الدرس في شرح العقيدة التدمرية 34، ألقاها
يناقش مفهوم تنزيه الله تعالى عن الصفات الناقصة وإثبات الكمال له، موضحا أن نفي النقص ليس غاية في ذاته بل يهدف إلى إثبات الكمال. يُفصّل كيف أن نفي الصفات الناقصة يدل على كمال الله تعالى.
يتناول تنزيه الله تعالى عن الصفات الناقصة مثل الأكل والشرب والبكاء والحزن، ويبين أن إثبات الكمال يستلزم نفي النقص. كما يوضح أن بعض الصفات مثل الفرح والغضب تعتبر من صفات الكمال إذا كانت في محلها المناسب.
يشرح حكم الصفات التي لم يرد فيها نص من السمع إثباتا أو نفيا، ويبين أنه يجب التوقف عن إثباتها أو نفيها إذا لم يدل العقل على شيء، مع إثبات ما علمنا ثبوته ونفي ما علمنا نفيه.
يتضمن دعاء يتألف من تسبيح الله وتمجيده والاستغفار والتوبة إليه، ويُختتم بشكر للمستمع أو القارئ.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد تقدم أن ما ينفى عنه سبحانه وتعالى ينفى لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال. فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحا له؛ لأن مشابهة ناقص في صفات النقص نقص مطلق، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه الرب تبارك وتعالى. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: وقد تقدم فيما مضى معنا من القواعد أن ما ينفى عن الله سبحانه وتعالى ليس هو نفيا محضا، وإنما هو من النفي المتضمن للإثبات. إذ أن النفي المحض عدم، والعدم لا شيء، وما قيل فيه لا شيء فهو لا شيء؛ إذ لا مدحة ولا سناء في العدم المحض، فلا يكون مدحا إلا إذا تضمن إثباتا. قال: إذ مجرد النفي لا مدحة فيه ولا كمال؛ لماذا؟ لما تقدم في القاعدة الأولى في الكلام على هذه المسألة أن المعدوم لا يشبه الموجود. والمعدوم لا يشبه الموجود؛ لأنه لا يوصف بشيء، فهو نفي محض، هو نقص محض، بخلاف الموجود فإنه متصف بصفات الوجود، فهو أكمل من العدم. قال: وليس هذا مدحا له؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلق. لو شبّه الموجود وهو كامل بالمعدوم وهو ناقص، للزم النقص المطلق. كذلك لو قيل في حق الله جل وعلا أنه ليس متصفا بصفة من الصفات، للزم تشبيه واجب الوجود بالمعدوم، فيلزم من هذا تشبيه الكامل جل وعلا بالناقص الذي هو المعدوم، وهذا نقص مطلق يتنزه الله جل وعلا عنه. قال: كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه الرب تبارك وتعالى. لماذا؟ لأن الناقص ضد الكمال. فكل نقص هو ضد الكمال، فإذا قيل في حق الله جل وعلا: الله جل وعلا هل من صفات الله عز وجل النوم؟ نقول: النوم نقص؛ لأنه ضد الكمال الذي أثبته الله جل وعلا لنفسه بأنه حي قيوم. إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، أيضا النوم من حيث هو صفة نقص. كما ذكر أن النوم أخو الموت، والله جل وعلا حي لا يموت. كذلك اللغوب الذي هو التعب والإعياء هو نقص ينزه الله جل وعلا عنه؛ لأنه ضد الكمال الذي يجب أن يتصف الله جل وعلا به، ما هو الكمال الذي يجب أن يتصف الله جل وعلا به؟ كمال القدرة وكمال القوة وكمال العلم والحكمة إلى غير ذلك من المعاني التي تدل على كماله سبحانه وتعالى، وأنه منزه عن هذه الصفات؛ فلذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى: فكيف من يأكل ويشرب؟ يعني بعد أن قال: والله جل وعلا غني عن كل ما سواه، لا يحتاج إلى معين ولا يحتاج إلى مؤيد. قال الله جل وعلا: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنتُمُ الفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَميدُ﴾ [فاطر: ١٥]، ﴿إِن يَشَأ يُذهِبكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَديدٍ * وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزيزٍ﴾ [فاطر: ١٦-١٧]. فالله هو الغني، قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ﴾ [فاطر: ١٥]. الحاصل من هذا أن إثبات المعين لله جل وعلا أو الناصر أو المؤيد أو ما شابه ذلك - بمعنى أن الله جل وعلا مفتقر إليه - هذا مما ينزه الله جل وعلا عنه؛ لأنه نقص. لماذا نقص يا جماعة؟ ينزه الله جل وعلا عنه؛ لأنه ينافي كمال الرب جل وعلا، ينافي غناه سبحانه وتعالى عن كل ما سواه. وهذه الطريقة - كما سمعتم - بإثبات الكمال ننفي النقص. وهي بإثبات الكمال ننفي ضد الكمال، ما هو ضد الكمال؟ النقص. الآن شخص ذكر الطريقة بالعكس، فقال: الصفات التي هي نقص والتي تنافي كمال الله جل وعلا تنافي كمال الله جل وعلا، فإنها ما يثبت لله جل وعلا، ينزه عنها، ولا يجوز إثباتها لله جل وعلا؛ لأنها نقص. قال الشيخ رحمه الله: فكيف من يأكل ويشرب والآكل والشارب أجوف، والمصمت الصمد أكمل من الآكل الشارب. يقول الشيخ رحمه الله: أيهما أكمل؟ الأجوف الذي يأكل ويشرب، أو المصمت الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يحتاج إلى آلات الأكل والشرب، بل هو غني عنها؟ أيهما أكمل؟ قال رحمه الله تعالى: والمصمت الصمد أكمل من الآكل الشارب. ثم علل ذلك بقوله: ولهذا كانت الملائكة صمدا لا تأكل ولا تشرب. الملائكة عليهم السلام؛ لشرفهم ولكمالهم، كان هذا من خلق الله جل وعلا لهم أنهم لا يأكلون ولا يشربون، فهم أكمل من الإنسان الذي يفتقر إلى الأكل والشرب، يفتقر إلى الأكل والشرب؛ فهو محتاج إلى الأكل والشرب، وأما الملائكة عليهم السلام فهم أغنياء عن الأكل والشرب، فهم من هذه الحيثية أكمل ممن يأكل ويشرب. قال: وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق، فالخالق أولى به. وكل نقص تنزه عنه مخلوق، فالخالق أولى بتنزهه عن ذلك. الآن الملائكة منزهة عن هذا؛ أولى؛ لأنه نقص، فالخالق أولى بالتنزه عن هذه الصفة - عن الأكل والشرب. كما سمعتم، هي طريقة عقلية، وأصلها نقلي. ما هو أصلها؟ أن الله جل وعلا دلت الأدلة على أن الله جل وعلا هو الغني عن كل ما سواه، والله هو الغني. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنتُمُ الفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَميدُ﴾ [فاطر: ١٥]. قال رحمه الله: والسمع قد نفى ذلك في غير موضع. السمع قد نفى عن الله جل وعلا أن يكون يأكل أو يشرب، كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، قال: والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب. لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب؛ كما جاء هذا تفسير عن عدد من السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: وهذه السورة - وهي «قل هو الله أحد» - هي نسب الرحمن. جاء في مسند أحمد وغيره أن المشركين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، صف لنا ربك، أو قالوا: انسب لنا ربك. فأنزل الله عز وجل: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَم يَلِد وَلَم يُولَد * وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١-٤]. والحديث هذا له طرق، ولا يخل طريق منها من مقال، إلا أن الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى قوى هذا الحديث بشواهده في مواضع من كتبه، ومنها في كتابه «السلسلة الضعيفة» تحت حديث برقم سبعة ومائتين وخمسة آلاف، ذكر حديث أبي، وأشار إلى ضعفه، ثم قال: وله شواهد كثيرة ذكرها السيوطي في «الدر المنثور» يتقوى بها. وكذلك حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «سنن الترمذي» وغيره. الحاصل من هذا أن هذه الآية في قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، يدل على ما دل عليه العقل من تنزيه الله جل وعلا عن هذه الصفة من صفات النقص. فإذا تنزيه الله جل وعلا عن الأكل والشرب هو سمعي وعقلي. قال رحمه الله: وهي الأصل في هذا الباب. قال: وهذه السورة هي نسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب - أي في باب أن الله هل له أعضاء؟ هل له كذا؟ هل له كذا؟ إلى غير ذلك. يقول الشيخ رحمه الله: وهذه الآية تنزيه الله جل وعلا عما ذكره الأفاكون في حق ربهم جل وعلا من النقائص. قال: وقال في حق المسيح وأمه: ﴿ما المَسيحُ ابنُ مَريَمَ إِلّا رَسولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ كانا يَأكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، قال: فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى. قال: والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن الآلات. كما تقدم معنا في القاعدة: بإثبات الكمال لله جل وعلا ننفي عنه النقص، ولوازم ذلك النقص، ننفي عن الله عز وجل النقص ولوازم ذلك النقص، فننفي عن الله جل وعلا الأكل والشرب؛ لأنه نقص، ولوازم ذلك من معدة، وقبل المعدة، وبعد المعدة من أعضاء. قال رحمه الله تعالى: فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك. قال: بخلاف اليد؛ فإنها للعمل والفعل. أي: اليد التي تثبتونها، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فرق بين إثبات اليد، وبين إثبات ما ذكرتموه من الأمعاء والمعدة، وما قبل ذلك من البلعوم، وما بعد ذلك من إخراج ما من إخراج الطعام. هذه نقص، هذه نقص. بخلاف صفة اليد؛ فإنها كمال؛ لماذا كمال؟ يقول رحمه الله تعالى: لأنها للعمل والفعل. العمل والفعل؛ إذن هي من صفات الكمال؛ لأن ملزومها ومتعلقها الكمال. ملزومها ومتعلقها الكمال: هو العمل والفعل. العمل والفعل كمال. قال الله جل وعلا: ﴿فَعّالٌ لِما يُريدُ﴾ [البروج: ١٦] على سبيل المدح والثناء لنفسه سبحانه وتعالى. وقال الله جل وعلا: ﴿مِمّا عَمِلَت أَيدي نا﴾ [يس: ٧١]، ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنّا خَلَقنا لَهُم مِمّا عَمِلَت أَيدي نا أَنعامًا وَهُم لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٢]. هذا على سبيل الثناء والمدح. فإذا صفة العمل، وصفة الفعل صفة كمال، ولوازم الكمال كمال. ما هي لوازم الكمال؟ إثبات اليد لله جل وعلا. قاله سبحانه وتعالى موصوفا بالعمل والفعل؛ كما تقدم؛ إذ ذلك من صفات الكمال. فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل. قال رحمه الله تعالى: هو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد، وعن آلات ذلك وأسبابه. كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِن إِلهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال الله جل وعلا: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَما كانَ لَهُ مِن شَريكٍ فِي المُلكِ﴾ [الفرقان: ٢]. هذا دل عليه السمع، وكذلك دل عليه العقل؛ من أين دل عليه العقل يا جماعة؟ دل عليه العقل: أن من كان يحتاج إلى الصاحبة، ويحتاج كذلك إلى الولد، يدل على أنه ليس بإله؛ لأنه مفتقر إلى غيره، والله جل وعلا هو الغني. قال: وكذلك البكاء والحزن؛ هو مستلزم للضعف والعجز. البكاء والحزن غالبا يحصل البكاء من النساء، ويحصل من الضعيف. صحيح أن الإنسان قد يبكي من خشية الله تعظيما وإجلالا، لكن المراد هنا أصل الصفة التي هي البكاء؛ تدل على نقص، وعلى ضعف، وعلى خور. قال الله جل وعلا في حق النساء: ﴿وَمَن يَنشَأ فِي الحِلَّةِ وَهُوَ فِي خِصْبٍ غَيرَ مُبِينٍ﴾ [القصص: ١٤]، قال: المرأة عندما تخاصم يعتريها البكاء، وهو في الخصب غير مبين؛ لا تستطيع أن تبين عما في نفسها، بل يغلبها البكاء، وهذا يدل على ضعف. قال رحمه الله تعالى: وكذلك البكاء والحزن؛ هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه الله عنه. بخلاف الفرح والغضب؛ فإنه من صفات الكمال؛ فإنه من صفات الكمال. الفرح من صفات الكمال، والغضب من صفات الكمال كذلك؛ إذ أن الله جل وعلا يفرح مما يستحق الفرح، ويغضب مما يستحق الغضب، فهو كمال سبحانه. قال: فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم. كذلك يوصف بالفرح دون الحزن. انظر يا جماعة؛ لماذا؟ بإثبات أحد الضدين ينفى الآخر. الفرح يقابله الحزن، فبإثبات أحد الضدين ينفى الآخر. لا يزال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يطبق هذه القاعدة: بإثبات أحد الضدين ينفى الآخر. والله جل وعلا قد دل السمع على أنه يفرح. كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «فرحا، فرحا» - يعني كما جاءت الأحاديث في ذلك - قال الله: «أشد فرحا بتوبة أحدكم ضاعت عليه دابته أو راحلته وعليها طعامه وشرابه». وكما جاء في الصحيح من حديث أنس، وجاء كذلك من حديث ابن مسعود، وجاء من حديث غيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم. فالشاهد فيه: إثبات السمع لله جل وعلا صفة الفرح، وبإثبات صفة الكمال ننفي ضدها. قال رحمه الله: وبالضحك دون البكاء؛ للقاعدة المذكورة: إثبات أحد ضدين يستلزم نفي الآخر. قال: وأيضا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه وتعالى لا كفء له، ولا سمية له، وليس كمثل شيء؛ فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات؛ لماذا؟ لأن الله جل وعلا لا كفء له؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ولا سمية له؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿هَل تَعلمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وليس كمثل شيء؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قال: فلا يجوز أن تكون حقيقته - أي حقيقة الله جل وعلا - كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات؛ فليعلم قطعا أنه ليس من جنس المخلوقات؛ لا الملائكة، ولا السماوات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميون، ولا أبدانهم، ولا أنفسهم، ولا غير ذلك. بل يعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة شيء آخر. كما ذكرنا فيما مضى: إذا قال إنسان: زيد مثل الجدار، هذا ممكن. وهذا ممكن. الإنسان مخلوق ممكن، والجدار مخلوق ممكن. من قال: زيد مثل الجدار؟ هل هذا ممكن؟ طيب مثل الشقراء، الشقراء أخف. طيب قال: مثل الإبل، مثل الجمل. زيد مثل الجمل؛ هل هذا ممكن؟ فإذا ثبت التباين والامتناع بين مخلوق ومخلوق - مع التقارب بينهما؛ إذ أن هذا ممكن، وهذا ممكن، هذا مخلوق، وهذا مخلوق - فبين الخالق والمخلوق من باب أولى. فلا يتصور أبدا متصور أن يقول: بأن الله جل وعلا مثل مخلوق قط؛ لا في ذاته، ولا في صفاته. قال رحمه الله: فإن الحقيقتين إذا تماثلت؛ جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى. ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها. فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق من العدم والحاجة. الواجب يقوز عليه العدم، الغني يقوز عليه الفقر والحاجة إلى غير ذلك. قال: وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك من الوجوب والغناء. فيكون الشيء الواحد واجبا بنفسه، غير واجب بنفسه، موجودا معدوما. قال: وذلك جمع بين النقيضين، وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي، ونحو ذلك. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. والمشبهة يقولون: إنها طائفة كانت ظهرت في زمان الإمام أحمد رحمه الله، ثم اندثرت بحمد الله جل وعلا. وكان من مشاهير علمائهم الكرامية، كان يقولون بالتكسيم. قال رحمه الله تعالى: وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له وما ينزه عنه. أي: هذا المذكور ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إنما هو على سبيل الجواب السريع، والقاعدة المختصرة لهذا الباب. وليس هو محصورا في ما ذكره في هذا الكتاب. قال: وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك؛ لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع. وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه. وما سكت عنه السمع نفيا وإثباتا. الآن ينتقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى للتقرير أمر وهو قال: وما سكت عنه السمع نفيا وإثباتا - السمع لم يثبته، وكذلك لم ينفه - ما العمل؟ يقول رحمه الله: قال: وما سكت عنه السمع نفيا وإثباتا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه؛ سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه. واضح يا جماعة؟ شيء جاء الشرع أو السمع لم يأت السمع بإثباته، ولم يأت السمع بنفيه؛ ماذا نصنع فيه؟ نسبته المثبت مطالب بالدليل، والنافي مطالب بالدليل. لكن شيخ الإسلام نبه على أمر ما هو؟ هذا الأمر: قال رحمه الله: ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه؛ سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه. أي: نثبته باعتبار أنه ممكن في حق الله جل وعلا، أو ننفيه باعتبار أنه مستحيل في حق الله جل وعلا، ولو لم يأت السمع بذلك. قال: فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته. والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا خلاص ما يقال. هذا آخر ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله؛ يعطي تنبيها لنا، وهو أن الإنسان إذا وقف على اسم من الأسماء أو صفة من الصفات لا يعلم لها دليلا من كتاب الله جل وعلا إثباتا ولا نفيا؛ نظر العقل في العقل: هل العقل يمنعها؟ هي مستحيلة؟ لا. هل العقل يثبتها؟ العقل لا ينفيها ولا يثبتها؛ ما الحال هنا؟ ماذا يصنع؟ يتوقف. إذا كان العقل لا ينفيها؛ فماذا؟ يتوقف في هذا الأمر، يتوقف في هذه الصفة؛ فلا يثبتها ولا ينفيها. إنما يتوقف فيها إثباتا ونفيا. وليس معنى أن العقل يثبتها أنه يثبتها على أنها صفة لله جل وعلا، لكن تثبت من باب الإخبار. تثبت من باب الإخبار مثل الوجود. لفظ الوجود: الله موجود. هل الله موجود؟ نقول: نعم موجود. هل دل السمع؟ جاء في السمع أن الله جل وعلا موجود؟ الجواب: ما جاء السمع، لكن العقل يدل على ثبوت هذا المعنى، وهو من باب الإخبار عن الله جل وعلا، من باب التسمي والصفة. وتقدم معنا أن باب الأسماء والصفات توقيف؛ لا تعد الكتاب والسنة. فما ثبت بكتاب الله وسنة رسوله أثبتنا، وما نفاه الكتاب والسنة نفينا، وما لم يثبته الكتاب ولا السنة توقفنا فيه إثباتا ونفيا؛ إن لم يكن العقل يدل على إثباته أو نفيه. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. شكرا.