الدرس في كتاب الحج 10، ألقاها
يشرح حكم استلام الركن اليماني والحجر الأسود أثناء الطواف، ويبين آراء ابن عمر وابن عباس في ذلك. كما يتناول حكم النساء في استلام الحجر الأسود وتقبيله.
يتناول عدة تنبيهات حول صلاة ركعتي الطواف مثل استحباب الصلاة خلف مقام إبراهيم، وجواز الصلاة في أي مكان من الحرم، واستحباب قراءة سورتي الكافرون والإخلاص.
يشرح أنواع الطواف في الحج وهي طواف القدوم، طواف الإفاضة، وطواف الوداع، ويبين أحكام كل نوع منها مع التركيز على أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج.
يُستحب أن يكون آخر عهد المسلم بالبيت الطواف، ويتناول حكم طواف الوداع للمرأة الحائض وخلاف أهل العلم في مسألة الدم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي أننا ذكرنا أنه لا يستلم من أركان البيت إلا الركنان اليمانيان، أي يستلم الركن اليماني وكذلك الحجر الأسود. وقد تقدم معنا أيضا أن الحجر الأسود هو الذي يقبل فقط، وأما الركن اليماني فإنه يمسح فقط إن استطاع. وإن لم يستطع فلا يشير إليه. بخلاف الحجر الأسود، فإنه يقبله، فإن لم يستطع استلمه بيده ثم قبله، فإن لم يستطع استلمه بعصى أو نحوها دون أذية، فإن لم يستطع أشار إليه من بعيد. وتقدم معنا أنه يستحب أن يقال: «بسم الله، الله أكبر» لما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يفعل ذلك. كان ابن عمر إذا استقبل الحجر قال: «بسم الله، الله أكبر» ثم يبدأ الطواف. بقي هاهنا أن نذكر فائدة، وهي أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روى في مسنده بإسناد حسن عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مسح الركن اليماني والحجر الأسود يحط الخطايا حطا». وهذا إسناده حسن، وفيه فضيلة في مسح هذين الركنين، وأنهما يحطان الخطايا حطا. لذا ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من غير وجه في الصحيح وغيره أنه كان يحرص غاية الحرص على استلامهما. قال نافع: وربما أدمى وربما رعف، وكان يقول: لا أتركهما بعد أن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما. هذا من باب الاجتهاد وحرص على المتابعة، ولو حصلت له أذية. وأما ابن عباس رضي الله عنهما فقد ثبت عنه في مصنف عبد الرزاق وغيره أنه قال: إن لم يكن ثم زحام فليستلمهما، وإن كان هناك زحام فلا يؤذي الناس. وهذا أقرب، أي أن ابن عباس نظر إلى القواعد العامة والمصلحة العامة. إذا كان هناك أذية فإنه لا يؤذي الناس بقوته. ولسيما أنه يحصل في أثناء الزحام اختلاط الرجال بالنساء، بعض النساء الجاهلات يظن أن استلام الحجر ولو كان بزحام شديد أن هذا أمر مستحب. فتجد بعض النساء يدخل في وسط الرجال فيحصل من الفتنة ما الله به عليم. فالحاصل أن هذا الفعل لا يفعل، يبتعد عن مواطن الفتن وهو في عبادة. ولا يلزمه أن يمسح على هذين الركنين لزوما. هذا من باب ما سمعتم كتم للمسألة السابقة. بقي مسألة أخرى متعلقة بما سمعتم، ذكرها العلماء، وهي أنه لا يستحب للنساء تقبيل الحجر ولا استلامه. قالوا: لا يستحب للنساء تقبيل الحجر ولا استلامه إلا عند خلو المطاف في الليل أو غيره، لما فيه من ضررهن وضرر الرجال بهن. قالوا: ويستحب لهن إن طفن أن يكون من وراء الرجال، بمعنى أن الرجال يطوفون ويقربون، والنساء تكون من ورائهم. أي تطوف من خلف الرجال بعيدة عن الرجال؛ لأجل أن لا تدخل