أداء الحقوق  15

أداء الحقوق 15

الدرس في أداء الحقوق 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في حقوق المسلمين وأهمية الأخوة الإيمانية

يتناول المقطع الأول أهمية الحقوق الإسلامية والأخوة الإيمانية، ويشير إلى أن العلماء أجملوا هذه الحقوق في أمرين اثنين هما بذل الندى وكف الأذى. بذل الندى يعني بذل المعروف والنفع لإخوانك المسلمين بأي شكل من الأشكال.

أهمية نفع الآخرين ومساعدتهم في الإسلام وتأثيرها على الفرد

يؤكد الحديث النبوي على أهمية نفع الآخرين ومساعدتهم، حيث يعد ذلك من لوازم الإيمان. كما يشير إلى أن من يفرج كربة عن مؤمن، يفرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.

فضل نفع الآخرين وأهمية بذل الخير لهم وتأثيرها في الآخرة

يُشير المقطع إلى أهمية نفع الآخرين وأفضلية العبادات المتعدية على القاصرة. يُبين أن بذل الخير لغيرك يُثبت قدم العبد يوم القيامة ويملأ قلبه رضا.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام إقرارًا بأن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله ما يتعلق بباب الأخوة الإيمانية، أو قول ما هو أعم من ذلك، الحقوق الإسلامية. ذكرنا في درس سابق بأنها، وآن الأوان بذكر أهم الحقوق التي ينبغي أن يؤديها المسلم لإخوانه المسلمين. والحقوق كثيرة وكثيرة جدًا، لا يسع هذا المقام ولا عشرات المقامات كمثل هذا المقام في سردها وعدها وشرحها والتبسيط في أمرها. لكن يكفينا في هذا المقام الإشارة إلى قواعده، أو قواعد عامة كذلك تجتمع تحت طياتها على العديد والعديد من الحقوق. وقد أجمل العلماء بأن الحقوق الإسلامية والأخوة الإيمانية يمكن أن تجمع وتجتمل الحقوق جميعًا في أمرين اثنين، وتحت مضلتين عظيمتين، ألا وهما بذل الندى وكف الأذى. بذل الندى وكف الأذى. وأصر في اختصاص هذين الوصين بهذه الأهمية وبتلكم المكانة الأمر الأول الأدلة العامة والخاصة. الأدلة العامة والخاصة تجد أنها تشير إشارات صريحة، أو أنها إلماحة وإشارة إلى هذين المقامين. وكذلكم تجد أن تعريف الأخلاق، والأخلاق من أعظم المسائل التي فيها تعامل الناس بالناس، تجد أن تعريف الأخلاق ومن ساهم من سلفنا الصالح في وضع حد لمعنى الأخلاق، تجد أنهم لا يخرجون عن ذكر هذين الضابطين. ما من أحد يأتي بتعريف لتعريف الأخلاق الحميدة أو الآداب السديدة، يجد أنه يعرج على هذين المقامين، على بذل الندى وعلى كف الأذى. فتجد أن هذين الركنين يلعبان دورًا أساسيًا في باب الأخلاق. وهكذا إن جئت إلى ما يسمى الإحسان مع الخلق، من درس في العلوم الشرعية في باب الآداب، وفي باب الاعتقاد كذلك. إذا وصل فيما يتعلق بالإحسان، يرى أن الإحسان على قسمين اثنين، إحسان مع الخالق وإحسان مع الخلق. نأتي إلى الإحسان مع الخلق، نجد أن الذي يريد أن يعرف الإحسان مع الخلق، يجد نفسه كذلك ملزما بأن يجعل هذين الأمرين في تعريف الإحسان مع الخلق، وهو بذل الندى وكف الأذى. إذن نجد إخواني في الله، الأدلة العامة، الأدلة الخاصة، تعريف الأخلاق والآداب، تعريف الإحسان مع الخلق، تجد أنها لا تستغني عن هذين المقامين في ذكرها، ومن أصول تعريفها. فدل ذاك إخواني في الله على أن هذين المقامين من أعظم مقامات الدين، بل هي من أعظم حقوق المسلمين لإخوانهم المسلمين، بذل الندى وكف الأذى. حتى قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بعض رسائله، قال بأن الله جل وعلا وصف أهل الجنة بأن الله جل وعلا وصف أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإذن هذه إخواني في الله من الحقوق العظيمة. نبدأ بالحق الأول، طبعًا تحته مباحث، نقتصر كالعادة في ذكر أهم المسائل المتعلقة بهذه المباحث. المبحث الأول: ما هو بذل الندى؟ الندى في تعريف العلماء هو المعروف. المعروف هذا معنى الندى. من رجع إلى لسان العرب، من رجع إلى جمهرات اللغة، إلى غيره من كتب اللغة، يجد أن في تصريفهم لكلمة الندى، وإن صرحوا أن الندى يأتي بمعاني كثيرة، لكن من معاني الندى المعروف. فقول من يقول ببذل الندى معناه بذل المعروف. فبذل المعروف يا عبد الله للناس ولإخوانك المسلمين، هذه من أعظم الحقوق. والأدلة كثيرة جدًا تدل على ذلك، على أن من حقوق المسلمين أنك تساهم يا عبد الله في نفعه، في أي منفعة، منفعة الدين، منفعة الدنيا، بالمال، بالنفس، بالوجاهة، بأي شيء، المهم أنك تنفعه. حتى قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». بأي استطاعة، ليس من لزوم يلازم أن تكون المنفعة كبرى أو تكون المنفعة عظمى، لا يا عبد الله، ولو كنت تنفعه بإشارة أو بإرشاد أو بتعليم أو بتوجيه أو بأي بذل من عطاء. فقال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». إذا كان عندك قدرة وعندك استطاعة على النفع، فإن هذا من لوازم الإيمان. والأدلة كذلك تدل على هذا المعنى. قال عليه الصلاة والسلام: «من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». ولا يمكن أنك تفرج الكربات عن إخوانك إلا إذا ساهمت بمساهمتك يا عبد الله ببذلك وعطائك، سترفع وتفرج عن الناس الكربات التي حلت بهم. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وأذل كما قلنا إخواني في الأم تضافر على هذا المقام. بل أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن من خصائص الأخوة الإيمانية أن تنفع أنك تنفعه. قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه». هذه من أعظم خصائص أهل الإيمان. المؤمن أخو المؤمن، هذه قاعدة. بما تبرهن هذه القاعدة؟ كيف تثبت الأخوة التي بينك وبين المسلمين؟ اثبتها بما ذكر: «المؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه». قال الشراح كالمناوي وغيره من هذا العلم: أن معنى يحوط من ورائه، قال: أن يدافع عنه، وأن يذب عنه، وأن يناصره. فهذا الذي ينبغي يا عبد الله أن تبذله لإخوانك المسلمين، أن تكون لهم عونًا وأن تكون لهم معينًا. قال عليه الصلاة والسلام: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». انظر يا عبد الله إلى قمة وإلى رفعة هذا المقام العظيم. إذا أنت يا عبد الله جعلت نفسك بما تستطيع على أنك تقف بإذاء المؤمنين، بإذاء إخوانك، تذب عنهم، تناصرهم، تعينهم، تكشف عنهم ما استطعت من الكربات والمشاكل والمعضلات، فإن الله جل وعلا يؤيدك بنصره. وإن الله في عون العبد ما دام العبد، وما كان العبد في عون أخيه. وأمام إخواني في الله هذه الأدلة الكثيرة، إذا نظرنا إلى حالة نبينا عليه الصلاة والسلام، تجد أن رسول الله صلوات ربي والسلام عليه كان من أعظم الناس تطبيقًا لهذا المقام. فقد كان سريعًا إلى امتثال هذه الأوامر في نفسه، فضلا أن يأمر بها غيره، ولا يتمثل بها صلوات ربي وسلامه عليه. فقد كان من وصفه كما جاء في الصحيح: «أنه أجود بالخير من الريح المرسلة». الريح المرسلة الذي تأتي بالخير الذي معها، فنبينا عليه الصلاة والسلام كان أجود منها بالبذل والعطاء. ما كانت هذه من فعاله في أيام إسلامه، بل لم، بل حتى في فترة الجاهلية قبل البعثة وقبل الإسلام، نبينا عليه الصلاة والسلام قد رباه ربه جل وعلا وأدبه ربه جل وعلا على هذه الخصلة الحميدة. كان في من شأنه، ومن مناقبه عليه الصلاة والسلام يتربى ويترعرع على هذا الخلق العظيم. وكان في شبابه وكهولته كريمًا مبذولًا مبذولًا لفعل الخير، لا يرد سائلًا أبدًا عليه الصلاة والسلام. حتى لما وقع ما وقع له من الهول والقلق والخوف والفزع الذي ألم به بعدما رأى جبريل عليه السلام في غار حراء، فخرج من هناك يرتجف فؤاده، دخل على خديجة رضي الله تعالى عنها فزعًا. ما الذي قالت له خديجة؟ طمأنت نبينا بما طمأنته بخصاله التي كانت عليه. ما هي خصاله؟ قال: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق». كل ذلك منافع للناس. كل ذلك منافع للناس: تحمل الكل منفعة للناس، تقري الضيف منفعة للناس، تعين على نوائب الحق منفعة للناس، تصل الرحم منفعة للناس. هكذا كانت حياته، وفي هذه خصلة عظيم بيان على أن الله جل وعلا إذا أراد من شخص أن يهيئه لدين الله جل وعلا، ينشئه على هذا المقام العظيم. على هذا المقام العظيم، وهو أنك تعود نفسك يا عبد الله على بذل الخير لمن تلاقيه من المسلمين. ومن نظر إخواني في الله كذلك الفضائل العظيمة التي أعدها الله جل وعلا لهذا الصنف، لرأى العجب العجاب من تلكم الأجور والفضائل الكثيرة. وحسبنا في هذا المقام ما رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن عمر، وإن كان في سنده مقال، لكن جاء كذلك من أبي الدنيا بإسناد آخر، وله شواهد صححها بها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. وفيه أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم». «أحب الناس إلى الله أنفعهم». إذا أردت يا عبد الله أن تعرف رتبتك عند الله جل وعلا، وإذا أردت يا عبد الله أن تصل إلى مقامات محبوبة عند الله جل وعلا، فعليك أن توصل منافعك لغيرك، لا تقتصر على نفع النفس، لا تقتصر على نفع نفسك. وإن محاول أنك تبذل خيرك لغيرك. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الناس إلى الله أنفعهم». ثم قال: «وأحب الأعمال إلى الله». وتأمل إلى هذه الأعمال المحبوبة إلى الله. «وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا». انظر يا عبد الله إلى هذه المقامات، هذه طبعًا من أحب الأعمال إلى الله جل وعلا. سرور تدخله على قلب مسلم، تحاول أنك توصل شيء يسره، توصل إليه شيء يسره، شيء يجعل هذا المسلم ينبسط، يطرب قلبه، يفرح، يطلق من الفرحة من سعادة جراء ما فعلت، لا بالعكس يا عبد الله. وسيأتينا هذا في كف الأذى، ليس بالعكس أنك توصل إخوانك ما يسؤهم، ما يضرهم في دينهم، في دنياهم، في عارهم، في شأنهم، في أعراضهم، لا يا عبد الله. وإنما المسلم من يسارع إلى إسعاد ويدخل السرور في قلوب أهل الإسلام. قال: «أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم، أو تكشف به كربة ألمت به». كربة ألمت به، ضيق من مرض، من حاجة، تقف بجواره. قال: «أو تقضي عنه دينًا». ابتلاه الله جل وعلا بضيق، أرهقه بضيق، نكد عليه معيشته، ما استطاع أن يوفي ما عليه من حقوق، لكثر حقوق، ولقلة ذات يده، فتعينه على قضاء الدين. قال: «أو تطرد عنه جوعًا». وما أكثر الجوع الذي ابتليت به الأمة في كثير من مجتمعات المسلمين، أجأهم الفاقه والجوع والقحط والجفاف، فتطرد عنه جوعًا بما استطعت. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف شهرًا». اعتكاف، وأن تقضي حاجة لأخيك، أيهما أفضل؟ قضاء الحاجة. ومن هنا ومن هذه الأدلة استدل العلماء على أن العبادات المتعدية أفضل عند الله جل وعلا من العبادات القاصرة. العبادات على قسمين: عبادات قاصرة، ما معنى قاصرة؟ أي أن نفعها يقتصر عليك، يقتصر عليك، تسمى عبادات قاصرة. وهناك عبادات متعدية، نفعها يصل لغيرك. فأيهم أفضل عند الله إذا تزاحمت؟ فإن العبادات المتعدية أفضل عند الله، كما قال العلماء بلا شك، بلا شك أنها أفضل من العبادات القاصرة. وهذا الدليل الأثر الذي بين أيدينا يدل على ذلك. قال: «ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرًا». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كظم غيظه، وإن شاء أمضاه، ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة». الجزاء من جنس العمل، لما حبست هذا القلب عن الانتقام، ملأه الله جل وعلا إيمانًا ورضا يوم القيامة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها، ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام». وذلك يوم القيامة، إذا زالت الأقدام، فإن قدمك تثبت بتثبيت الله جل وعلا لها. وإذن يا عبد الله، إذا كنت ممن وقف مع إخوانهم المسلمين في هذه الدنيا، فإن الفضاء الكثير وكثير جدًا، ويكون له تويد عظم هذا المقام، مقام بذل الندى، وأن يكون المسلم في هذه الدار خاصة يده مبذولة، ولسانه مبذول، بل وجسمه وكيانه مبذول لخدمة إخوانه المسلمين. وسأت إن شاء الله مباحث متعلقة ببذل الندى تدرك إن شاء الله في دروس قادمة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.