الدرس في أداء الحقوق 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مفهوم حق النصرة والمناصرة بين المسلمين، ويشدد على أهمية نصرة المسلمين المظلومين. يشير إلى أن بذل الخير والنفع الديني والدنيوي من أهم الحقوق بين المسلمين.
يشرح المقطع صور النصر في الإسلام، وهي النصر بالنفس والمال والدعاء، ويشير إلى أن هذه الصور تشكل جزءًا من الجهاد في سبيل الله وتتطلب الالتزام بالضوابط الشرعية.
يذكر المقطع نماذج من نصر المسلمين لإخوانهم، مثل قنوته صلى الله عليه وسلم يدعو على من قتل أصحابه، ويشير إلى أهمية الدعاء والشعور بآلام إخوانهم المسلمين.
يختتم المقطع بالتأكيد على أهمية استشعار المسلم لحقوق إخوانه كصورة من صور النصر لقضاياهم، ويعتبر هذا الاستشعار منحة إلهية لمن صبروا ولذوي الحظ العظيم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا أخواني في الله بصدد ذكر أهم الحقوق التي ينبغي أن يتعامل بها المسلمون بعضهم لبعض، وهو ما يسميه العلماء ببذل الندى، وهو بمعنى بذل الخير والنفع الديني والدنيوي. وكان تحت هذا المبحث عدة مسائل، ما يتعلق بحكمه، ومن ثم ما يتعلق بالمواطن التي يتأكد هذا الحق على أهل الإسلام، ومن ثم تعرفنا على الأولوية، أولوية هذا الحق، أنه يكمن بالأقرب فالأقرب. وأيضا إخواني في الله، مما يذكر في هذا المبحث، عند كلامنا على بذل الندى وعلى بذل الخير والنفع للناس، علينا كذلك أن نوسع من مدارك بذل الخير، فالمقصود إخواني في الله في بذل الخير كل ما كان فيه منفعة للإسلام والمسلمين خاصة. وأدخل العلماء في هذا الباب، ويدخل من ضمن ذلك النصرة، مناصرة المسلمين في كل مكان، وذلك بأن تقف في قضاياهم، وأنك تنصرهم في محنتهم التي ابتلاهم الله جل وعلا بها. لا شك أن الإسلام مترقب من قبل أعداء الدين قديما وحديثا، ولا زالت معاول الهدم، ولا زالت آلة الحرب تضرب هنا وهنالك على أراضي المسلمين، تسفك فيها الأرواح وتزهق فيها الدماء وتنتهك فيها الأعراض وتغتصب فيها الأراضي والبلدان والبقاع. وكل هذه المآسي إخواني في الله التي تصب على رؤوس المسلمين والمسلمات، فإن لهؤلاء المظلومين حق على إخوانهم المسلمين، وذلك بأن ينصرونهم وأن يؤاذرونهم. والأدلة العامة والخاصة تدل على هذا الحق، وعلى أنه من بذل الخير ومن بذل الندى، تقديم المعونة والنصرة لهم. ومن أدلكم الأدلة كما في قوله تعالى ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، فهذا حق من أعظم حقوق المسلمين، وهو حق النصرة والمناصرة إذا احتاج مسلم من المسلمين أحد أن يناصره، فوجب على أهل الإسلام جميعا أن يناصروهم. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ وجب وأصبح هذا واجبا في الذمة. وهكذا في قوله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، والولاية بفتح الواو هي بمعنى النصر والمحبة، فهي من خصائص أهل الإيمان وخصائص أهل الإسلام أن تكون هذه الولاية بين الجميع، وهي ولاية النصرة وولاية المحبة، فالمسلم ينصر أخاه المسلم. فهذه من حقوق المسلمين التي أمر الله جل وعلا ببذلها. وكذلك ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله»، فمن الخذلان يا عبد الله أنك تسلم المسلمين لأعداء الدين، كونك تجعل أخاك المسلم لقمة سائقة لأعداء الدين ينكلون به ويقتلون فيه، فهذه الخذلان. قال عليه الصلاة والسلام: «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما»، قلنا يا رسول الله ننصره مظلوما كيف ننصره ظالما؟ قال: «تأخذ على يده». وفي لفظة: «تأخذ على فوق يده». الشاهد «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما»، فإن كان من المسلمين من هو مظلوم وقت عليه المظالم وقت عليه المضائق ابتلاه الله جل وعلا بالحروب والنكال والعذاب ونحو ذلك من تسلط أعداء الدين، فهؤلاء من المظلومين ينبغي أن ينصروا وينبغي أن يناصروا بما أدل عليه الشرع الحكيم. وثبت كذلك في الصحيح من حديث البراء بن عاذب، قال: «أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع، وذكر مما أمر به عليه الصلاة والسلام: ونصر المظلوم». فهذا إخواني في الله من الحقوق الواجبة. وكما ترون نحن في هذه الأزمان التي آلت الأمور على أهل الإسلام، ابتلاهم الله بالحروب، ابتلاهم الله عز وجل بتسلط أعداء الدين من الداخل ومن الخارج، من الخونة ومن المرتزقة من أهل البدع من الفرق الضالة الباطنية ممن تسلطوا على رقاب المسلمين، فسلوا سيوفهم وشهروها عليهم، فبطشوا بهم وقتلوا صبيانهم ونساءهم ونكلوا برجالهم وأفسدوا أيما إفساد. مثل هذا العدوان إخواني في الله على أراضي أهل الإسلام ينبغي أن يكون لهم محله في قلوب أهل الإسلام، وذلك من يفعل هذا المبدأ مبدأ النصر والمناصرة ونصرة إخواني في الله المسلمين في هذه القضايا، تكمن في عدة صور. فمن أعظم صور النصر النصر بالنفس، النصر بالنفس أنك تجند نفسك، أنك بنفسك تذب عن أعراضهم وترد عن حياضهم وتدافع عن بلادهم، لأن المسلمين كالكتلة الواحدة كقلب رجل واحد، ما يقع في بلادهم هو بمثابة ما يقع في بلدك. وقد ذكرنا في دروس سابقة أن الله جل وعلا كان يصف تعامل المسلمين مع بعضهم كتعامل الشخص مع نفسه، ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي إخوانكم، ﴿وَلَا تُخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي إخوانكم، ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي بإخوانهم. فربنا جل جل وعلا جعل علاقة المسلم مع المسلم كعلاقة المسلم مع نفسه. فأنت كما تحب أنك تذب وأن تدافع عن نفسك، فهكذا عليك أن تذب عن أعراض المسلمين وذلك بنفسك بأن تجهز نفسك. وقد جاءت الأدلة والأخبار والآثار المتواترة على فضل الجهاد والقتال في سبيل الله ودفع المظالم عن المسلمين، فالجهاد من أعظم شعائر الإسلام، وهذا مقيد بقيود وبشروط، وذلك بأن تكون أنت أهلا للقتال، أنت أهلا للمناصرة وتستوفي شروط الأهلية. وكذلك أن تنظر إلى هذه المظالم التي وقعت والتي أنت بصدد أن تدفعها، هل هي مظالم شرعية وهل الذهاب إليها ينفع الله تكون لك به منفعة أو أنك يا عبد الله تقع به مضرة والسوء، وهذا من المهالك الذي يبتل بها الكثير من السذج من الناس، من يريد أن يرفع مظلمة عن المسلمين إذ به بانجفاعه يأتي بمظالم يأتي بمظالم. وتقول: يا ليته ما دفع مظلمة، يا ليته ما دفع مظلمة، لأنه بفعل الذي أراد أن يدفع مظلمة إذ به فتح على أمة محمد عليه الصلاة والسلام دوامات من المظالم. بعضهم لربما يجند نفسه على أن يضرب أعداء الدين فما به خرج من باب إلا ودخل