في الزحام فيحصل لها ضرر ويحصل بها كذلك ما ضرر من الافتتان بالنساء. وقد ثبت في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: كانت عائشة تطوف حجزا من الرجال لا تخالطهم. فقالت امرأة: انطلق يا أم المؤمنين نستلم الحجر، فزجرتها عائشة رضي الله عنها وقالت لها: اذهبي، أنت أو قالت: اذهبي. فالحاصل أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت تطوف من وراء الرجال بعيدة من الرجال، ولم تكن تخالط الرجال لا في استلام ولا في غيره. وللنساء في عائشة أسوة. وهذا الفعل من عائشة له أصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أم سلمة رضي الله عنها كانت شاكية، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب على البعير وأن تطوف إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر. قالت أم سلمة: فكنت أطوف والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس صلاة الفجر. وهذا فيه معنى من معاني الابتعاد عن مخالطة الرجال. طيب، مسألة أخرى: ما حكم ركعتين الطواف؟ معلوم أن الإنسان إذا فرغ من طوافه أول ما يفعل بعد ذلك ينطلق فيصلي ركعتين الطواف بعد أن يطوف أمام مقام إبراهيم عليه السلام. قالوا: سمي ذلك المقام مقاما لأنه كان إبراهيم عليه السلام يقف عليه عند بناء الكعبة. فما حكم صلاة ركعتين الطواف؟ ذهب مالك وأحمد إلى أنها سنة مؤكدة. وعن أبي حنيفة ذهب إلى أنها واجبة. وللشافعي قولان كالمذهبين. استدل الأولون بالأحاديث التي جاء فيها حصر الصلوات المفروضة بخمس. واستدل الآخرون بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغ من طواف ركع عند المقام ركعتين، كما جاءت الأحاديث الكثير المتكاثرة في ذلك. قالوا: وقرأ قبل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قالوا: وفعله صلى الله عليه وسلم مع قوله: «خذوا عني مناسككم» يدل على الوجوب، وهو الأظهر. والله تعالى أعلى وأعلم. فركعتين الطواف الأظهر أنها واجبة لفعله صلى الله عليه وسلم ولقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». وها هنا تنبيهات: التنبيه الأول أن صلاة الركعتين خلف المقام مستحبة، ويجزئ صلاتهما في أي مكان من الحرم. واضح أن يستحب أن يصلي خلف مقام إبراهيم، فإن صلى بجانب الحجر الأسود أو بجانب الركن العراقي أو بجانب الركن الشامي أو بجانب الركن اليمني أجزأه ذلك. قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن الطائفة تجزئه ركعتا الطحاف حيث شاء. إلا شيئا ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتين الطواف الواجب في الحجر يعيد. معنى أن العلماء أجمعوا على أن من صلى في أي مكان في المسجد ركعتين فقد عمل ما أمر به، إلا مالك يقول: إن صلى في الحجر عليه أن يعيد تلك الركعتين. فالحاصل أنهم متفقون على أن من صلى خارج الحجر في أي مكان من المسجد ركعتين فقد عمل ما أمر به. وسقط عنه الواجب. فيكون صلى خلف المقام من باب السنن المستحبة. التنبيه الثاني: كما ينبه عليه العلماء أنه يستحب أن يبتعد عن المقام ما دام أن هناك طائفين؛ لأن هذا المكان هم أحق به. فإن مكان البيت هو للطائفين، فهم أحق به من غيرهم. قال العلماء: يستحب له أن يبتعد عن المقام بعيدا عن الطائفين حتى لا يقطعوا صلاته وحتى لا يؤذونه في أثناء طوافهم، وكذلك حتى هو لا يؤذيهم في طوافهم. واضح أنه مثلا لا ينبغي