أداء الحقوق  14

أداء الحقوق 14

الدرس في أداء الحقوق 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الحقوق بين المسلمين وأهمية التمسك بالسنة

يتناول هذا الفصل الحديث عن الحقوق بين المسلمين وأهمية التمسك بالسنة والابتعاد عن البدع. يُبرز أن أهل السنة والجماعة هم القادرون على الحديث عن هذه المواضيع بكل أريحية.

موقف أهل البدع وأهل السنة من الحقوق الإسلامية

يتناول هذا الفصل موقف أهل البدع وأهل السنة من الحقوق الإسلامية، حيث يبين اختلافهم في التعامل مع هذه الحقوق. أهل السنة يهتمون بالحقوق الإسلامية ويجعلونها في كتب الاعتقاد.

أهمية معرفة حقوق الناس وأدائها والآداب الإسلامية

يُناقش هذا الفصل أهمية معرفة حقوق الناس وأدائها، ويُشير إلى أهمية معرفة الآداب والسلوك الإسلامية لطلاب العلم لدعم عظمة الدين. يُبرز أن العلم الشرعي يجب أن يُرافقَه معرفة كيفية التعامل مع الناس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فتتمة إخواني في الله لما سبق ذكره من ذكر القواعد العامة التي يستعين بها المسلم في معرفة طريقة تعامله مع إخوانه المسلمين، وذلك بذكر أهم القواعد التي يكون في الحسبان. ومما ذكر مثل هذه القواعد نصل إلى فصل آخر، وهو يتبع هذا الفصل، وهو: ما هي الحقوق التي ينبغي أن تؤدى؟ ما سبق ذكره ما تطرقنا إلى ذكر شيء من الحقوق، وإنما ذكرنا القواعد العامة في ضبط هذه الحقوق. بقي ما هي الحقوق التي ينبغي أن يؤديها المسلم لإخوانه المسلمين تأدية لهذه الرابطة الإيمانية، وهي الأخوة الإسلامية. طبعًا الحقوق كثيرة، وفي مثل هذه الدروس العامة نحاول أن نجمل أهم ما تيسر. وقبل الدخول إخواني في الله في ذكر أهم الحقوق التي ينبغي أن يؤديها المسلم لإخوانه المسلمين، ننبه على فائدة عظيمة، وهي لها تتمة لهذا الموضوع، وهو أن مثل هذه المواضيع إخواني في الله ما يتعلق بالأخوة الإيمانية، ما أظن أن مسلمًا سيجدها عند أحد إلا عند أهل السنة والجماعة. أهل السنة والجماعة هم من تمسك بمنهج سلفنا الصالح، وساروا على سير نبينا عليه الصلاة والسلام عقيدة ومنهجًا وسلوكًا، هم القوم فقط الذين بإمكانهم أن يتكلموا بمثل هذه المواضيع بكل أريحية. وأعني بهذه الكلمة: يتكلمون بهذه المواضيع بكل أريحية، لا يرون في ذلك مشقة ولا عنت. والقول بهذه المسألة لأن ما نرى من واقع من خالف السنة أنهم لا يمكنهم أن يتكلموا في مثل هذه المواضيع. لا يمكن أن تأتي عند خارجي أو عند رافضي أو عند معتزلي أو عند رجل من أهل الفرق الباطنية، قال: إنه يتجرد في الكلام مثل هذه المواضيع؛ لأنه لا يمكنه، لا يمكنه أبدًا أن يتكلم في هذه المواضيع؛ لأنه قد حرموا معرفة الحقوق الإسلامية، وذلك عندما تقمصوا تلكم البدع. فإن من جزاء هذه البدع أن الله جل وعلا حرمهم من معرفة تأدية الحقوق الإيمانية والإسلامية، فضلًا عن أن يتكلموا فيها. وقد تكلم العلماء بذلك، من أبدع من تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى، عندما تطرق إلى شرح حديث قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة من ولاه أمركم، ولزوم الجماعة». ذكر رحمه الله تعالى بشأن أهل البدع أنهم من أبعد الناس عن لزوم جماعة المسلمين، بل أثبت رحمه الله تعالى أن قلوب المبتدعة تملأ قلوبهم غلًا وحقدًا على أهل الإسلام. ثم ذكر عن واقعهم وعن زمنه ما من نظر في كلامه ويطبقه على زماننا، ويكأنه يتكلم عن مبتدعة هذا الزمان: كيف أن قلوبهم قد مليت حقدًا وحسدًا؟ بل إن أيديهم موضوعة ومطروحة مع أيدي الكفار ضد نحور أهل الإسلام. وهذا لله درة من كلام بديع يرجع في بدائع الفوائد وفي غيرها من كتبه، رحمهم الله تعالى. أما أهل السنة والجماعة إخواني في الله، فهم يتكلمون بمثل هذه المسائل: الحقوق الإسلامية، الحقوق الإيمانية، ما يتعلق بصورها، ما يتعلق بأحكامها، ما يتعلق بالمسائل المتعلقة بها. بل من أهمية هذه المواضيع عندهم أن جعلوها في كتب الاعتقاد. من رجع إلى شرح الواسطية لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، جعل الفصل الأخير من كتابه رحمه الله تعالى يذكر فيها بعض الحقوق الإسلامية التي تربط المسلم بإخوانه المسلمين. أما أهل البدع إخواني في الله، فمن نظر إلى أحوالهم يرى عكس ذلك. أهل البدع من أبعد الناس عن تحقيق أمثال الحقوق الإسلامية، سواء كان في حق الوالدين أو حقه في حق الجيران أو في حق المسلمين عامة. بل حتى أخبرت أن بعض الفرق إذا تكلم الخطيب في حق الوالدين غضبوا؛ لأن غالب من ينتمي إلى هذا التيار أو ذاك التيار هم عاقين لآبائهم ولأمهاتهم، وهذا حقيقة واقع وملموس. يغضبون ويأنفون عن الكلام بهذه المواضيع، وهكذا إن تكلم أحد عن حقوق المسلمين أبرم وغضب وأرعد وأزبد؛ لأنه يرى أن مسلمي هذه الأزمان قد كفروا وقد ارتدوا. ولأنظر إخواني في الله في حوادث التاريخ الغابرة: كيف تعامل المبتدعة مع المسلمين؟ ما كانت أيديهم إلا ملطخة بدماء المسلمين. سل عبد الله عن الخوارج: ما الذي فعلوه في الزمن الأول؟ سفك الدم، بل أي دم؟ دم الصحابة رضي الله تعالى عنهم. كما قال الراوي: فكان عامة هؤلاء يطاعنوننا يوم النهروان. ولا يخفاكم في التاريخ كيف أن عليًا رضي الله تعالى عنه بدأ بقتال الخوارج متى؟ لما تمت المناظرة، مناظرة ابن عباس مع الحرورية، ورجع منهم الثلث أو الثلثان، وبقي الثلث الأخير منهم ما رجع إلى الحق. تركهم علي رضي الله تعالى عنهم على أنهم لهم ما لهم للمسلمين، وعليهم ما عليهم، إلا أن يسفكوا دمًا حرامًا، فإذا بهم تطاولوا على امرأة، تطاولوا على امرأة مرت عليهم قتلوها وبقروا بطنها. فحينها سل السيف عليهم رضي الله تعالى عنهم حتى استأصلهم، لكنهم لا زالوا في عتوهم وفي غيهم يسفكون الدم الحرام. وهكذا سأل يا عبد الله عن المعتزلة: ما الذي جلته الأمة منهم؟ ما جلبت منهم إلا العنت والضيق، تسلطوا على الأقاليم، تسلطوا على البلاد والعباد. وانظر يا عبد الله إلى فتنة خلق القرآن تنبيك يا عبد الله تلكم الحادثة عن ماذا؟ بطش هؤلاء على أهل السنة خاصة وعلى المسلمين عامة، فكانت البدعة هي التي عليها الولاء والبراء، هي التي عليها الولاء والبراء، بخلاف أهل السنة، فإن الولاء والبراء على الدين، على الإسلام، على شرائعه، على أحكامه، على فرائضه، على واجباته. الولاء والبراء على الدين، هذا من مقياس أهل السنة والجماعة. ولهذا تتسع قلوبهم لكل مخالف، بخلاف أهل البدع والأهواء، فإنما ولاؤهم وبراؤهم على البدعة التي ارتضوها لأنفسهم، فمن والاهم عليها فهو الولي الحميم، ومن خالفهم فيها فهو ماذا؟ وهو العدو، وهو الكافر. وتسمع فتاوى الخوارج يصرحون بأن من خالف مذهبهم أو منهجهم فهو كافر حلال الدم والمال، حلال الدم والمال. والمقام هذا لا يسع في ذكر هذه الاطروحات وبيان ما عليه المبتدعة من قطعهم لحقوق الإسلام والمسلمين، وستأتي إن شاء الله في دروس قادمة يتعلق بمثل هذه المسائل. لكن إن شاء الله في دروس قادمة ننتقل من هذه القواعد العامة وذلك بالدخول في موضوع أخص، وذلك بذكر أهم الحقوق. وطبعًا سنستطرد في ذكر رؤوس الأقلام والقواعد العامة كذلك في أهم الحقوق التي تشتمل على حقوق كثيرة تحتها وتحت مضلتها. وأقول إخواني: هذه المسائل من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعتني بها المسلمون. صحيح لربما أحد منا قد يعتني بالعلم الشرعي، العلم متعلق بالأدلة ونحو ذلك، لكن لا يفقه العلم المتعلق بالتعامل مع الناس. التعامل مع الناس هذا من العلوم الشرعية، يسميه العلماء بعلم الآداب، بعلم السلوك، وهذا لا بد منه. بل إن علمك يا عبد الله إن لم يحاط وإن لم يكرس بكيفية التعامل مع الناس فإن علمك يذهب. يقول يا ربنا جل وعلا في حق نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ويقول نبينا في حقه: «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفض من حولك»، مع أنه أم العلوم وحي السماء في صدره، ومع ذلك يكون عرضة للترك إذا لم يكرس هذا العلم في طريقة التعامل، في طريقة التعامل مع الناس. حتى قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية مستعجبًا معلقًا: قال إذا كان هذا النبي المعصوم يقال فيه ما يقال، فكيف بغيره؟ فأنت يا عبد الله لو كان عندك ما عندك من العلوم، لكنك لم تجعل هذا العلم قد اجتمع على معرفة علوم الناس، وذاك تأتي بتأذية الحقوق، معرفة الحقوق وأداء الحقوق لأهلها، فإن هذا العلم لا ينفعه. وخاصة نحن طلاب العلم أحوج ما نكون إلى معرفة مثل هذه الآداب والسلوك التي يقوم بها عظمة الدين وقوة الإسلام، كما مر ذلك معنا في دروس مضت وخلت. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.