من باب آخر، وأخذ يضرب برقاب المسلمين آخر أصبح معول هدم وأصبح آلة حرب ليس على أعداء الدين وإنما على أهل الإسلام، يقتل من يقتل ويفجر من يفجر حتى أثار الرعب في قلوب أهل الإسلام. فلا عبد الله من أراد أن يجند نفسه بأن يدفع المظالم وأن ينصر إخوانه المسلمين، فعليه أن يتحلى بهذه الضوابط، يرى من نفسه الأهلية وذلك من خلال الضوابط الشرعية، ثم يعرف ما هي المظلمة هذه سيدفعها وهل هذا فعله يساعد ويعين أم أنه يسوء الأمر سوءا، وهذا يرجعه إلى أهل العلم وإلى أهل الحل والعقد ممن أحال الله جل وعلا إليهم معرفة مدارك الأمور. كذلك من صور النصر يا عبد الله تأتي النصر بالمال، النصر بالمال، فإن النصر بالمال من أعظم صور النصر، بل جعلها ربنا جل وعلا نوع من أنواع الجهاد، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، جعل ربنا جل وعلا من صور الجهاد الجهاد بالمال، تجاهد بمالك يا عبد الله. سمعت بمظالم سمعت بمهالك سمعت بكوارث حلت على الأمة بسفك دمها وإزهاق روحها، فما استطعت بنفسك فلا أقل بمال، بمالك تدفعه هنا وهناك ينفع الله جل وعلا به. وبغض النظر عن هذا المال عظم أو حقر قل أو كثر ولو كان شيئا يسيرا، قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، ولو كان أمرا يسيرا هينا في عينك إلا أنه عند الله جل وعلا له المحل الأعظم. فعلى المسلمين أن يتناصروا فيما بينهم ولو بالأموال، وهذا من أعظم صور النصرة. كذلك من صور نصرة المسلمين إخوانا فيه لا الدعاء، الدعاء، ولا أظن أن هذا الحق ينفك عن أحد من الناس، لا أظن أن أحد ينفك عنه هذا الحق. فما من أحد يطالب بأن يدعو لإخوانه المسلمين ممن استضعفوا في مشارق الأرض ومغاربها، ممن هم في مظالم وفي مهالك ابتلاهم الله بما ابتلاهم به وأصبحوا في دار هوان ومذلة بما ابتلوا بهم الكوارث والحروب والقتال. فإن من هؤلاء من حقهم علينا أن ندعو لهم في صلواتنا وفي خلواتنا وفي قيامنا وفي سجودنا. ولنا عبرة عباد الله بنبينا عليه الصلاة والسلام، لنا عبرة بنبينا عليه الصلاة والسلام، كم كان يرفع أكف الضراعة إلى الله جل وعلا لا لشيء وإنما يدعو ربه جل وعلا في نصرة إخوانه في نصرة إخوانه من المسلمين. حدث بإرمعونة معروفة عندما ذهب القراء وكانوا زهاء سبعين أو ستين رجل من القراء أرسلهم نبينا عليه الصلاة والسلام في بعثة إلى أرض فلان، فترصدوا لهم حيان من بني السليم فاعترضوا عليهم الطريق، فقتلوهم جميعا. مصيبة حلت على الأمة، فكان نبينا عليه الصلاة والسلام قانت شهرا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر: «اللهم عليك برعل اللهم عليك بذكوان»، يدعو عليهم. فهذا نصرها يا عبد الله، فأنت يا عبد الله إذا ما استطعت لا بنفسك ولا بمالك لقلة ذات اليد، فلا أقل يا عبد الله بالدعاء أنك تدعو الله جل وعلا بأن يفرج عن المسلمين بأن يرفع عنهم النكبات أن يدفع عنهم الكربات بأن يجعلهم من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا، بأن الله جل وعلا يستر أعراضهم ويدفع عن أعراضهم بأن يفك أسراهم ويشفي مرضاهم. هذا ما يسوغ لكل أحد، تدعو الله جل وعلا في استجيدك وقيامك. الواحد من إخواني في الله لو ربما إذا ابتلي بمهلك أقل من ذلك لو ربما هلع بالدعاء وهرع بالدعاء وحق