كتاب البيوع 8

الدرس في كتاب البيوع 8، ألقاها

أقسام العقود في الفقه الإسلامي وبيان العقود اللازمة

يتناول هذا الفصل شرح أقسام العقود في الفقه الإسلامي كما ذكرها الإمام ابن قدامة، حيث قسم العقود إلى أربعة أضرب، وناقش تفاصيل العقد اللازم الذي يقصد منه العوض مثل البيع والإجارة.

أنواع العقود اللازمة وتطبيق خيار الشرط عليها

يناقش هذا الفصل أنواع العقود اللازمة ومدى انطباق خيار الشرط عليها، حيث يشمل النقاش الشفعة والصرف والسلم وبيع الربا بجنسه والنكاح والوقف والهبة والرهن.

أقسام العقود الجائزة والمترددة بين الجواز واللزوم

يتناول هذا الفصل تصنيف العقود إلى لازم وجائز، ويشرح أنواع العقود الجائزة مثل الشركة والمضاربة والجعالة والوكالة والوديعة والوصية، كما يتناول العقود المترددة بين الجواز واللزوم.

حكم السبق والمقامرة والعقود اللازمة الأخرى

يشرح هذا الفصل حكم السبق والمقامرة في الإسلام، وآراء العلماء حول جواز السبق في مختلف أنواعه، كما يوضح حكم العقود اللازمة التي لا يمكن التراجع عنها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فتتمة لما ذكر في الدرس الماضي من ذكر جملة من الفوائد المتعلقة بكتاب الفقه، قبل الشروع في بقية المسائل. من هذه الفوائد ما ذكره الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تعالى- في "فتح الباري" عند حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه لما أنزل على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تحريم الربا، حرم بيع الخمر. ذكر الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- كلامًا معناه أن الظاهر أن جميع البيوع المنهي عنها تدخل في مسمى الربا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فما لم يكن حلالًا من البيع فهو من الربا. لأن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، فما كان من البيع فهو ما ذكره حلالًا، وما كان من البيع محرمًا فهو ما ذكره من الربا. وذكر أن طائفة من السلف -رضي الله عنهم ورحمهم الله- كان يطلقون على بعض البيوع المنهي عنها، وإن لم تكن من مسمى الربا، يطلقون عليها بأنها ربا. فذكر كلامًا معناه أنهم لعلهم أخذوا بهذا المعنى، أن كل بيع منهي عنه فهو ربا؛ لأنه محرم؛ لأن إما أن يكون بيعًا حلالًا فهو من البيع، وإما أن يكون حرامًا فهو من الربا. ها هنا قاعدة تذكر، وهي قد مرت معنا في أثناء الدروس، لكن نذكرها ها هنا مرة ثانية للتنبيه عليها ولأهميتها في هذه المسائل. هذه القاعدة هي أن الحيل على المحرم لا تزيد المحرم إلا حرمة؛ لأنها مخادعة لله -سبحانه وتعالى- ولعباد الله. والله -سبحانه وتعالى- ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، ولأن العبرة بما في النيات، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنما، «إنما الأعمال بالنيات». فالحاصل من هذا أن الحيل على المحرم لا تزيد المحرمة إلا حرمة. لذا النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن اليهود، لما حرم عليهم شحوم الميتة، ماذا عملوا بها؟ أذابوها واستخدموها في أمور أخرى. فهذه من حيل اليهود على استحلال ما حرم الله. ومن فعل هذا فقد وقع كذلك بمشابهة اليهود في هذا الباب. ها هنا فائدة أخرى، وهي متعلقة بهذا الباب في باب البيوع. قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله-: العقود على أربعة أضرب. العقود على أربعة أضرب: أحدها عقد لازم يقصد منه العوض، وهو البيع وما في معناه. وهو نوعان: أحدهما يثبت فيه الخياران: خيار المجلس وخيار الشرط. ومر معنا ما معنى خيار المجلس، ومعنى خيار الشرط. خيار المجلس: أن يكون الخيار بينهما ما داما لم يتفرقا. وخيار الشرط: أن يشترط أحدهما على الآخر، أو أن يشترط كل واحد على الآخر، بأن له الخيار لمدة معينة. قال: وهو البيع فيما لا يشترط فيه القبض في المجلس. خيار المجلس وخيار الشرط يثبتان في البيع فيما لا يشترط فيه القبض في المجلس، ككثير من البيوع التي لا يشترط فيها القبض في المجلس، يكون مثلا محل البضاعة أو مكانه في مكان آخر، ليس في المجلس، فيثبت لهما الخيار ما دام في المجلس. وكذلك يثبت خيار الشرط إن اشترطاه، أو اشترط أحدهما. والصلح بمعنى البيع، والهبة بعوض؛ يعني: أهبك هذا الكتاب على أن تعوضني عنه مثلا كتابًا آخر، هذا -بعضهم- جعله في معنى البيع؛ لأن حصل فيه عوض. حصل فيه عوض على إحدى الروايتين في مذهب أحمد؛ أي: أن رواية تقول: إنها ليست من باب العوض، والرواية الأخرى تقول: بأنها من باب البيوع. وكذلك الإجارة، والإجارة في الذمة. نحن إذا قلنا: استأجرتك لخياطة لي هذا الثوب، هذا الثوب، ونحوها، فهذا يثبت فيه الخيار؛ لأن الخيار ورد في البيع، وهذا في معنى البيع؛ سواء كان خيار الشرط، أو كان خيار المجلس؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «البيعان بالخيار»، وصورة الاستئجار على هذه الصورة هي في معنى البيع. فإذا كان في معنى البيع، فإنه يدخل في معنى البيع، فيدخله الخيار بنوعيه: خيار المجلس وخيار الشرط. أما الإجارة المعينة، فالفرق بين الإجارة في الذمة والإجارة المعينة. الإجارة المعينة: إن كانت مدتها من حين العقد دخلها خيار المجلس دون خيار الشرط. تجارة معينة: كان يقول له مثلا: أجرتك لتحمل لي متاعي من هنا مثلا من السوق إلى البيت، ولك كذا وكذا درهم. أو يعطيه الدراهم، فيقول: أما الإجارة المعينة، فإن كانت مدتها من حين العقد -أي: من حين تعاقد على هذا الشيء- دخلها خيار المجلس -أي: ما دام في المجلس له أن يفسخ إن بدا له- دون خيار الشرط؛ لأن دخوله يفضي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو إلى استفائها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز. وهذا مذهب الشافعي، وذكره القاضي مرة، ومرة قال: يثبت فيه الخياران قياسًا على البيع. قال ابن قدامة: وقد ذكرنا ما يقضي الفرق بينهما. فأما الإجارة المعينة، فإن كان مدتها من حين العقد -أي: مجرد أن يبرم العقد- عليه أن يبدأ العمل. يقول له: لكن بشرط مثلا، أو يقول له: تحملها الآن، تنقلها الآن إلى محله. فيقول -رحمه الله تعالى-: دخل خيار المجلس دون خيار الشرط؛ أي: لأحدهما ما دام في المجلس أن يقول: خلاص، رجعت عن هذا العقد. لماذا؟ لأنهما ما زالا في المجلس، والإجارة ما داما في المجلس فإنها حكم البيع، حكم البيع. والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «بيعان بالخيار ما لم يتفرقا». أما خيار الشرط، فلا يكون؛ يقول ابن قدامة: لأن دخوله يفضي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو إلى استفائها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز. معنى هذا: أنهم ما دام أنهم تم العقد على أن يقوم بالعمل في نفس الوقت، فليس لأحدهم أن يشترط على الآخر؛ لأن إذا اشترط أحدهما على الآخر سيكون فيه ضرر. يفضي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، مثل: رجل يقول: أنا أريد الآن بضاعتي تصل مثلا قبل العصر؛ لأن في العصر يبدأ السوق، لكن الرجل يقول: أنا في الخيار سأكون في الخيار مدة يوم. واضح: خلال هذه الفترة قد يفوت الرجل بعض المنافع الذي يريدها. وقد يقوم بالعكس، قد يقوم بالعكس. يقول الرجل: لكن جعلني أنا في الخيار إلى غد، سأرد خبر بينهم اتفاق في هذا اليوم، يجي غد يقول لهم هذا. يقول: البداية لإلا استأجره يكون ضرر على المستأجر. واضح: فلأجل هذين المعنيين منع هذا الخيار. منع هذا الخيار. لذا قال -رحمه الله-: وكلاهما لا يجوز. قال: وهذا مذهب الشافعي، وذكر عن القاضي عياض -رحمه الله تعالى- وعن القاضي أبي يعلى -الحنابلة- أنه مرة قال بالقول الأول، ومرة قال بالقول الآخر، من أنه يثبت لهما خيار الشرط قياسًا على البيع. قال ابن قدامة: وقد ذكرنا ما يقتضي الفرق بينهما. قال -رحمه الله-: وأما الشفعة، فلا خيار فيها. ما معنى الشفعة؟ كان يكون مثلا رجلان مشتركين في أرض، هذا نصف وهذا نصف، فيبيع أحد الشريكين نصفه لآخر، فإذا كان طريقهما واحدًا وأمورهما واحدة، فللشفيع -أي: لصاحبه الآخر- أن يبطل البيعة، أن يبطل البيعة. فالحاصل: أن الشفعة -قال-: أما الشفعة فلا خيار فيها؛ لأن المشتري يؤخذ منه المبيع قهرًا. أنا الشريك في الأرض، يأتي الشريك يقول: أنا أحق بالشفعة، أنا حق بالشفعة، فيأخذ منهم الأرض قهرًا، رضي المشتري أم لم يرضَ، كان مختارًا أم لم يكن مختارًا. قال: والشفيع مستقل بأخذ المبيع من غير رضا صاحبه -أي: من غير رضا المشتري، ولا رضا البائع-؛ لحق الشفعة. لحق الشفعة. قال: فأشبه فسخ البيع بالرد بالعيب ونحوه. قال: ويحتمل أن يثبت للشفيع خيار المجلس؛ لأنه قبل المبيع بثمنه، فأشبه المشتري. ويحتمل أن يثبت للشفيع خيار المجلس -أي: ما دام في المجلس- فله الخيار إما أن يتم وإما أن يفسخ؛ لأنه قبل المبيع بثمنه، قبل المبيع بثمنه، فأشبه المشتري. قال: النوع الثاني: ما يشترط فيه القبض في المجلس. النوع الثاني من أنواع العقود اللازم الذي يقصد منه العوض: ما يشترط فيه القبض في المجلس. ما هو الذي يشترط فيه القبض في المجلس؟ قال: كالصرف. الصرف لابد أن يكون في مجلس؛ عندي مثلا عشر دنانير من الذهب، يقول له آخر: تصرف لي عشر دنانير مثلا بمئتي درهم، يقول: نعم، لابد أن يكون القبض في المجلس. رجل آخر مثلا في أيامنا هذا عنده دولار، مئة دولار، يقول الآخر: تصرف عندي، أتصرف لي هذه المئة دولار مثلا بعشرين ألف ريال يمني، يقول: نعم، لابد لابد يكون التقابض. قال: كالصرف، والسلم -تقدم معنا معنا السلم- أنه لابد أن يكون دفع الثمن في المجلس، والسلعة تكون فيما بعد في الذمة، على شروط سيأتي ذكرها -بإذن الله جل وعلا-. وكذلك بيع الربا بجنسه -أي: الذهب بالذهب، الفضة بالفضة، البر بالبر- على ما سيأتي معنا -بإذن الله جل وعلا- من أصناف الربا، فإن هذا لابد من قبض؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الذهب بالذهب يدا بيد»، مثلا بمثل سواء بسواء. وجاء في بعض رواية: «هاء بها هاء بها». نقول: هذا هاء، وهذا هاء. يقول له: ماذا هاء؟ قال: فلا يدخله خيار الشرط؛ فلا يدخله خيار الشرط؛ لأن موضوعها على أن لا يبقى علقة -على أن لا يبقى علقة- بعد التفرق؛ أي: علقة يكون فيها نوع من تأخير القبض، أو ما شابه ذلك. قال: بدليل اشتراط القبض؛ بدليل اشتراط القبض. فدليل اشتراط القبض يدل على أن لا يبقى شيء يخل بهذا القبض، وثبوت الخيار يبقي بينهما علقة، يبقي بينهما علقة. قال: ويثبت فيها خيار المجلس في الصحيح من المذهب؛ لعموم الخبر، ولأن موضوعه للنظر في الحض في المعاوضة -في المعاوضة- وهو موجود فيها في المجلس، ما دام في المجلس. لهما: تصرف لي مئة دولار بعشرين ألف، يقول: نعم، يحصل الصرف. ما دام في المجلس يقول أحدهما للآخر: بدا لي أن لا أصرف اليوم، هل يجوز هذا أم لا يجوز؟ يقول ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: يجوز. أما إذا قال أحدهما -أما إذا قال أحدهما- بعد أن صرف: يا فلان، لي الخيار لمدة يوم. أو كلاهما يقول: لنا الخيار، لكل واحد الخيار لمدة يوم، إذا اشترط الخيار هذا لا يجوز؛ لماذا لا يجوز؟ لأنه علقة، تأخير التقابض. يكون هذا عنده مال، وهذا عنده مال، ومعنى فيه شيء من أن قد يرد هذا، وقد يرد هذا. والاعتبار في الأمور الربوية: أن يتم فيها التقابض واضحًا جليًا، كما جاء في الحديث: «يدا بيد»، مثلا بمثل سواء بسواء، «هاء بها هاء بها»؛ لتوكيد التقابض. قال: وعنه -أي: عن إمام أحمد- لا يثبت فيها الخيار؛ الحاقًا بخيار الشرط -أي: لا يثبت فيها الخيار، لا خيار المجلس ولا خيار الشرط-؛ بمعنى: بمجرد العقد يحصل الإلزام. قال: الضرب الثاني: لازم لا يقصد به العوض. لازم لا يقصد به العوض؛ يعني: عقد لازم لا يقصد به العوض، والعوض كما مر معنا: مبادلة؛ لأن حقيقة البيع: ما هو؟ جميع مبادلة مال بمال. لكن الآن من أنواع العقود من حيث يقول: عقد لازم، لكن لا يقصد به العوض. مثل: النكاح. قال: كالنكاح، والخلع؛ فلا يثبت فيهما خيار؛ ما كان لازما عقد لازم، ولا يقصد به العوض، كالنكاح والخلع. قال: فلا يثبت فيهما خيار؛ لماذا؟ قال: لأن الخيار إنما يثبت لمعرفة الحظ في كون العوض جائزًا لما يذهب من ماله، والعوض ها هنا ليس هو المقصود. ما فيه خيار. رجل يتزوج، ثم يقول: أنا بالخيار، يعقل على المرأة. واضح: بعد العقد يقول لأبيها أو لوليها: أنا في الخيار مدة أسبوع. أو وليها يقول للزوج: نحن في الخيار مدة أسبوع، إن بدا لنا أنفذنا الزواج، وإن بدا لنا ألا ننفذ. واضح: هذه المسائل لا يدخلها الخيار، لا يدخلها الخيار بنوعيه. قال: وكذلك الوقف والهبة؛ إذا أوقف شيء ما له خيار، يقول: وقفت كذا وكذا، لكن أنا بالخيار لمدة كذا وكذا؛ لماذا؟ لأن هذه العوض -هذه الأمور- غالبًا ما تحصل إلا بعد تروٍ وبعد قناعة، وبعد نظر. وإنما جعل الشرع البيعان في الخيار لما قد يحصل من بعض المتبايعين، أو أحد المتبايعين من عجل واستعجال في الشراء في البيع، فيندم. فلأجل هذا جعل الشرع له محل للنظر، إن بدا له أتم البيع، وإن بدا له فسخ البيع. لكن مثل هذه الأشياء: هبة أو وقف أو ما شابه ذلك، غالبًا ما يفعلها إلا عن قناعة تامة؛ فلا يحتاج إلى الخيار. قال ابن قدامة: ولأن في ثبوت الخيار في النكاح ضررًا. في ثبوت الخيار في النكاح ضرر؛ كيف هذا؟ جماعة: ضرر. زواج المرأة يقول: أنه سأنظر أسبوع، وخلي عندي -هيا- جماعة لمدة أسبوع، فإن بدا لي أتممت الزواج، وإن بدا لي فسخت. إيش رأيكم في هذا؟ الخيار باطل، هذا باطل؛ فالمقصود: ضرر، سواء كان خيار الشرط أو كان خيار المجلس، هذا باطل. قال: الضرب الثالث: لازم من أحد طرفيه دون الآخر؛ يكون لازمًا من أحد الطرفين دون الآخر؛ أي: البيع يكون لازمًا من أحد الطرفين دون الآخر، ولا يكون يعني لازمًا للآخر، أو ملزما على الآخر. قال: كالرهن؛ لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن؛ فلا يثبت فيه الخيار -يلحقه الله-؛ لأن المرتهن يستغني بالجواز في حقه عن ثبوت خيار آخر. المرتهن أمر إليه: إن بدا له أتم الأمر، وإن بدا له لا يتم. فكون العقد في حقه جائز استغنى به عن الخيار؛ لأن الخيار يجعل العقد جائزًا في مدة خيار. نعم، يجعله جائزًا: إن شاء أمضاه، وإن لم يشاء لم يُمضِهِ. قالوا: والراهن يستغني بثبوت الخيار له إلى أن يقبض -إلى أن يقبض- ما أراده من المرتهن؛ سواء كان مالًا أو كانت سلعة. يعني: رجل يأتي إلى رجل فيقول له مثلا: أريد منك قرضًا مئة ألف، فيقول له المرتهن: نعم، لكن بشرط أريد منك رهنًا، يقول له: سأعطيك هذه السيارة رهن، أو هذا الدار رهن. واضح: وسأسدد خلال مثلا ستة أشهر، أو خلال سنة، أو ما شابه ذلك. فيتم العقد على هذا. في هذه الفترة -قبل أن يقبض المئة، وقبل أن يعطى الآخر الرهن- في هذه الحالة لهما أن يتفاسخا قبل اللزوم. فإذا حصل اللزوم يكون ما ذاك الذي دفع الرهن وقبض المال يكون في حقه الأمر نافذًا؛ أي: علي أن أدفع ما عليه من المال، وإلا للمرتهن أن يبيع الرهن إن جاءت المدة ولم يدفع له حق، يبيع الرهن، ويأخذ حقه. فإن بقي رده لصاحبه. فالحاصل: أنه قال: والراهن يستغني بثبوت الخيار له إلى أن يقبض. ففي هذه الفترة له الخيار -قبل أن يقبض- له أن يقول: تراجعت، ما أريد منك مال، ولا سلف. لكن إن قبض المال، وحصل يعني التفرق بينهما، انتهى الأمر. قال: وكذلك الضامن والكفيل؛ كذلك الضامن والكفيل لا خير لهما؛ لأنهما دخلا متطوعين راضيين بالغبن. وكذلك المكاتب. الضامن والكفيل: الضامن مثلا رجل يقول: يحصل بينه وبين رجل مثلا رجل استدان من رجل، يقول له: أعطيني رهن، أعطيني شيء. يأتي آخر يقول: أنا أضمنه. واضح: يقول: أنا أضمنه، إذا ما دفع لك المال خلال عشر أشهر مثلا متفق عليها. تعرف مالك مني. هيسمى ضامن. يكتبون: فلان حصل كذا وكذا. يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه... إلى آخر الآية. واضح: فاكتبوه. ما حصل. إن جاء الأجل كان ذلك الضامن أو ذاك الكفيل هو الذي يلزم بالأداء، هو الذي يلزم بالأداء. لذا قال: وكذلك الضامن والكفيل لا خير لهما؛ أي: إن تم العقد على هذا. ما يأتي واحد يقول: بدا لي أن أرجع، يعني: انصرف الرجل، انصرف الرجل، أخذ المال، بقي الضامن أو الكفيل مع صاحب