أداء الحقوق  4

أداء الحقوق 4

الدرس في أداء الحقوق 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته

يتحدث عن حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، ويتناول بالتفصيل الحق الرابع وهو الذب عنه عليه الصلاة والسلام. يشير إلى أهمية تكاتف المسلمين في الدفاع عنه ونصرته ضد أعداء الدين.

نصرة النبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاته

يبرز أهمية الدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاته، ويشير إلى أن الذب عن عرضه وسنته وسيرته يُعد من أعظم الأعمال التي تُقرّب إلى الجنة. يُذكر حادثة غزوة أحد وكيف بذل الصحابة أرواحهم دفاعًا عنه.

أهمية الذب عن السنة النبوية والدين

يبرز أهمية الذب عن السنة النبوية والدين، ويبين أن الدفاع عنها يمكن أن يكون عبر الوسائل العلمية والدعوية والأدبية. يشير إلى أن من يدافع عن السنة النبوية يحصل على مدد من الله تعالى.

  • 30 جمادى الأولى 1434هـ - 10/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله في ذكر حقوق النبي عليه الصلاة والسلام على أمته، وذكرنا أهمية مثل هذه المواضيع التي لها تعلق بأعظم شهادة في الوجود، ألا وهي شهادة بوحدانية الله وشهادة نبينا عليه الصلاة والسلام بالنبوة والرسالة. ومن الحقوق التي مرت معنا، وهي التي ينبغي ويجب أن تبذل لمقامه عليه الصلاة والسلام، المحبة والإعظام الشرعي، والحق الثاني الطاعة، وخاصة في باب أداء العبادة. والحق الثالث ما يتعلق بالتأدب معه، وقد تكلمنا في درس أمس ما يتعلق بصور التأدب مع نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن هذا ليس فقط يقتصر في حياته، وإنما يصل كذلك ويتواصل إلى بعد مماته، وهذا الذي درج عليه سلفنا الصالح، فكانوا يتعاملون مع السنة كأنهم يتعاملون مع ذاته عليه الصلاة والسلام. فهكذا ينبغي على أهل الإسلام أنهم إذا تعاملوا مع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أنهم يتخذوا الأدب الكامل معها. والحق الرابع الذي نحن فيه في هذا المقام، ومن الحقوق العظيمة التي ينبغي أن يبذلها المسلمون لما قام نبينا عليه الصلاة والسلام، الذب عنه عليه الصلاة والسلام، ويدخل في ذلك المنافحة، ويدخل في ذلك الانتصار له صلوات ربي وسلامه عليه. ألا شك ولا ريب أن أعداء الدين كثر، لا كثرهم الله، وكلهم يرمون بقوس واحدة لذاته ولشخصه الكريم عليه الصلاة والسلام. فكان من أعظم الحقوق على المسلمين أن يتكاتفوا في الدفع والذب عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾. فما ينبغي لأحد أن يتخلف عن رسول الله، لا يتخلف عن نصرته، ولا يتخلف عن الذب عنه، بل الاستنفار عام لجميع المسلمين، من كان في الحاضرة ومن كان في البادية، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعظيم والفقير، الكل ما كان ينبغي لأحد من المسلمين أن يتخلف عن الذب عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا الحق كان من أعظم صفة وأعظم وصف الذي به نال الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذه الرفعة في الدنيا والآخرة، أنهم جندوا أنفسهم انتصارا لنبينا عليه الصلاة والسلام، للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون. كان من أعظم صفة وأعظم وصف لجيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا ينصرون الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. وكما قيل في المباحث السابقة يذكر هذا في هذا المبحث، أن الذب والمنافحة عن نبينا عليه الصلاة والسلام ليست فقط في حياته، بل حتى بعد مماته، وذلك بأن تذب عن عرضه، بأن تذب عن سنته، بأن تذب عن سيرته عليه الصلاة والسلام. فذبك ومنافحتك وردك لمن طعن في ذات نبينا عليه الصلاة والسلام كأنك تذب عنه في حياته. ومن ذب عن عرض نبينا عليه الصلاة والسلام فله الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من يردهم عنا وله الجنة». وهذه المقالة قالها نبينا عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد. والحديث أصله في صحيح مسلم، لكن هناك إضافات خارج الصحيح. وعند وقع الذي وقع في غزوة أحد وتفرق الصحابة في ساحة المعركة، عندما استطاعت خيالة الكفار أن يستولوا على جبل الرماة، فتناثر الصحابة، فكان من أمر نبينا أن جماعة من الكفار