شرح العقيدة التدمرية 18

الدرس في شرح العقيدة التدمرية 18، ألقاها

مفهوم الظاهر في النصوص الدينية وتأويلات المتكلمين

يناقش مفهوم الظاهر في النصوص الدينية وكيف يُفهم بشكل مختلف بين السلف والمتأخرين، مع التركيز على آراء مختلف الطوائف في التعامل مع الظاهر من النصوص. يتناول أيضًا انتقاد شيخ الإسلام لتأويل المتأخرين.

انتقاد تأويل المتأخرين وبيان منهج السلف

ينتقد شيخ الإسلام طريقة المتأخرين في تأويل النصوص الدينية، بينما يبين منهج السلف الصالح في التعامل مع ظاهر القرآن والحديث، مؤكدًا على أهمية الإبقاء على المعاني الواضحة دون تحريف.

تفسير وتأويل النصوص عند أهل السنة والجماعة

يشرح كيفية تعامل أهل السنة والجماعة مع النصوص الدينية، مؤكدًا على الإيمان بظاهرها وتفسيرها وفقًا لما يبينه المتكلم بها، مع تقديم أمثلة من الأحاديث القدسية والقرآن الكريم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: القاعدة الثالثة إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد، فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: القاعدة الثالثة إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد، أي: إذا قال قائل: هل نقول بأن الظاهر من النصوص مراد أو غير مراد؟ فما الجواب؟ هل نقول: نعم، أو نقول: لا؟ لا شك ولا ريب أن المتكلم إذا كان سنيا أو يفهم النصوص بعقل سليم، بعيد عن أهل الكلام وأهل الفلسفة والمنطق وما شابه ذلك، الجواب: نعم. ولكن لما صار هذا اللفظ عند المتأخرين، صار هذا اللفظ عند المتأخرين لفظ الظاهر قد يطلق ويراد به غير معنى، قد يطلق ويراد به غير معنى. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذه القاعدة ها هنا، فقال: فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك. هل هذا باعتبار ما كان عليه السلف أم باعتبار المتأخرين من الخلف؟ الجواب: أنه باعتبار المتأخرين من الخلف، باعتبار المتأخرين من الخلف، لماذا؟ لأنهم صاروا يطلقون الظاهر على ما ليس هو ظاهر عند السلف، المتأخرون صاروا يطلقون الظاهر على ما هو ليس بظاهر عند السلف رضي الله عنهم وأرضاهم ورحمهم الله. فلذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك عند من يجماعه، عند المتكلمين، وعند الخلف. قال: فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد. يقول شيخ الإسلام: إن كان هذا القائل الذي يسأل عن الظاهر: هل هو مراد أو غير مراد؟ إن كان يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، فهذا ليس بمراد، لا شك ولا ريب، كما دل على ذلك العقل والنقل، كما دل على ذلك العقل ودل كذلك عليه النقل. فالمباينة ثابتة بين الخالق والمخلوق بصريح المنقول وبصحيح المعقول، وهذا لا شك فيه ولا ريب. ولكن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى نبه هنا إلى أن المتأخرين من الخلف ومن المتكلمين صاروا يطلقون لفظ الظاهر على ما ليس بظاهر، فيطلقون الظاهر، يقولون: ظواهر، يقولون: ظواهر نصوص غير مرادة. ومرادهم من ظواهر النصوص التمثيل، لذا صرح بذلك من صرح من المتكلمة، وجميع الطوائف -عدا أهل السنة والجماعة- في هذا الباب ممثلة، جميع الطوائف -عدا أهل السنة والجماعة- في هذا الباب ممثلة، بمعنى أنهم يجعلون ظاهر النصوص التمثيل. ثم لهم في التعامل مع تلك الظواهر طرائق قدداء، فمنهم من يبقي هذا الظاهر الذي فهمه بعقله السقيم: أن الظاهر استفاد منه التمثيل، فقال: ظواهر النصوص تدل على أن الله مماثل لخلقه، فقالوا بالتمثيل. وكانت هذه فرقة في زمن الأئمة -كالإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيرهم- وكانوا يطلقون عليها بأنها المشبهة والمجسمة، وقولهم لا شك ولا ريب باطل بالنقل والعقل. قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. فهذا كما هو معلوم بالنقل، كذلك معلوم بالعقل، فإن المباينة بين الخالق والمخلوق ضرورية، الفرق والتمايز بين الخالق والمخلوق ضروري فطري، فإن الموجود إما واجب الوجود وإما ممكن الوجود، فكيف بعد ذلك يتصور أن واجب الوجود يماثل ممكن الوجود؟ وهل هذا إلا الجمع بين النقيضين؟ والجمع بين النقيضين من الممتنعات، واضح هذا، جمعا من الممتنعات، لماذا؟ ببداهة العقول. فطوائف من هؤلاء ذهبوا إلى هذا المذهب وسلكوا هذا المسلك، وهم كما سمعتم يطلق عليهم المشبهة، طائفة أخرى من هؤلاء الذين فهموا من النصوص تمثيلا ذهبوا إلى طريقة أخرى، وهي طريقة التأويل، إلى طريقة سموها التأويل. لذا قال قائلهم، وهو صاحب «جوهر التوحيد» من الأشاعرة: «وكل نص أوهم التشبيه، أوله أو فوض ورم تنزيها»، أي: واقصد التنزيه، واقصد التنزيه. هؤلاء يتعاملون مع النصوص بهذه الطريقة، طريقة التأويل، وهي إخراج اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر، لماذا؟ يقولون: لأن الظاهر غير مراد، لماذا؟ الظاهر غير مراد، يقولون: لأن الظاهر من نصوص الكتاب والسنة التمثيل، وبعضهم يصرح فيقول: التمثيل والكفر. يقولون: الظاهر من نصوص الكتاب والسنة التمثيل، وبعضهم -كما سمعتم- يصرح ويقول: والكفر، فإذا كان ظاهر كلام الله جل وعلا -ولا سيما في باب صفات الله جل وعلا- يقول: ظاهره التمثيل والكفر، فإذا كان ظاهر التمثيل والكفر، إذن يجب علينا وجوبا -هكذا يقولون ويزعمون- إذن يجب علينا وجوبا أن نخرج وأن نصرف هذا الظاهر إلى معنى يليق بالله جل وعلا، إلى معنى يليق بالله جل وعلا. لذا قال ذلك القائل: «أولوا أو فوضوا ورم تنزيها»، أي: وقصد تنزيه الله، وقصد تنزيه الله جل وعلا عن النقائص والعيوب، عن النقائص والعيوب. طائفة أيضا من الأشاعرة يتعاملون مع النصوص أيضا بهذا المنظار، ينظرون إليها نظر التمثيل والتشبيه والكفر، فماذا يصنعون؟ يقولون: ظاهر النصوص غير مراد، هذا موافق لأصحابهم، فما هو المراد؟ يقولون: لا ندري ما هو المراد. وهؤلاء ما هؤلاء؟ يسميهم العلماء بالمفوضة، يسميهم العلماء بماذا؟ بالمفوضة. وهذا كما سمعتم في قول ذلك الرجل صاحب «جوهر التوحيد»: «وكل نص أوهم التشبيه، أوله أو فوض ورم تنزيها». ومن العجيب أن بعض علماء هؤلاء وبعض من تأثر بهم ينسبوا مذهب التفويض إلى السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، ويقولون: إن طريقة السلف الصالح هي التفويض. فيقولون: طريقتهم التفويض، وأما طريقة الخلف من المحققين: طريقة الخلف من المحققين التأويل. ثم أتوا بقاعدتهم المشهورة المشؤومة، قالوا: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لماذا؟ لأن السلف ما خاضوا في النصوص، ما خاضوا في النصوص، فوضوا الأمر إلى الله عز وجل، نظروا إلى المعنى، فقالوا: هذه المعاني ليست مرادة، هكذا زعموا. فما هي المراد؟ لم يبحثوا ويتعمقوا في بحث المراد، لماذا يا جماعة؟ قالوا: لأنهم انشغلوا بالجهاد وغير ذلك، انشغلوا بالجهاد وبغير ذلك عن معرفة المعنى الذي لأجله ذكّر الله جل وعلا بهذه الآيات. فطريقتهم أسلم، أي: سلكوا طريقة السلامة، واضح، جماعة، ما هي طريقة السلامة؟ يقال: أثبتوا، قالوا: نتوقف في الظاهر بأنه غير مراد، ونقول: الله أعلم بالمراد، هذا طريقة من يا جماعة؟ طريقة سلف الأمة الذين هم أعلم الخلق بالله جل وعلا. جعل هؤلاء السلف على هذا الأمر، والخلف قالوا: أما الخلف، فهم المحققون الذين غاصوا في معاني النصوص واستنبطوا منها واستخرجوا منها الحقائق المراد إلى الله جل وعلا. وطريقتهم هي التأويل، واضح، جماعة، قالوا: مراد الله جل وعلا بهذه الآية كذا وكذا، مراد الله بهذه الآية كذا وكذا، بل يداه مقبوضتان، قالوا: معنى قوتاه ونعمته. قال الله جل وعلا: ﴿جَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، قال: المراد بالمجيء التواب، وما شابه ذلك. فهؤلاء هم المحققون، وهم العقلاء، وهم المستنبطون، وهم الغواصون في معاني كتاب الله جل وعلا، لذا طريقتهم كانت ماذا؟ أعلم وأحكم، واضح، جماعة، له كذا زعموا. وهذه القاعدة فاسدة عاطلة، إذ لا تكون السلامة إلا مع العلم والحكمة، لا تكون السلامة إلا عن علم وحكمة. ومن نزعت منه السلامة، فليس عنده لا علم ولا حكمة، لذا كما قيل: «أولها يبطل آخرها، وآخرها يهدم أولها»، فهي قاعدة متناقضة وباطلة. ولا شك ولا ريب أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم، وهم الذين ساروا على ما أراد الله جل وعلا وما أراد رسوله صلى الله عليه وسلم من إبقاء النصوص على ظواهرها، من إبقاء النصوص على ظواهرها دون إخراجها عن معانيها كما دلت على ذلك النقول الكثيرة المتكاثرة عن هؤلاء السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. قال رحمه الله: ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرا وباطلا. والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال. قال: وإن كان المتأخرون من الخلف يزعمون بأن لفظ الظاهر يدل على التمثيل ويدل على الكفر الصراح. قال: ولكن السلف الصالح الذين تلقوا الكتاب عن الله جل وعلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقوا كذلك السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يقولوا هذا، ولا يسمون هذا المعنى الذي ذهب إليه هؤلاء الخلف بأنه ماذا؟ بأنه ظاهر. بل يسمون هذا ماذا؟ يسمونه باطلا، لأن الله جل وعلا منزه عنه، منزه ربنا جل وعلا أن يكون كلامه الذي هو خير الكلام وأصدق الكلام وأفضل الكلام وأعظم الكلام وأجل الكلام أن يكون كلامه سبحانه وتعالى ظاهر الكفر وظاهر ماذا؟ التمثيل. وهذا لا يصدر إلا عن قلب ميت أو قد قارب من الموت، لماذا؟ لأن هذا الكلام لا يقوله من يؤمن بالله وكلامه سبحانه وتعالى. وإلا كيف يرتضي إنسان أن يقوله في كلام الله جل وعلا الذي هو أعظم الكلام وأجله بأنه ظاهر الكفر والتمثيل؟ لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ولكن السلف ولا إمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرا وباطلا. بل هذا منكر من القول وزور من يقول بأن ظاهر القرآن الكفر وظاهر التمثيل، كما سمعتم هذا القول منكر من القول وزورا. قال: والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه -من أن يكون كلامه- الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال. وقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أعلم، أي: أعلم بكلامه، سبحانه وتعالى، الله جل وعلا أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وكذلك أحكم. وقوله: أحكم، ودل على أن الله جل وعلا يضع الأشياء في مواضعها، ومن ذلك أنه يتكلم بكلام فيه السعادة لمن أخذ به وانتفع به وامتثل أمره. لذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، يهدي للتي هي أقوم. كيف يقول مسلم بأن هذا القرآن لا يهدي للتي هي أقوم؟ بل ظاهر الكفر والتشبيه؟ وربنا جل وعلا يقول: يهدي للتي هي أقوم، وغير ذلك من أدلة الظاهر الواضح البينة الدال على أن كتاب الله جل وعلا هو الهدى والنور، وفيه الهدى والنور، ومنه الهداية والنور، ومنه الهداية والنور لمن أراد الله جل وعلا له الهداية والنور. قال رحمه الله: والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين، تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ. قال: حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك. قال: ولا يكون كذلك، أي: لا يكون هذا اللفظ الذي هو التأويل هو الحق، بل هو باطل، بل هو ماذا؟ بل هو لفظ باطل أو معنى باطل. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله: هؤلاء يغلطون من وجهين، يغلطون من وجهين، تارة يجعل المعنى الفاسد ظاهرا للفظ. كما سمعتم: الرحمن على العرش استوى، قالوا: هذا لا يليق بحق الله، الله جل وعلا يقول: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، يقول: لا يليق أن نصف الله جل وعلا بالوجه، بل هذا يقتضي أن يكون جسما وأن يكون أجزاء وأبعاضا، والله جل وعلا منزه عن ذلك، لأن هذا من سمات المخلوقين، والله جل وعلا منزه عن سمات المخلوقين. فماذا يا جماعة نصنع؟ قالوا: نؤولها، فكيف نؤولونها؟ قال شيخ الإسلام: حتى يجعلوا محتاجا إلى تأويل يخالف الظاهر. وجه ربه يحتاج إلى معنى آخر، قال: ولا يكون كذلك، ولا يكون معنى المصروف إليه يلزم منه ماذا؟ التمثيل والتشبيه والكفر بزعمهم، واضح. ثم قالوا: وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل. إذن وقعوا في هذا الباب في محذورين، الأول: اعتقاد أن ظاهر النص باطل، ثانيا: رد المعنى الحق. قال رحمه الله: فالأول كما قالوا في قوله: «عبدي جعت فلم تطعمني» الحديث، «عبدي جعت فلم تطعمني» فلم تطعمني، «عبدي جعت فلم تطعمني» الحديث. قاله في الأثر الآخر: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه». فقوله: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن». أولا في المثال الأول قوله -كما قال في قوله- «يا عبدي جعت فلم تطعمني» -سأتي الكلام عليه- وأنه في صحيح مسلم. وأما الحديث أو الأثر الآخر: وهو «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه» -هذا الحديث جاء مرفوعا وموقوفا- والمرفوع لا يصح. انظر «الضعيف» للعلامة الألباني برقم 223. وأما الموقوف وأما الموقوف صحيح، له طريقان، الطريق الأولى أخرجه ابن أبي عمر في «مسند» -كما في «المطالب العالية»- قال: حدثنا يحيى بن سليم، قال: سمعت ابن جريج يقول: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: فذكره، يقول: «إن هذا الركن يمين الله في الأرض يصافح بها عباده مصافحة الرجل أخاه». المرفوع لا يصح، قال البوصيري في «اتحاف الخيرة المهرة»: إسناده صحيح، وكذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، هذا موقوف صحيح. ولو إسناد آخر عند عبد الرزاق، والأثر -كما سمعتم- صحيح. وقوله: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن» -هذا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأرضاه-. وأما الحديث الآخر الذي فيه «عبدي جعت فلم تطعمني» إلى آخره -جاء كذلك في صحيح مسلم- ولكن من حديث أبي هريرة، ولكن من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم جميعا. قال رحمه الله: فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع، فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق. قال: طيب، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: فالأول كما قالوا في قوله «عبدي جعت فلم تطعمني» إلى آخر ما ذكر من الأمثلة. فاستدل هؤلاء المؤولة بأن التأويل صحيح بهذه الأدلة، فقالوا: هذا يا أهل السنة، أنتم تؤولون فيه، أنتم تؤولون هذه النصوص وتقولون: أن الظاهر ليس بمراد، واضحة، جماعة. في قوله: «عبدي جعت فلم تطعمني»، يقولون: أنتم يا أهل السنة تقولون: أن الله لا يجوع، وأن الظاهر ليس بمراد. أيضا «حجر أسود يمين الله في الأرض»، تقولون يا أهل السنة أيضا: بأن الظاهر ليس بمراد، وليس الحجر الأسود هو يمين الله حقيقة. وكذلك في الحديث الثالث: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»، يقولون: يا أهل السنة أيضا أنتم لا تقولون بأن أصبع أو قلوب العباد بين أصابع الرحمن حقيقة، بمعنى المماثلة، وهذا تأويل، وهذا تأويل، واضح، جماعة، لا. فإذا كان هذا تأويلا في هذه النصوص، فإذا أنتم تؤولون، فلماذا تنكرون علينا التأويل؟ فالجزء الذي أولتم به نحن أولنا ماذا؟ واطردنا، نحن اطردنا في التأويل. أما أنتم تارة تؤولون وتارة لا تؤولون، واضح، جماعة، لا. وذكر هذا المثال ليبين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى المنزع الذي منهم تكلم هؤلاء واجتهد هؤلاء، بمثل هذه الأمثلة، هم يقولون: هذا ليس بمراد، وهذا لا يليق بحق الله جل وعلا. ويقولون: أنتم أهل السنة وافقتم على ذلك، واضح، جماعة، لا. فالآن يكون النقاش معهم كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لا تدل إلا على حق. بمعنى أننا ما أخرجناها عن ظاهرها، بل هي على ظاهرها، أهل السنة والجماعة ما أخرجوا هذه النصوص عن ظاهرها، بل هي ما زالت على ماذا؟ على ظاهرها. ولكن ما هو الظاهر؟ هل الظاهر بأن أصبع أو بأن القلوب العباد بين أصبعين الرحمن مماثلة لها؟ وأن أصبعين الرحمن جل جلاله في جوف العباد يقلب القلوب؟ هل هذا هو الظاهر؟ أم أن الظاهر معنى آخر؟ المعنى الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وكذلك يقول في الحجر الأسود، وكذلك يقول في قوله: «جعت» وما شابه ذلك. الجواب: أن الظاهر هو ما دل عليه السياق والسباق، أن الظاهر هو ما دل عليه ماذا؟ سياق النص وسباقه. وكل نص يختلف باختلاف سياقه وسباقه، فرب كلمة تكون بسياق لها معنى، وبسياق آخر لها ماذا؟ لها معنى آخر. فالحاصل من هذا أن اللفظ يتغير بماذا؟ بتغير السياق وتغير السباق. قال رحمه الله: أما الواحد فقوله: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه»، صريح في أن الحجر الأسود ليس وصفة لله، ولا هو نفس يمينه. لأنه قال: «يمين الله في الأرض»، وقال: «فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه»، ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به. ففي نفس الحديث بيان أن مستقبله ليس مصافحا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرا؟ لأنه محتاجا إلى التأويل، مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس، أي: من قوله -كما تقدم-. قال: الآن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: أما المثال -أما الحديث الأول- «الحجر الأسود يمين الله في الأرض». يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في النص نفسه، في النص نفسه، يقول: فيه قرينتان تدلان على أن الظاهر من هذا النص أن المراد الحجر الأسود ليس هو جزء من الله جل وعلا، وليس هو يمين الله جل وعلا حقيقة. كما سمعتم يدل عليه ماذا؟ السياق النص والسباق، فابن عباس يقول: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، يمين الله أين؟ في الأرض. والمعتقد الذي هو معتقد أهل السنة والجماعة الذي دل عليه النقل الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله، ودل عليه كذلك إجماع السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، ودل عليه العقل والفطرة الصحيحة: في أن الله جل وعلا مستو على عرشه فوق سماواته، عال علوا مطلقا، جل جلاله، علوا يليق بجلاله وعظمته. وأنه بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ماذا؟ من ذاته، واضح، جماعة. وهذا معتقد ثابت -كما سمعتم- بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. فإذا كان ظاهر النص لو لم تكن معنى إلا هذه القرينة لكان كافرا في ماذا؟ في أن ظاهر النص ليس المراد بأن يمين الله جل وعلا بأن الحجر الأسود هو يمين الله جل وعلا. لأنه قال: «في الأرض»، واضح، جماعة، لو كان في الأرض لزم من ذلك أن يكون شيء من ذاته سبحانه وتعالى في ماذا؟ في مخلوقاته. وهل هذا ممكن؟ هذا لا يمكن، لما تقدم، هذا لا يمكن، لما تقدم. ولو عظم هؤلاء ربهم جل وعلا حق تعظيمه لما تصوروا هذا المعنى، ولا خطر على بالهم، ولكن لما فسدت القلوب وانتكست الفطر، صاروا يظنون وينظرون في هذه الأدلة وهذه المواضع بهذا المنظار. هذه القرينة الأولى، القرينة الثانية، يقول شيخ الإسلام: «فمن صافح وقبله فكأنما صافح الله»، فكأنما، وكيف تفيد ماذا؟ التشبيه. لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، المشبه غير المشبه به، إذا قيل: زيد مثل عمر، هل يلزم من ذلك أن يكون زيد هو عمر؟ الجواب ماذا؟ الجواب: لا. كما قال: معلوم، أي: في بداهة العقول، أن المشبه غير المشبه به، إذن هذه حقيقة ومعنى، وهذه حقيقة وماذا؟ ومعنى، واضحة، جماعة. فدل هذا -كما قال شيخ الإسلام- ففي نص الحديث بيان أن مستقبله ليس مصافحا لله، لماذا؟ لأنه قال: «فكأنما»، أليس دلت على ماذا؟ على أن المشبه غير المشبه به. قال: «وأنه ليس هو نفسه يمينه»، قال: «فكيف يجعل الظاهره كفرا؟» فكيف يجعل الظاهره كفرا؟ والظاهر الذي فهمه السلف ليس هذا الظاهر الذي فهمتموه، واضح، هذا، جماعة، ملا. ففي الحديث قرينتان تدلان على أن الظاهر من هذا الحديث أن من استلم الحجر الأسود كان له ثواب وأجر كمن صافح الله جل وعلا، لا أنه صافح الله حقيقة، هذا هو ظاهر النص، هذا هو ظاهر النص. ولم يخرج أهل السنة والجماعة عن هذا الظاهر، واضح، جماعة، ملا، بل هم على الظاهر، صلى رحمه الله. وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسر، يقول الله: «عبدي جعت فلم تطعمني»، فيقول: «ربي كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟» فيقول: «أما علمت أن عبدي فلانا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟» «عبدي مرضت فلم تعدني»، فيقول: «ربي كيف أعودك وأنت رب العالمين؟» فيقول: «أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده؟» وهذا صريح أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده، فجعل جوعه، فجعل جوعه، وجوعه، فجعل جوعه ومرضه مفسرا، مفسرا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده. فلن يبقى في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل، لماذا؟ لأن المتكلم به هو الذي فسره، واضح، جماعة، لأن المتكلم به هو الذي فسره. يقول: كما جاء في الحديث القدسي، يقول الله تعالى: «عبدي جعت جعت فلم تطعمني»، قال: فيقول: «عبدي، كيف أطعمك؟ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ كيف أستطيع أن أطعمك وأنت تطعم ولا تطعم؟» قال: فيقول: «أما علمت أن عبدي فلانا جاع، فلو أطعمته لو وجدت ذلك عندي؟» هل يحتاج هذا إلى تأويل؟ هيا، جماعة، اللفظ مفسر، اللفظ ومعناه مفسر، لا يحتاج إلى ماذا؟ إلى تأويل، ولا يحتاج إلى مزيد. وهذا كما سمعتم كذلك، أهل السنة والجماعة يؤمنون به على ظاهره، ولكن ما هو المراد؟ وما هو الظاهر؟ الظاهر فسره، أعلمه، فسره ماذا؟ المتكلم به، ربنا جل جلاله. وهذا الحديث دليل لأهل السنة والجماعة، دليل لأهل السنة والجماعة: من أن النص لو جاء في النص قد يقطر في النص معنى فيه إجمال، فإن الله جل وعلا يبينه بيانا واضحا ظاهرا شافيا كافيا -كما في هذا النص-. قال: «مرضت كيف تمرض؟ أطعمك؟ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟» قال: «أما علمت أنك إذا أطعمت عبدي لو وجدت ذلك عندي؟» إلى آخر ما ذكر. قال: طيب، فضلا، وهذا كما سمعتم يدلون على ماذا؟ على أن الظاهر هو الظاهر، وأن السنة والجماعة لم يخرجوا عن إيش؟ يعني الظاهر الأخذ به. قال: وأما قوله: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: «هذا بين يديه»، «هذا بين يديه»، ما يقتضي مباشرته ليده. وإذا قيل: «والسحاب المسخر بين السماء والأرض»، لم يقتضي أن يكون مماسا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة، ومما يشبه. قال: طيب، قوله: وأما قوله: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»، قال: فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، هذا ليس ظاهر، لا من قريب ولا من بعيد. قال: ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا أنها في جوفه، قال: ولا في قول القائل: «هذا بين يديه»، «هذا بين يديه»، لقال إنسان: كيف فعلت في موضوع كذا وكذا؟ في أمر كذا، يقول: «هذا أمر بيده»، «هذا أمر بماذا؟» بيده. هل معنى أن ذلك الأمر المعنى بيده؟ أو ذلك الشخص الذي يقول: كيف صنعت مع فلان؟ كيف عملت مع فلان؟ هل اتفقت مع فلان؟ فيقول: «لا، زيد بيده»، هل معنى أنه زيد في كفه؟ في قبضته؟ هل هذا يتصوره متصوره، جماعة؟ لا يتصوره متصوره. هذا أسلوب عربي، واضح، هذا أسلوب عربي، واضح، مستخدم، مستخدم، في أن اللغة -كما سمعتم- بقارينة الخطاب يدل على معنى بحسب السياق والسباق، بحسب السياق والسباق -كما ذكرنا في المثال-. إذا قلنا: «ما زيد إلا عندك»، «وما عندك إلا زيد»، انظر: «ما زيد إلا عندك» إيش يدل يا جماعة؟ «ما زيد إلا عندك» يدل على إيش؟ على أنه يقول: يثبت أن زيدا عنده، هل ينفي أن يكون غير زيد عنده؟ لا ينفي، واضح؟ وإذا قال: «ما عندك إلا زيد»، «ما عندك إلا زيد»، هل يدل على أن غير زيد عنده؟ ها، جماعة، لا يدل. إذن الألفاظ هي الألفاظ: «ما»، «عندك»، وماذا؟ «إلا»، و«زيد»، تغيرت، تغير السياق، تغير معه ماذا؟ المعنى. «ما عندك إلا زيد»، «ما زيد إلا عندك»، تغير المعنى بتغير السياق والسباق، بتغير السياق والسباق. وها هنا كذلك، يقول: وأما قوله: «قلوب العباد بين أصبعين أصابع الرحمن» -كما ذكر- فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، لا من قريب ولا من بعيد. قال: ولا في قول القائل: «هذا بين يديه»، ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: «والسحاب المسخر» -أي: في قول الله جل وعلا- «والسحاب المسخر بين السماء والأرض»، قال: لم يقتضي أن يكون مماسا للسماء والأرض. السحاب، الله جل وعلا، قال: «والسحاب المسخر بين السماء والأرض»، هل السحاب مماثل للأرض؟ يا جماعة، الآن هذا محسوس، هل مماثل للأرض؟ ليس مماثل للأرض، وكذلك ليس مماثل للأرض للسماوات. وهذا والقول فيه هذا كالقول في ماذا؟ في الحديث، لا يلزم منه المماثلة، لا يلزم منه المماثلة -كما هو ظاهر-. لذا قال: لم يقتضي أن يكون مماثرا للسماء والأرض، قال: ونظائره كثيرة، ونظائره كثيرة. إذن هذا أسلوب عربي، هذا أسلوب عربي، فيه إثبات صفة الأصبع لله جل وعلا، وأن قلوب العباد يقلبها الله جل وعلا كيف شاء. ولا يلزم من ذلك مماسة، ولا يلزم من ذلك مماسة، بل نؤمن بالنص على ماذا؟ على ظاهره، بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف شاء، سبحانه وتعالى. ولا نعرف كيفية ذلك التقليب، ولا نعرف كيفية ذلك التقليب، ولا يلزم من ذلك المماسة، لماذا؟ لما تقدم من أن الله جل وعلا بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته، جل وعلا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على