الدين. يقول: يا أخي، اسمع، بدا لي أن لا أضمن هذا الرجل. ما في هذا الكلام. واضح: ملزم. يعني: ما دام أنه ضمن وكفل، يكون هذا ملزم لهما. لا خير لهما. قالوا: وكذلك المكاتب؛ المكاتب الذي كاتب سيده على فترة معينة، وعلى مال معين أن يؤديه حتى يعتق، لا خير له. إن تمت المكاتبة بينه وبين سيده، ليس له أن يشترط. قال: الضرب الرابع: عقد جائز من الطرفين؛ يعني: انظروا الآن صار العقد جائز. الأول والثاني والثالث عقد لازم، إما من الطرفين، وإما لأحد الطرفين. عقد جائز من الطرفين. قالوا: كالشركة. والشركة معروفة: أن يشتري اثنان أو أكثر في مال، إما أن يكون شركة أبدان، أو عنان، إلى غيرها من الشركات المذكورة -معروفة-. يعني: تكون شركة بينهم، هذا بماله، وهذا بماله، أو هذا بماله، وهذا بجهده، أو كلاهما بالجهد. للشركات في الجهد إلى غير ذلك. فهذه الشركات تسموها شركة جائزة. والعقد بينها عقد جائز؛ أي: لأحد الشريكين أن يفسخ العقد بينه وبين صاحبه، إن لم يكن في ذلك الفسخ ضرر. والمضاربة كذلك نوع من أنواع الشركات. والجعالة كذلك نوع من أنواع المكافآت. الجعالة: كالمكافأة. يعني: مثل رجل يعني في أيامنا هذا يضربون مثالا بالعبد الآبق. العبد الآبق: هو الذي يفر من سيده، يهرب. فيقول رجل: من وجد عبدي الآبق فأعطيه مكافأة. هذه المكافأة تسمى جعلًا. واضح: أو يقول مثلا رجل: سرقت عليه سيارة، فيقول: من يجد لي سيارتي، أو رجل فقد مثلا ذهب لامرأته، فيقول: من يجد لي ذهب امرأتي أو سيارتي أو ما شابه ذلك، فأعطيه جعلًا، أو أعطيه مكافأة. هذه المكافأة تسمى جعلًا. وهذه كذلك من العقود الجائزة؛ بمعنى: لو أن يفسخ قبل حصول ذلك. قالوا: الوكالة: إنسان يوكل إنسانًا في عمل، اليوم وكله غدًا. قال: هذا الرجل بدا له أن لا أوكله، سأوكل فلان آخر. لو أن يفسخ عقد الوكالة؛ لأن العقد ليس بملزم، وإنما هو جائز. وكذلك الوديعة: أجعل مالي وديعة عند إنسان، أضعه في الصباح، في الليل يقول له: يا أخي، هات مالي. يقول له مثلا: وديعة، خلي هذا المال عندك وديعة، مثلا سأسافر، سأرجع بعد خمس سنين. هذه أمانة، وهذه دعها عندك حتى أرجع. ذهب الصباح، رجع له بعد ساعتين، أو رجع له في آخر الليل، فقال: يا فلان، هات الوديعة. هل يقول له: لا اتفاق بيننا منذ خمس سنين؟ هذا جماعة له أن يفسخ. وكذا الوصية: أوصى بشيء، ثم بدا له أن يغير هذه الوصية، أو أن يتراجع عن هذه الوصية؛ لأن الوصية لا تنفذ إلا متى؟ بعد الموت. فهي وصية تهدم العقود مع هذا الجائزة؛ لأن باب التبرعات. قال: فهذه لا يثبت فيها الخيار؛ لماذا؟ قال: استغناء بجوازها؛ استغناء بجوازها؛ أي: أنه عقد جائز، ليس بواجب، والتمكن من فسخها بأصل وضعها. والتمكن من فسخها بأصل وضعها؛ أي: لو أن يتراجع. وما كان كذلك فلا يحتاج إلى الخيار. الضرب الخامس: وهو متردد بين الجواز واللزوم؛ أي: عقد متردد: هل هو عقد لازم، أو هو عقد جائز؟ بعض العلماء يقول: بأنه واجب لازم، وبعض أهل العلم يقول: بأنه جائز. ممكن كالمساقاة والمزارعة؛ المساقاة والمزارعة: رجل يدخل مع رجل في ماذا؟ أن يسقي له أرضه، أو مزارعة، أو أن يزرع له أرضه. هل هذه العقود ملزمة؟ أم أنها جائزة؟ أي: لأحد طرف أن يتراجع. قال ابن قدامة -رحمه الله-: والظاهر أنهما جائزان؛ أي: العقد بينهما جائزان. هذا له أن يتراجع، أو هذا له أن يتراجع. قال: فلا يدخلهما الخيار؛ فلا يدخلهما خيار. قال: وقد قيل: إنهما لازمان. وهذا -جماعة- طبعًا قبل الشروع في ثبوت الخيار فيهما وجهان. قال: وقد قيل: إنهما لازمان؛ ففي ثبوت الخيار فيهما وجهان. وجهان: أي إذا كان لازمان، فهل يثبت فيهما الخيار أم لا؟ على وجهين في مذهب الحنابلة: الوجه بجوازه، ووجه بمنعه. بجوازه على الظاهر -الحديث سيقول- وبمنعه على ما تقدم من أنه لا ينفذ لأحدهما إلا إذا كان الاتفاق على العمل المعين بعد العقد؛ لأنه يصير منفعة البيع معلقة معلقة بشرط. أي: بشرط إذا كان شرط الخيار. قال: والسبق والرمي؛ يعني: كذلك السبق -المسابقة بين الخيل، بين الإبل- وفي هذه الأيام مثلا إذا كان المسابقة لأجل معنى مشروع، مثل: سباق في جري -معنى مشروع- لأجل التقوي على طاعة الله. إنسان يسابق إنسانًا، أو فرس يسابق فرسًا، أو إبل يسابق إبلًا، أو ما شابه ذلك. أو رمي: رمي هذا يأخذ سلاح، وهذا يأخذ سلاح -سواء صغير أو كان كبير- المهم إذا لم تكن هناك مفازة، أو كان مثلا تحت إشراف الدولة -تحت إشراف الدولة- رمي: يضعون شيئًا معينًا فيرمون عليه بالسلاح. هل هذا العقد جائز أو واجب؟ يعني: يقول رجل مثلا: من فاز من فاز فله كذا وكذا. أو هذا يضع شيئًا، وهذا يضع شيئًا من المال. واضح: الجماعة الفائز له كذا وكذا. هل هذا شرط واجب أو جائز؟ لأحدهم أن يتراجع. يقول: متردد بين جواز المنع. وتعلمون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر». وهذه -كما يقول العلماء- رحمه الله تعالى- لمعانيها المشروع -آخر- يعني عن معنى القمار. قال ابن قدامة: والظاهر أنهما جعالة؛ أنهما جعالة؛ أي: إذا كان من طرف ثالث -من طرف ثالث- كأن تكون من قبل الأمير، السلطان، أو أحد الناس مشجعين للخير. يقول: من فاز من هذه الخيول فأعطيه مكافأة. والجعالة قد تقدمت معنا: معنى أنها من العقود الجائزة. قال: فلا يثبت فيهما خيار؛ لماذا؟ أنها من العقود الجائزة. وقيل: إنهما إجارة. وقيل: إنهما إجارة. وقد مضى معنا حكم الإجارة؛ قد مضى معنا حكم الإجارة: إجارة معينة، والإجارة في الذمة. قال: الضرب السادس: لازم يستقل به أحد المتعاقدين؛ كالحوالة؛ لازم يستقل به أحد المتعاقدين؛ كالحوالة، والأخذ بالشفعة؛ فلا خيار فيهما؛ فلا خيار فيهما؛ لأن من لا يعتبر رضاه لا خيار له. الحوالة: كأن يحال الإنسان على ماذا؟ على إنسان، ويكون مليئًا. «من أحيل إلى مليء فليحل». والأخذ بالشفعة كذلك: الأخذ بالشفعة. الشفيع له أن يأخذ حقه من صاحبه بماذا؟ بحق الشفعة. قال: فلا خيار فيهما؛ لأن من لا يعتبر رضاه لا خيار له؛ أي: سواء رضي الطرف الثاني أم لم يرضه. قال: وإذا لم يثبت في أحد طرفه لم يثبت في الآخر -كسائر العقود-. ويحتمل أن يثبت الخيار للمحيل والشفيع؛ للمحيل والشفيع؛ للمحيل يقول: بدا لي أن لا أرضى بفلان حتى أرجع إليه. والشفيع كذلك. قال: لأنها معاوضة يقصد فيها العوض؛ فأشبهت سائر البيوع. فإذا أشبهت سائر البيوع، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «بيعان بالخيار ما لم يتفرقا». والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على