله السماوات والأرض"». الحديث رواه البيهقي وغيره، وهو حديث ضعيف، قال الحافظ: وفيه عبدالله بن سعيد المقبري، متروك الحديث. والقول الثاني: قول الجمهور، أن الركاز يشمل كل مدفون؛ لعموم الحديث، وهو الأظهر، وهو ظاهر الحديث؛ لأن الحديث ما خص شيئا دون شيء، بل قال: «"وفي الركاز الخمس"». وتقدم معنا أن القول الصحيح في الركاز أنه ماذا؟ أنه دفين الجاهلية، فكل ما كان من دفن الجاهلية -سواء كان ذهبا، أو كان فضة، أو كان غيرها من المعادن، أو غير المعادن- فإنها داخل في هذا العموم. مسألة أخرى: هل يشترط النصاب في الركاز؟ ذهب الجمهور إلى أنه لا نصاب في الركاز، وأن ما خرج أو ما أخرج من دفن الجاهلية، فإن فيه الخمس -قل أو كثر-، فيه الخمس؛ لعموم الحديث. وذهب الشافعية إلى اشتراط النصاب. والقول الأول -كما ترون- هو الراجح. وكما تقدم: كم يخرج منه الخمس؟ كما هو نص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد ذهب بعض أهل العلم -ذهب بعض أهل العلم- قالوا: إذا كان في تحصيله مشقة، إذا كان في تحصيل المعدن مشقة، ففيه ربع العشر، وإن كان مشقة فيه، فالواجب فيه الخمس. وهذا لا دليل عليه، بل كما جاء في الحديث: «"وفي الركاز الخمس"». مسألة أخرى: ما هو مصرف الركاز؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب الشافعي إلى أن مصرفه مصرف الزكاة؛ لأن الشافعي رحمه الله تعالى يقول: الركاز حكمه حكم الزكاة، فيعامل معاملة الزكاة؛ باعتبار المصاد، وباعتبار كذلك المصارف. وذهب الجمهور إلى أن مصرفه مصرف الفيء. وذهب الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الأموال" إلى أن أمره يرجع إلى الإمام؛ لعدم الدليل الصريح في مصرفه، فإذا يرجع إلى الإمام، والإمام يضعه حيث رأى، من مصالح المسلمين. وهذا كذلك الذي رجحه العلامة الألباني رحمه الله؛ لعدم وجود الدليل الواضح الصريح في الحاقه بأحد هذين الأمرين -إما الزكاة، وإما الفيء- والله تعالى أعلم. **سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك**.

شاركنا على