الدرس في كتاب البيوع 24، ألقاها
تناول المقطع آراء العلماء المختلفة حول طهارة جلود الميتة والكلب والخنزير بالدباغ، واستعرض سبعة أقوال مع أدلة من الأحاديث النبوية. الراجح هو طهارة كل ما دبغ لعموم الحديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».
اختلف العلماء في طهارة جلود الميتة بعد الدباغ، فمنهم من قال بطهارة جميع الجلود حتى جلد الخنزير، ومنهم من استثنى جلد الخنزير. واستعرض آراء حول طهارة الشعور المحرمة بعد الدباغ.
أجاب الشيخ بأن استخدام شريان الخنزير في الطب جائز في حالات الضرورة، ولا يُعد أكلاً محرماً، حيث يبرر ذلك بأن استخدام شريانه في العلاج يختلف عن الأكل.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فمواصلة لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه في ذكر الحديث الذي فيه أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما تحريم بيع الخنزير، فيتناوله جملته، أي جملة الخنزير وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة. وتأمل كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل، إشارة إلى تحريم أكله، ومعظمه اللحم. ومعظم الخنزير اللحم. قال: وها هنا، أي في الحديث، لما حرم البيع ذكر جملته، أي وبيع الخنزير، ولم يخص التحريم بلحمه؛ ليتناول بيعه حيا وميتا. مسألة: في ذكر مذاهب العلماء في جلد الميتة والكلب والخنزير، وهل يطهرها الدباغ؟ في المسألة سبعة أقوال: أحدها، لا يطهر بالدباغ شيء من جلود الميتة. وهذا القول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة رضي الله عنهم، وهو أشهر الروايتين عن أحمد، ورواية عن مالك. المذهب الثاني: يطهر بالدباغ جلد كل مأكول اللحم دون غيره. وهذا مذهب الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه رحمهم الله. واستدل هؤلاء بأدلة منها ما جاء في حديث ابن عباس في شاة ميمونة: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». وجاء كذلك في حديث سعد متفق عليه بمعنى. قالوا: فهذه الأحاديث تدل على أن الجلود إذا دبغت فإنها تطهر. قالوا: وليس كل ميتة، بل الميتة التي يحل أكلها؛ لأنه جاء في بعض الألفاظ: «دباغها ذكاتها». قالوا: ففيه دلالة على أن الدباغ يكون بمنزلة الذكاة للجلد. القول الثالث: يطهر به كل جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما. وهذا مذهب الشافعية. وحكاه النووي رحمه الله عن علي بن أبي طالب وابن مسعود. القول الرابع: يطهر به الجميع إلا جلد الخنزير. يعني يدخل فيه حتى الكلب. وهذا مذهب أبي حنيفة. القول الخامس: يطهر الجميع، والكلب والخنزير، إلا أنه يطهر طهارة ظاهرة دون باطنه. وهذا مذهب مالك فيما حكاه بعض الشافعية. المذهب السادس: قالوا يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة والكلب والخنزير ظاهرا وباطنا. قال بهذا داود الظاهري وأصحابه. وحكاه الماوردي عن أبي يوسف من الحنفية، وحكاه ابن عبد البر عن سحنون وابن عبد الحكم. القول السابع: ينتفع بجلود الميتة بلا دباغ، ويجوز استعمالها في الرطب واليابس. حكوا عن الزهري. قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: والدليل في طهارة هذه الجلود بالدباغ، قال: بمشهور الحديث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». قال: على أن البيع عندهم من باب الانتفاع. وأما قوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، فإنما يفيد جميع الأهاب، وهي الجلود كلها؛ لأن اللفظ جاء فيه مجيء عموم، ولم يخص شيئا منها. قال ابن عبد البر: وهذا أيضا موضع اختلاف بين العلماء. فأما مالك فقد ذكرنا مذهبه في أنها طاهرة غير كاملة الطهارة، ظاهرا لا باطنا. قال: وعند علي وأصحابه -إلا ابن واهب- فإنها طهارة كاملة. قال: إلا جلد الخنزير؛ فإنه لا يدخل في عموم قوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»؛ لأنه محرم العين، حيا وميتا. قالوا: وجلده مثل لحمه في النجاسة. فلما لم تعمل فيه الذكاة، لم يعمل الدباغ في إهابه شيئا. قال: وكذلك يقال في جلده بعد الموت وبعد دباغه. ثم ذكر رحمه الله قول من قال بأن الدباغ مطهر لكل شيء حتى الخنزير والكلب، وأنكر جمهور العلماء هذا القول. قال: وأما الدباغ، فعاملوا في كل إهاب وجلد ومسك، إلا أن الجمهور خصوا جلد الخنزير وأخرجوه من الجملة؛ فلم يجوزوا فيه الدباغ. ثم ذكر وأشار إلى مسألة: وهي هل للخنزير جلد ينتفع به؟ يقول: هذا على القول؛ وإلا فبعض أهل العلم يقول: ليس للخنزير جلد ينتفع به. والصحيح أنه فيه جلد، وفيه ماذا؟ هذا الجلد ينتفع به. قال: وحجة الآخرين -أي من قال بالطهارة مطلقا- قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». قال: فقد عم أهاب كلها أو كلهم؛ فكل إهاب داخل تحت هذا الخطاب. قال: إلا أن يصح إجماع في شيء من ذلك؛ فيخرج من الجملة. وبالله التوفيق. قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: فالحاصل من هذه المسألة، والراجح من الأقوال المذكورة والأظهر -والله تعالى أعلى وأعلم- القول بطهارة كل ما دبغ؛ لعموم الحديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». ولعدم الدليل الصحيح الصريح على استثناء الخنزير أو غيره من هذا العموم. وقد قال بهذا القول من تقدم ذكره، بل قد قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في السبل: وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود. وهذا القول هو الذي رجحه العلامة الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه «السبل السلام»، وكذلك رجحه الإمام الشوكاني في «النيل». فقال بعد أن ذكر المسألة والأقوال والأدلة وناقشها: وهو الراجح؛ لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب لم تفرق بين الكلب والخنزير وما عداهما. وهذا كذلك اختيار العلامة الألباني رحمه الله تعالى من المعاصرين؛ أخذا بعموم هذا الحديث وبظاهره. فإن قال قائل: فما تقولون في حديث ابن عكيم: «لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب»؟ فالجواب: أن العلماء رحمهم الله تعالى أجابوا عن حديث ابن عكيم بأجوبة؛ منهم من حكم عليه بأنه مرسل، ومنهم من حكم عليه بأنه مضطرب، ومنهم من صحح الحديث، وقالوا: على صحة الحديث لا يصار إلى النسخ إلا بعد تعذر الجمع، والجمع هاهنا ممكن. وهو أن يقال: «لا تنتفع من الميتة بعصب أو بأهاب إذا لم تدبغ؛ فإذا دبغت جاز الانتفاع بها». وكما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما». فإن قيل لنا: قد تقدم أن الدباغ للجلود مزيل للنجاسة، وهذا لا يأتي إلا إذا كانت الجلود قد طرأ عليها النجاسة لا أنها نجسة بذاتها؛ لأن ما كان نجاسة ذاتية فإنه لا يتطهر لا بدباغ ولا بغيره. فالجواب: أن هذا الاستنباط والتعليل -أي في كون الدباغة مزيلة للنجاسة- لا يقوى على تخصيص عموم الحديث كما تقدم معنا قريبا. عند التعارض عندنا: ظاهر حديث، واستنباط لعلة الحديث. هل نستطيع أن نخصص الحديث بهذه العلة المستنبطة؟ أم الأصل بقاء ذلك الظاهر على ظاهره؟ وهذا وها هنا كذلك. هذا أمر، وأيضا قد يعارض هذا التعليل بتعليل أقوى منه؛ وهو أن الدباغ مطهر لجميع الجلود سواء كانت نجاستها ذاتية أو طارئة. وهذا التعليل موافق تماما لظاهر النص: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». فهو أولى بالأخذ به. فالحاصل: أنه يطهر بالدباغ. وأن التعليل بأن الدباغة مطهرة للجلود مطلقا أولى من التعليل بأنها مطهرة للجلود الذي نجاستها طارئة لا الذي نجاستها ذاتية؛ لأن على هذا القول سيمنع استعمال جميع الجلود -عدا المأكول-؛ كجلود التماسيح، وجلود النمور، وجلود الثعالب، وكل ما لا يؤكل لحمه أو لا تحله الذكاة. وأما ما جاء في بعض ألفاظ الحديث: «دباغها ذكاتها»، فهو مفسر بالألفاظ الأخرى: «دباغها طهورها». فكما أن الحيوان المأكول إذا ذكي فهو طاهر، فكذلك الجلود إذا دبغت فهي طاهرة. والله أعلى وأعلم. الفائدة الأولى: سئل العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عن لبس المعاطف الجلدية من جلود الخنزير. فأجاب رحمه الله: قد ثبت عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». وقال: «دباغ جلود الميتة طهرها». واختلف العلماء في ذلك: هل يعم هذا الحديث جميع الجلود؟ أم يقتصر بجلود الميتة التي تحل بالذكاة؟ قال: ولا شك أن ما دبغ من جلود الميتة التي تحل بالذكاة -كالإبل والبقر والغنم- طهور يجوز استعماله. قال: أما جلود الخنزير والكلب ونحوهما مما لا تحل ذكاته، ففي طهارته بالدباغ خلاف بين أهل العلم. والأحوط ترك استعماله؛ عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». الفائدة الثانية: قال شيخ الإسلام رحمه الله: بل في أحد قولي العلماء -وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين- أن جميع الشعور طاهرة؛ حتى شعر الخنزير. وقال في موضع آخر: والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها؛ شعر الكلب والخنزير وغيرهما. بخلاف الريق؛ فإنه نجس. وعلى هذا: فإذا كان شعر الكلب رطبا وأصاب ثوب الإنسان، فلا شيء عليه. قال: وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة؛ فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلا بدليل؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. الفائدة الثالثة: سئل العلامة العثيمين رحمه الله عن حكم ما يوضع في العمليات الجراحية من أشياء محرمة -مثل شرايين الخنازير- علما بأنها أجود من غيرها. فأجاب رحمه الله: لا بأس بذلك؛ إنما المحرم أكل الخنزير. وهذا ليس بأكل. ثم قال: وأيضا إذا كان ضرورة فهو ضرورة؛ والضرورة تجوز عندها الأكل من لحم الخنزير؛ فضلا عن وضع شريانه في قلبه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.