له أن يصلي خلف مقام إبراهيم مباشرة والناس يطوفون؛ بل ينبغي له أن يبتعد. ولو صلى في الأماكن التي قد بنيت خارج صحن المسجد ما دام الناس يطوفون. التنبيه الثالث: ذكره العلماء أنه يستحب أن يقرأ بالأولى بسورة «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» أو في الثانية بسورة «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: فإن قرأ بغيرها أجزأه ذلك. الأمر الرابع: أن من فرغ من طوافه فصل المكتوبة، هل تجزئه على ركعتي الطواف؟ قال بهذا ابن عباس وجابر بن زيد وعطاء والحسن وسعيد بن جبير وإسحاق. وعن أحمد أنه قال: يصلي ركعتين الطواف بعد المكتوبة. قال أبو بكر بن عبد العزيز: هو القياس. قالوا به الزهري ومالك وأصحاب الرأي. قال ابن قدامة رحمه الله: ولنا أنهما ركعتان شرعتا في النسك فأجزأت عنهما المكتوبة كركعتي الإحرام. واضح أن من صلى ركعتين مثل ما صلى في الإحرام قبل الإحرام، إن صلى أي صلاة أجزأت عن الإحرام. فهذا كما سمعتم مجزئ وهو كذلك أشبه بما يكون بصلاة تحية المسجد. فمن صلى بعد الفريضة ركعتين فهذا حسن. والله تعالى أعلم. بمعنى أنه أبعد من الخلاف. طيب، تنبيه آخر: إذا أقيمت الصلاة وما زال الرجل لم يكمل طوافه، قالوا: عليه أن يصلي مع الناس، أي يقطع طوافه ويصلي مع الناس. فإذا فرغ من صلاته أكمل ما تبقى عليه من الطواف من حيث توقف. قالوا: هكذا لو احتاج إلى الخروج لقضاء حاجته، فإنه كذلك يبني من حيث توقف. وضح هذا: طاف الطواف الأولى والثانية والثالثة، يحتاج إلى الخروج من جانب البيت أو من الطواف لأجل أن يقضي حاجته، قضى حاجته ثم رجع. هل نقول له: أعد الطواف من جديد؟ أم أنه يبني من حيث توقف؟ الصحيح أنه يبني من حيث توقف. لأن هذا المعنى ليس في قطع الموالاة على القول بأن الموالاة واجبة في الطواف. التنبيه الذي يليه: قالوا: للطائف الجلوس للاستراحة إن احتاج لذلك، ثم يواصل طوافه من حيث توقف. مثلا رجل عنده مرض أو تعب أو عنده كبار من السن، فطاف بهم فاحتاج إلى الاستراحة، فهو يستريح معهم. يقول الآن: إذا استراحوا قليلا ثم أرادوا المواصلة، هل يبنون من حيث توقفوا أم أنهم يعيدوا الطواف من البداية؟ الجواب: أنهم يبنون من حيث توقفوا. التنبيه الذي يليه: إذا فرغ من الركوع وأراد الخروج إلى الصفا، قالوا: يستحب أن يعود فيستلم الحجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كما في حديث جابر في صفة الحج. وكان ابن عمر يفعله، وبه قال النخعي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه خلافا. بمعنى أنه بعد أن يصلي الركعتين، ماذا يصنع؟ الجواب: قال العلماء يستحب أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلم الحجر الأسود. ثم يذهب إلى الصفا حتى يبتدأ السعي. طيب، قبل أن ننتقل إلى الصفا هناك مسائل متعلقة بالطواف وبأحكام الطواف. من هذه المسائل: أن العلماء أجمعوا على أن الطواف ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وطواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، وطواف الوداع. هذه ثلاثة من أنواع الطواف. الأولى كما سمعتم: طواف القدوم عند قدوم المحرم إلى مكة. الثاني: طواف الإفاضة وذلك بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر. الثالث: طواف الوداع، وذلك عند ما يريد الحاج الرجوع إلى بلده. قال العلماء: وأجمعوا على أن الواجب