الدرس في أداء الحقوق 29، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش الدرس أهمية تعظيم حرمة المسلم وحرمة كلمة الشهادة، ويشير إلى أن حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة. يُؤكد على وجوب احترام دم المسلم وماله وعرضه.
يشرح المقطع أهمية كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وحرماتها، ويبين وجوب احترامها وعدم جواز التعرض لمن يقولها بسوء. يُستشهد بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل من يقولها ويؤدي الصلاة.
يختتم المتحدث درسه بالتأكيد على أهمية استشعار المسلم لما يتعامل معه من إخوانه المسلمين، ويشدد على أن بذل الخير وكف الأذى عن الناس يجب أن يكونا تحت أصل عظيم وهو استشعار المسلم لما يتعامل معه.
المقطع يشير إلى ختام النص بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم. يُظهر هذا الختام التزامًا بالسنة النبوية وتعظيمًا لشأن النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلًا إخواني في الله عما يتعلق بهذه الدروس، وها نحن قد وصلنا إلى ختام هذه المواعظ التربوية والتوجيهات الإسلامية، متعلقة بهذا الموضوع المهم الذي خفي حكمه وأحكامه، واعتُمِلت ملامحه وصوره عند كثير من المسلمين، وهو ما يتعلق بالحقوق الإسلامية، أو ما يسمى بالحقوق الأخوية التي ينبغي لكل مسلم أن يؤديها لجماعة المسلمين. ذكرنا أن هذه الحقوق يمكن أن تدرج تحت قواعد كبيرة، قواعد عظيمة ينطوي تحتها العديد من المباحث، فكان الدخول والشروع إلى سبعة رؤوس وسبعة قواعد، ومن ثم انتقلنا من هذه القواعد العظيمة إلى ذكر أهم الحقوق، وطبعًا كانت هذه الحقوق ضمن قواعد كذلك عامة، وكان تحت قاعدتين عظيمتين، ألا وهما: كف الأذى، وبذل الندى. ذكرنا أن هذه الحقوق مأخوذة ومستنبطة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن آثار سلف الصالح من علماء ومربين ومحدثين. ثم عرجنا إلى الأمر الأول، وإلى الحق الأول، وهو بذل الندى، ما يتعلق بتعريفه، وما يتعلق بصوره، وما يتعلق بمراتبه. ذكرنا أن بذل الندى ينبغي أن يكون لكل ذوي قربى، وليقرب الناس إليك، وهناك مواطن يشتد ويتحتم عليك أن تبذل الندى والخير للناس جميعًا. ثم بعد ذلك كان الكلام حول كف الأذى، ورأينا الأدلة العامة والخاصة التي تؤيد هذا البند، وهذه القاعدة العظيمة، وأن الشر ينبغي أن ينكف عن الناس. عرجنا كذلك على أن كف الأذى ينبغي أن يهتم به في مواطن ثلاث، وهي: في الأموال، والدماء، والأعراض. وكيف لا والشرع الحكيم، الأدلة الكثيرة المتكاثرة المستفيضة في هذا الباب، مبينة عظم هذه المحرمات، وأنه لا يجوز العبث بها، ولا المساس بها، وأنه ينبغي أن تعظم، وأن تحترم، وأن تصان لجماعة المسلمين. ثم بعد ذلك تم التفصيل بما يتعلق بالدماء، وكيف أن دماء المسلمين تصان، ثم الأموال، ثم الأعراض، وبينا كل مسألة على حدة، وبعض صورها، وبعض مسائلها. وبعض ذلك كان التلميح حول التحلل من هذه المحرمات الثلاث، وذاك في حق ما نبتلي بشيء منها، فكان باب التحلل من الدماء، ثم باب التحلل من الأعراض، ثم باب التحلل من الأموال. وبهذا، إخواني في الله، أخذنا شوطًا عظيمًا، ونبهنا على هذه التنبيهات السريعة التي ما ينبغي أن يستغني عنها المسلم. وختامًا، إخواني في الله، نأتي إلى خلاصة هذا الباب، وإلى خلاصة هذه المواضيع. أن هذه الحقوق، إخواني في الله، وكونك أن تبذل الخير للناس، وكونك تكف الأذى عن الأمة، إنما ذاك يكون تحت أصل عظيم ينبغي أن يتأصل عند المسلمين، وهو أنهم عند تعاملهم بعضهم لبعض، على المسلم أن يستشعر مع من يتعامل. هذه، إخواني في الله، المسألة التي ينبغي أن تقدح في الأذهان، وأن تثبت في القلوب. أنت يا عبد الله، عندما تعامل زيدًا وعبيدًا، تتعامل مع من؟ أنت يا عبد الله، لا تنظر إلى جسد هذا المتعامل، هل هو أسود؟ هل هو أبيض؟ هل هو ضخم؟ هل هو قصير؟ هل هو طويل؟ أو هل هو دون ذلك؟ هل هو غني؟ أم حقير؟ لا، يا عبد الله، وإنما تنظر إلى دينه واعتقاده. فإن كان هذا العبد مسلمًا من المسلمين، اعلم حينها أن لهذه الكلمة، وهي كلمة الشهادة التي دخل بها في الإسلام، وهي «لا إله إلا الله»، كلمة لها عظمتها، ولها حرمتها، ولها قدسيتها. فكان ينبغي لكل مسلم أن يعطي لهذه الكلمة حقها ومقدارها وثقلها. وهذا الذي دلت عليه الأدلة، ثبت عن ابن عمر، وثبت هذا موقوفًا عليه بسند صحيح، أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه نظر إلى الكعبة، فقال: «ما أعظمك وما أعظم حرمتك، وللمؤمن أعظم عند الله حرمة منك، والمؤمن أعظم حرمة من الله منك». وقد جاء كذلك هذا الحديث مرفوعًا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وإن كان فيه إسناده مقال، لكن يحسنه جماعة من أهل العلم، كما فعل ذلك شيخ الألباني رحمه الله تعالى. أن القائل لهذا العبارة هو نبينا، حين نظر إلى الكعبة، فقال: «ما أعظمك وما أعظم حرمتك، وللمؤمن أعظم حرمة من الله منك، إن الله حرم منك واحدة، وحرم من المؤمن ثلاثة: دمه، وماله، وأن يظن به ظن السوء»، أي الأعراض. «إن الله حرم منك واحدة، وحرم من المؤمن الثلاثة: دمه، وماله، وأن يظن به ظن السوء». فترجع الأمور، إخواني في الله، إلى تعظيم المحرمات الثلاثة، لماذا؟ لحق الإسلام، ولحق الشهادة. فالمسلم له حرمة، وحرمته أعظم عند الله جل وعلا من حرمة الكعبة. بل يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لزوال الدنيا أهون عند الله جل وعلا من إراقة دم امرئ مسلم». انظر هذه الدنيا بما حوت من الزينة، ومن الجبال، ومن الأجرام، ومن البحار والأنهار، وما عليها من ملكوت السماء والأرض، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لزوال الدنيا، تذهب بما فيها، أهون عند الله جل وعلا من إراقة دم امرئ مسلم». فهذا يدلك يا عبد الله أن المسلم له قيمته، قيمته له حقه. هؤلاء الذين ماذا يعتدي بعضهم على بعض في الدماء، أو في الأموال، أو في الأعراض؟ بالله عليكم، أهو عند هذا الاعتداء جعل في ظنه، وفي باله هذه المحرمات؟ الجواب: لا، الجواب: لا، وألف لا. لأن أحدًا من المعتدين أراد أن يعتدي على المسلمين، وجعل في ظنه، وجعل في باله، وفي خاطره حرمة «لا إله إلا الله». والله لن يكف، ولن يزجر، لا تعظيمًا لهذا اللحم والدم، وإنما تعظيمًا لهذه الكلمة. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض على إراقة دم امرئ مسلم، لكبهم الله جميعًا في نار جهنم». لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض، تخيل من؟ تخيل هذه المخلوقات العظام، والجيوش الجرارة من الإنس والجن، وملكوت السماوات والأرض، لو أنه اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض على قتل مؤمن، لكبهم الله جميعًا في نار جهنم. مؤمن واحد، لماذا يا عبد الله؟ هل لهذا المؤمن خاصية؟ لا، إنما خاصيته في إيمانه، في تعبده، في توحيده لله جل وعلا. فهذه الكلمة، يا إخواني في الله، ينبغي أن تقدس، ينبغي أن تصان، ولو كان هذا الرجل بلغ من الفجور مبلغًا عظيمًا، ينبغي أن تراعى هذه الحرمة. أروا الإمام أحمد في مسنده، من حديث عبيد الله بن عدي بن خيار، قال: «أن رجلا من الأنصار حدثه، قال: بينما كنا في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتاه رجل سرًا»، أي جعل كلامًا بينه وبينه سرًا، أي بينه وبين نبينا، «قال: فسار رسول الله بحديث»، قال: «فجهر نبينا بصوته»، أي قطع هذا الصمت، وهذا السر، بأن رفع نبينا صوته، قال: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟». انظر يا عبد الله إلى حرمة هذه الكلمة، حرمة لها قداسة، لها ثقلها عند الله جل وعلا. فقال نبينا: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟» فقال الرجل: «بلى يا رسول الله، ولكن لا شهادة له، منافق ما تنفعه». قالوا: «بلى يا رسول الله، ولكن لا شهادة له». ثم قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أليس يشهد أني رسول الله؟» فقال الرجل: «بلى يا رسول الله، ولا شهادة له». فقال عليه الصلاة والسلام: «أليس يصلي؟» فقال الرجل: «بلى يا رسول الله، ولا صلاة له». فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم، أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم». رجل أتى بهذه الكلمة العظيمة، لها ثقلها، لها وزنها. هذه لأن السماوات السبع والأراضين السبع، كما ذكر ذلك الشيخ المقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند، مما ليس في الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن نوحًا عليه السلام عندما جاءته المنية، أوصى بنيه قائلًا: «لو أن السماوات والأرض، ومن فيهن، والسماوات السبع، ومن فيهن، كن سلسلة مبهمة، لقصمتهن لا إله إلا الله». لها ثقلها، لها وزنها. إذا كان ذلك حجمها في ملكوت السماوات، فكيف ظنك يا عبد الله إذا كان في جسم آدم؟ فلها ثقلها، لها حرمتها. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم». وأدلة كثيرة، إخواني في الله، تدل على عظمة هذه الكلمة. فأنت يا عبد الله، عندما تتعامل مع المسلمين، مع زيد أو مع عبيد، يا عبد الله، قبل أن تنظر إلى حجمه، إلى وظيفته، إلى رتبته، إلى عمله، إلى مهنته، إلى أصله، إلى حسبه، انظر يا عبد الله إلى من؟ إلى عقيدته. هذا رجل يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وهو من جماعة المسلمين، إذن ينبغي أن تبقى له هذه الحقوق، لا تعامله كالكافر والمارق. متى ما اختلت أنت في موضوع من المواضيع، أو مثل المسائل، سرعان ما استبحت دمه وماله وعرضه، وانكببت تستحل كل شيء. لا، يا عبد الله، ما يفعل ذلك إلا من ضعف دينه، من خرج على أمتي، كما قال عليه الصلاة والسلام: «يضرب بسيف برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، فليس مني، ولست منه». براءة من نبينا عليه الصلاة والسلام في حق من لم يعتد بحقوق المسلمين، ومن لم يعتد بحق كلمة «لا إله إلا الله». فإخواني في الله، هذه مثل عظيمة، لو أن الناس جعلوها نصب أعينهم، لما كان هذا تعامل المسلم مع إخوانه المسلمين، والرواعي حرمة «لا إله إلا الله»، وعصمة هذه الكلمة، وثقلها عند الله سبحانه وتعالى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.