له ذلك، لكن كذلك لإخوانك حق عليك، قال عليه الصلاة والسلام: «من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة»، فعين إخواني في الله أن نجعل لإخواننا المستضعفين هنا وهناك الحظ ولو قل من الدعاء لهم، وأن الله جل وعلا ينصرهم على عدونا وعلى عدوهم. وهكذا يا عبد الله من صور النصر الاستشعار والشعور بما حل بهم، قال: فإن نبينا عليه الصلاة والسلام شبه المجتمع المسلم بكامله بأنه كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو لربما عضو في طرف الجسد اشتكى هذا العضو لمرض ألم به، إذ بسائر الجسد ماذا قام وناشد وقام وقف أمام ذاك العضو في الطرف، فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». فهكذا ينبغي إخواني في الله أن نمتثل مثل هذه الأحاديث التي تبين عمق الرابطة التي تربط بين الإسلام وبين المسلمين بعضهم ببعض، ولو كانوا في أماناطق شتى ولو كانوا في أراضي شاسعة متفرقة، فإن هذا الإسلام يجمعنا، فما يحل بأحد من أهل الإسلام في أي أقاليم وفي أي أنحاء من الضيق والهموم ومن المصائب والنكبات، وإن كان ذلك في شرق الدنيا فعلى غربها من أهل الإسلام أن يستشعروا بآلام إخوانهم وأن يظهر ذلك في أفعالهم وفي سلوكياتهم. لكن أين هذا الشعور؟ تجد أن تسمع بالمقاتل وبالمذابح وبسفك الدماء الذي أصبح حمامات الدماء ما تنكف عن أجساد المسلمين، وتجد الكثير من أمة محمد من كان في لعبه وفي عبثه وفي متابعته للأشياء الفاضية الفارغة، فضلا عن المعاصي والذنوب، لكنها أولج في الملهيات وكذلك في الشهوات، وكأن أحد من المسلمين ما أصيبه مصيبة وما يدري أن الكوارث حلت على الأمة هنا وهناك. ونبينا عليه الصلاة والسلام كذلك لنا فيه عبرة، عليه الصلاة والسلام في استشعاره لما يقع للمسلمين، وكان يبكي عليه الصلاة والسلام ويدرف الدم، إذا سمع بمقتل أحد من أصحابه ما وقع في تلك الغزوات، غزوات مؤتة، عندما أرسل نبينا القواد الثلاث إلى هذه الغزوة، فلما ذهبوا فكان الوحي ينزل على نبينا عليه الصلاة والسلام يخبره بمصائب المسلمين. فكان عليه الصلاة والسلام في مجلسه يحدث ويقول: «أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب»، قال الراوي: «وكانت أعينه تدرف الدمع»، ثم قاله: «أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فأصيب»، فكان به يدمع، ثم قاله: «أخذ الراية بعد جعفر بن أبي طالب أخذه ابن رواحة ثم أصيب»، وكان يذرف، ثم قال: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله» -يعني به خالدا- «فأظفره الله»، فأظر يا عبد الله إلى هذه المشاعر، ثلاثة مات من خيرة أصحابه، وما كان من شعوره عليه الصلاة والسلام إلا البكاء يذرف الدمع على موت هؤلاء. إذا كان هذا في حق ثلاثة يا عبد الله، فكيف بحق المئات والعشرات بل الآلاف من الأموات من المسلمين تنتهك أعراضهم ويسفك دماؤهم؟ فإن لحرمة هؤلاء أن يكون في نفوسنا شيء، كما يقال مما يقع من آلام ومن إحساس لما يقع لهم. وكما يقال إخواني في الله، فإن هذا من أعظم حق المسلم على إخوانه المسلم أن يستشعر ماذا بحقه، وهذه صورة من صور النصر، صورة من صور النصر لقضاياهم بأن يستشعر ما يقع فيهم. فإن هذا إخواني في الله ما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.