منها الذي يفوت الحج بفواته هو طواف الإفاضة، أي أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج. بل ذهب بعض أهل العلم إلى أنه أوكد أركان الحج. وبعضهم ذهب إلى أن أوكد أركان الحج الوقوف بعرفة. فالحاصل أنه من أركان الحج. من فوته فقد هوت حجه. لم يحج. لذا قالوا: وأنه المعني بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلِيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قالوا: وأنه لا يجزئ عنه دم. طيب، قال وجمهورهم على أنه لا يجزئ طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة إذا نسي طواف الإفاضة. عمل رجل جاء فطاف طواف القدوم، أما طواف الإفاضة نسي ما طاف الإفاضة. نفر، سافر، يعني قضى وقف في عرفة، رمى الجمرات إلى غير ذلك. أما طواف الإفاضة ما فعله. الآن هل يجزئه طواف القدوم؟ ذهب بعض أصحاب مالك رحمه الله تعالى إلى أن طواف القدوم يجزئه عن طواف الإفاضة. قالوا: لأن المقصود هو الطواف، سواء طاف قبل يوم النحر أو بعد يوم النحر. وأما الجمهور فقالوا: لا يجزئه. لماذا لا يجزئه؟ قالوا: لأنه طاف قبل وقته. متى وقت طواف الإفاضة؟ يوم النحر. وقت طواف الإفاضة يوم النحر، فتقريمه عن هذا الوقت لا يجزئه. طيب، مسألة أخرى: قالوا: أي قال جمهور العلماء على أن من طاف الوداع هل يجزئه عن طواف الإفاضة؟ بمعنى أن إنسان لم يكن طاف طواف الإفاضة وطاف طواف الوداع نسيانا. ذكروا أن جماعة من أهل العلم بعضهم نسبه إلى الجمهور إلى أن ذلك يجزئه؛ قال: أنه طواف في وقت طواف الإفاضة. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجزئه. والأظهر القول بأنه لا يجزئه؛ وذلك على المسألة التي مرت معنا قبل وهي اشتراط النية في الطواف. فمن طاف للإفاضة أو طاف لغير الإفاضة فلا يجزئ عن طواف الإفاضة؛ لأن الأعمال بالنيات كما مر معنا في اشتراط النية للطواف. فعلى هذا والله تعالى أعلم أنه لا يجزئه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وهو لم ينو طواف الإفاضة وإنما نوى طوافا آخر. طيب، مسألة أخرى: ما حكم طواف القدوم؟ كما سمعتم هو طواف من قدم على مكة. ذهب جمهور أهل العلم إلى استحبابه. قالوا: ولا شيء على من تركه. وعن مالك أن على تاركه دم. وهو قول الشافعي. والأظهر والله تعالى أعلى وأعلم القول الأول بأنه ليس بواجب بل مستحب؛ لحديث عروة بن مضرس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم هو يصلي الفجر في مزدلفة. فأخبره أنه ما ترك جبلا إلا وقف عنده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه». واضح أن هذا يدل على أن حجه تام ولو لم يطف طواف القدوم. وهذا كما سمعتم رواه أبو داود وسنده صحيح، صححه العلامة الألباني وكذا العلامة شيخنا العلامة الوادعي رحمه الله الجميع. طيب، مسألة أخرى: حكم طواف الوداع. ذهب الجمهور إلى أنه واجب. قالوا: فمن تركه فعليه دم إلا على المرأة الحائض. فقد خفف عنها. واضح أنهم يقولون: أنه واجب ومن تركه عليه دم إلا على المرأة الحائض فقد خفف عنها؛ بمعنى أنها لا يجب عليها طواف الوداع ولا يجب عليها أن تنتظر حتى تطهر. وذهب مالك إلى أنها سنة لا شيء عليه. والصحيح الأول؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق عليه. وهذا كما ترون هو القول الراجح. ومسألة الدم خلاف بين أهل العلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.