كتاب المعاملات 40

الدرس في كتاب المعاملات 40، ألقاها

تعريف الغصب وأحكامه الشرعية

يتناول تعريف الغصب لغة وشرعًا وحكمه الشرعي وأحكامه المتعلقة برد المغصوب. يُبين أن الغصب محرم بإجماع المسلمين.

تفاصيل أحكام الغصب ورد المغصوب

يشرح أحكام الغصب ووجوب رد المغصوب عينه أو بدلًا منه، مع تفاصيل حول الزيادات المتصلة والمنفصلة ومسؤولية الغاصب.

أحكام المغصوب وتصرفات الغاصب

يتضمن تفاصيل حول إعادة الأرض إلى حالتها الأصلية ومسؤولية الغاصب عن التغيرات والتلف وعدم صحة تصرفات الغاصب بدون إذن.

حكم المعاملة بناءً على الإذن وخاتمة

يتوقف استمرار المعاملة على وجود الإذن، ويُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى وختم الدرس بأدعية التسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الخامس عشر من كتاب المعاملات في الغصب، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: تعريفه وحكمه. أولًا: تعريفه، أي تعريف الغصب. الغصب لغة: أخذ الشيء ظلمًا. وشرعًا: الاستيلاء على حق الغير ظلمًا وعدوانًا بغير حق. أي أن الاستيلاء الذي يكون بغير حق، ويكون أيضًا وهو ملازم له ظلمًا وعدوانًا، هذا هو الغصب. استيلاء على حق الغير بغير حق شرعي، أي مأذون به شرعًا. بخلاف الاستيلاء على حق الغير إن كان مأذونًا به شرعًا، فإنه مشروع، كالاستيلاء على أموال المحاربين في أرض القتال ونحوها، فإنه مشروع. لكن الكلام هنا على الاستيلاء بغير حق وبغير إذن شرعي، هذا هو الغصب ظلمًا وعدوانًا. أي أن مغتصبه يأخذه على هذا الوصف أنه ظالم، وأنه معتدٍ. ثانيًا: حكمه، أي حكم هذا الغصب. قالوا: وهو محرم بإجماع المسلمين، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه». وقال صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه يوم القيامة من سبع أراضين». بل قد نص غير واحد من أهل العلم بأنه من الكبائر؛ لأنه ظلم للغير. فعلى كل من عنده مظلمة لأخيه أن يتوب إلى الله ويتحلل من أخيه، ويطلب منه العفو في الدنيا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه». والحديث في البخاري، وهو كما ترون فيه حث من النبي صلى الله عليه وسلم على سرعة التوبة والإوبة وإرجاع الحقوق إلى أهلها، وطلب العفو في الدنيا؛ فإن الأمر في الدنيا أهون. لكن المصيبة كل المصيبة والبلية كل البلية أن تكون الخصومة غدًا بين يدي الله رب العالمين جل وعلا، ولا يكون حينها إلا الحسنات والسيئات. المسألة الثانية: في الأحكام المتعلقة بالغصب، أي الأحكام الشرعية التي رتبها الشرع على من اغتصب حقًا لأخيه. أولًا: يجب على الغاصب رد المغصوب. يجب على الغاصب رد المغصوب بحاله، وإن أتلفه رد بدلًا منه. أولًا من الأحكام المتعلقة بهذا الباب أن الغاصب يجب عليه أن يرد ما اغتصبه من حق أخيه. فإن كان باقيًا على حاله، كان يكون اغتصب منه دارًا والدار قائمة على حالها لم يتغير فيها شيء، يجب عليه أن يردها بعينها. يرد عين ذلك الشيء المغصوب، لا يقول له: أنا تبت إلى الله جل وعلا وأخذت منك الدار، لكن سأعوضك دارًا أخرى. بل الواجب عليه أن يرد الشيء المغصوب عينه إذا كان موجودًا قائمًا بحاله. وإن أتلفه، أخذ مثلًا اغتصب سيارة فأتلفها، اغتصب منه طعامًا فأتلفه، اغتصب منه بعيرًا فأتلفه إلى غير ذلك من الأشياء، أتلف ذلك الشيء المغتصب فما الحكم هنا؟ قالوا: هنا رد بدلًا منه. وصار في المسألة أن الفقهاء رحمهم الله تعالى يفصلون في هذا الباب بين كون الشيء مثليًا فيجب فيه المثل، وبين كون الشيء ليس مثليًا فيجب فيه القيمة. بمعنى أن الشيء إذا كان له مثل، فإنه يجب عليه المثل. مثال ذلك: رجل اغتصب على رجل كيس بر، الكيس من البر له مثيل أم لا؟ الجواب نعم. إذن الواجب عليه أن يرد له مكانه كيسًا من البر مثله؛ لأنه مثلي، لأنه من نفس النوع. وأما إذا لم يكن مثليًا، أي شيء ليس له مثيل ولكنه متقوم، أشياء كثيرة من هذا النوع. مثال ذلك: أخذ منه سيفًا قديمًا لآبائه وأجداده فأتلفه، ليس له مثيل. فماذا يصنع؟ يقوم، يقال: كم قيمة هذا السيف؟ فيقال: بكذا وكذا، فيدفع قيمة ذلك الشيء الذي أتلفه؛ لأنه ليس بمثلي. فما كان مثليًا فالواجب فيه المثل، وما لم يكن مثليًا بل متقومًا فالواجب فيه القيمة، هذا هو الصواب في هذه المسألة. الحكم الثاني من أحكام الغصب: يلزم الغاصب رد المغصوب بزياداته، سواء كانت منفصلة أو متصلة. مثال ذلك: لو أنه أخذ غصب بقرة وكانت هزيلة فأعلفها وأطعمها فصارت سمينة، فالواجب عليه ردها بحالها الذي هي الآن عليه. فهي سمينة يردها، ماذا على الحال الأول؟ لماذا؟ لأن ما أنفقه عليها ملغى في مثل هذه الحال. كذلك لو أن هذه البقرة أو تلك الشاة أو ما شابه ذلك أنتجت صغارًا، فإنهم كذلك يكونون تابعين لأصلهم لأمهم، فترد الأم مع ما نتج عنها؛ وذلك لأن ما نتج عنها هو في الأصل حق لمن هو حق لذلك الإنسان الذي اغتصب منه ذلك الشيء. فما نتج عنه فهو تابع لأصله. الحكم الثالث من أحكام الغصب: الغاصب إذا تصرف في المغصوب ببناء أو غرس، أمر بقلعه إذا طالبه المالك بذلك. كذلك يعني أولًا في الغرس: لو أن إنسانًا غصب أرض إنسان فغرس فيها غرسًا، ثم تاب إلى الله جل وعلا أو رفعه إلى الحاكم فقضى الحاكم عليه بأنه غاصب، فردت الأرض إلى مالكها، فوجد الأرض قد غرس فيها أشجار، فقال له: أنا لا أريد هذه الأشجار، إقلع هذه الأشجار. الواجب على الغاصب أن يقلع ما غرسه، ويجب عليه أن يرد الأرض على ما كانت عليه قبل الغرس. معنى هذا ليس معناه أن يغرس يجعل الأرض كلها حفر مكان الغرس الذي انتزعه وأخرجه وقلعه، بل واجب عليه أن يرد الأرض إلى حالها الأول عند اقتصابها. فإن كانت تحتاج إلى تسوية وجب عليه أن يسويها، وإذا احتاجت إلى ما يردها إلى ما كانت عليه كذلك وجب عليه ذلك. هذا في الغرس، بقي في البناء. البناء كذلك من أهل العلم يحكم بالغرس أو بالبناء كالغرس، أن ذلك عائد إلى صاحب الأرض، وهو الأظهر. أن صاحب الأرض إن شاء أمره بقلع تلك البناء أو البناء الذي وضعه في الأرض؛ لأنه ليس لعرق ظالم حق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق ظالم حق». فيجب عليه أن يقلعها. لكن إذا كان صاحب الأرض قال له: قد بنيت هذه الدار في أرضي، فكم قيمتها وأنا أدفعها لك؟ فقال الغاصب: ما سأبيعها لك، لن أبيعها لك. فما الحكم هنا؟ واضح. جماعة من الفقهاء عملوا أن الغاصب وصاحب الأرض يقول له: أنا أشتريها منك، كم كلفتك؟ قال: ما سأبيعها. هل يقلعها أو تقوم ويدفع له القيمة؟ خلاف بين الفقهاء. والأظهر والله تعالى أعلم: التفصيل في ذلك. فيقال: إن كان في قلعها مصلحة للغاصب، كان ينتفع بالأحجار وبما كان من ذلك البناء، فله ذلك. وإن كان إنما سيفعل ذلك إتلافًا وإفسادًا لتلك الدار أو ما شابه ذلك، فإنه يمنع؛ لأن هذا من السفه. والله تعالى أعلى وأعلم. الحكم الرابع من الأحكام: المغصوب إذا تغير أو قل أو تلف ضمن الغاصب النقص. كذلك المغصوب إذا تغير، مثلًا أخذ دارًا فتغيرت الدار، تلف بعض جدرانها أو إلى غير ذلك من الأشياء، فإنه يضمن النقص. قيمتها مليون عند استردادها واسترجاعها، كانت قيمتها ثمانمائة ألف مثلًا، يقال له: عليك مئتا ألف تدفعها لصاحب الدار. وهكذا قل في غيرها من الأشياء. بعير أخذه قويا فرده ضعيفًا هزيلًا، كان قيمته مئة ألف صار ثمانون ألفًا، وما شابه ذلك يقوم ويدفع أرش النقص. الحكم الخامس: الغصب قد يكون بالخصومة والأيمان الفاجرة. أي الغصب قد يكون بالقوة والجبروت كما هو حال المتكبرين المتجبرين، وقد يكون عن طريق الخصومة الفاجرة، يدعي ويأتي بأيمان فاجرة أنه مالك لذلك الأرض فيأخذها غصبًا. فهو كذلك ماذا؟ غاصب. سواء كان بالحالة الأولى أو الثانية، أخذها بالحكم الباطل الذي يظنه حقًا، أو أخذها بالقوة والتكبر والتجبر، كلها غصب. ويتناولها أدلة الغاصب، ويتناولهم أحكامه كذلك. السادس: قالوا: جميع تصرفات الغاصب باطلة إن لم يأذن بها المالك. لماذا؟ لأنه تصرف في غير حقه، لأنه تصرف في غير ملكه. وما دام كذلك فإنه ملغى، فإنه يكون ملغى. لا عبرة بما كان منه وما ترتب عليه، إلا أن يأذن المالك بذلك. فإن أذن تمت المعاملة؛ لأن مصدرها صار إلى أهله أو إلى أهلها وصاحبها وهو المالك الأصلي. فإن أذن صارت المعاملة على ما كانت وإن لم يكن فلا. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على