أرادوا أن يدركوه عليه الصلاة والسلام، وكان معه جماعة من الأنصار، قيل عشرة، ومنهم طلحة بن عبيد الله، فلما رأى نبينا أن هؤلاء كادوا أن يدركوهم، قال عليه الصلاة والسلام: «من يردهم عنا وله الجنة»، فقام طلحة بن عبيد الله قال: أنا يا رسول الله، فقال: اجلس، فقام أحد الأنصار فتقدم فقاتل حتى قتل. ثم كاد القوم أن يدركوهم، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «من يردهم عنا وله الجنة»، فقال طلحة بن عبيد الله: أنا يا رسول الله، قال له: اجلس، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، قال: اذهب، فذهب الرجل فقاتل حتى قتل، وهكذا، فما وصل الأمر حتى قتل الأنصار عشرة جميعا، كلهم يسمعون هذه المقالة من نبينا: «من يردهم عنا وله الجنة»، فبقي طلحة بن عبيد الله وحده، فصارع القوم حتى تكسرت السيوف بيده، وعلى يده عليه رضي الله تعالى عنه، حتى قال في آخرها: «حس»، أي من شدة وجع السيوف وضرب السيوف، قال: «حس»، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا طلحة، لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة إلى السماء حتى يراك الناس». أشهد إخواني في الله قوله عليه الصلاة والسلام: «من يردهم عنا وله الجنة»، فمن رد عن نبينا ومن ذب عنه، سواء كان عن سنة أو عن سيرة أو عن ذاته، فإن الله جل وعلا بشرهم بالجنة. بل يقول استفاد العلماء كذلك على أن الذي يجند نفسه في الذب عن السنة والرد على أعداء السنة، فإن الله جل وعلا يؤيده بنصر من عنده، يؤيده بمدد من عنده، شعر بذلك أو لم يشعر. حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه عندما كان يردع الكفار ويهاجم الكفار الذين هم تطاولوا على عرض نبينا، فقام حسان ورد عليهم، وفي هذا دلالة على أن تعلم أن الذب عن السنة له صور كثيرة، ليس فقط هي ردود علمية، دعوية، أنك ترد حتى بمقامة بأبيات شعرية، كل ما فيه مآله يرجع إلى الذب عن نبينا، هذا يعتبر رد للسنة وانتصار لنبينا عليه الصلاة والسلام. والشهادة أن حسان كان يهجو الكفار وكان يردع الكفار ردا ويذب عن عرض نبينا، فكان عليه الصلاة والسلام يقول له: «أهجهم وروح القدس معك»، وفي رواية: «أهجهم وجبريل معك». فاستفاد العلماء من هذا الحديث على أن كل من أجند نفسه في الذب عن عرض نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن الله ينزله بمدد من عنده، يأتيك بمدد يجعل لك القوة والسلطة والبيان في هذا الطريق الذي أنت أردت منه أن تنتصر لمقام نبينا عليه الصلاة والسلام. فينبغي إخواني في الله أن نعرف قدر هذا المقام، وأن هذا من الحقوق العظيمة الذي ينبغي أن يعرف المسلم أنه مسؤول عنها بأن يذب، فلا ينبغي لمسلم أن يأتيه في مقام المقامات يسمع بمن يطعن في السنة أو يستهزئ بالسنة أو يسخر بالسنة أو يتهكم بها وأنت تسمع، عبد الله، ما ينبغي أن تطرف لك عين، وأنت تبقى، إما أنك إن كنت على ضعف فاخرج، فلا بقاء لك في مثل هذه المجالس التي لا بارك الله فيها، أو أنك عندك قدرة، وهذا الأفضل أنك تذب، تذب عن سنته، تذب عن سيرته عليه الصلاة والسلام. والجزاء من جنس العمل، ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أنه يحكي أنه كان في سرية مع نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان نبينا على مركوبه، وكان يأتيه النعاس عليه الصلاة والسلام، فكان إذا نعس كاد أن يسقط، فيقول أبو قتادة عن نفسه أنه كان يأتي بجانب النبي، قال: فأدعمه، يعني كالدعامة، يدعمه حتى يقوم نبينا من يعني يعتدل في مشيه، يعتدل في هيئته، فيذهب أبو قتادة من محله فيراقب نبينا فيرى رسول الله يأتيه النعاس مرة أخرى فيميل، قال: فآتي فأدعمه حتى يعتدل في المرة الأولى والثانية، وفي الثالثة استيقظ نبينا عليه الصلاة والسلام ورأى أبو قتادة عنده، وعلم نبينا فعل أبي قتادة أنه ما أراد إلا ماذا؟ أنه يقيم نبينا، فقال: «حفظك الله بما حفظت به نبيك»، فالجزاء من جنس العمل، فمن فعل فعلا وأراد من هذا الفعل الحفاظ على السنة، فإن الله سيحفظه، يجعل لك من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. فهذا إخواني في الله من الحقوق العظيمة الذي ينبغي جميعا لأهل الإسلام أن يتفطنوا لها وأن يستعدوا لها، وذلك بالذب، وكل على قدر طاقته، وكل على قدر علمه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.