الدرس في أداء الحقوق 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن حقوق النبي على أمته وأهمية طاعته باتباع سنته، ويستشهد بآيات قرآنية تؤكد على عظم طاعة النبي ومكافآتها. يشدد على أهمية اتباع السنة في نيل الفوز العظيم والجنة.
يؤكد على أهمية اتباع السنة النبوية في أداء العبادات مثل الوضوء والصلاة والحج، وكذلك في تطبيق الشريعة وإقامة الحدود. يشدد على ضرورة أخذ مناسك العبادات من سنة النبي.
يؤكد على أهمية اتباع السنة في الأذكار والأدعية، مستشهدًا بحديث البراء بن عازب. ويختتم بالتأكيد على وجوب طاعة النبي واتّباع سنّته واستشعار عظم حقه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلة لإخواني في الله لما مضى ذكره في درس أمس عما يتعلق بحقوق النبي عليه الصلاة والسلام على أمته، وبينا كمقدمة لذلكم الدرس على أن هذه المسألة من المسائل المهمة، والتي تكمن أهميتها في أمور قد ذكرت، من ذلكم أنها متعلقة بشهادة محمد رسول الله، وهي كذلك من الأمور التي وقعت الغفلة عنها، وكذلك فيها إبراز لدعوة أهل السنة والجماعة أنهم ممن يتفانون في إظهار محبتهم وأداء حقوقه عليه الصلاة والسلام. ذكرنا أن حقوق النبي كثيرة، وقد ألفت فيها مؤلفات عديدة في ذكر أهم الحقوق وأهم الواجبات التي ينبغي أن تؤدى لمقامه عليه الصلاة والسلام. ومما تم ذكره ما يتعلق بمقام المحبة، وهي أن تملأ القلوب وتملأ الصدور بإجلاله وتعظيمه وإعظامه عليه الصلاة والسلام، وهذه من لوازم الإيمان. وكذلك الحق الثاني وهو أن يطاع عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك كذلك من الحقوق التي ينبغي أن يؤديها المسلمون لمقامه صلوات ربي والسلام عليه، أن يطيعوه وذلك باتباع سنته. وقد جاءت أدلة كثيرة تدل على عظم هذا المقام، كما في قول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وكم جعلت وكرست الكثير من الفضائل والعديد من المناقب في حق من صبر نفسه على هذا المقام، أنه يسارع إلى طاعة نبينا عليه الصلاة والسلام، فالفوز والنجاح والفلاح في حقه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. وهكذا الوعد بالجنة جعلت في حق من صبر نفسه على طاعة النبي عليه الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وهكذا الرحمات والمغفرة تتنزل في حق من صبر نفسه على هذا المقام، قال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وآيات كثيرة واضحة جلية تبين عظم هذا المقام، وهو مقام الطاعة لنبينا عليه الصلاة والسلام. ومما ينبني عليه في هذا الحق أن طاعة النبي عليه الصلاة والسلام أعظم ما تكون في اتباع سنته، أعظم طاعة في اتباع سنته، وخاصة في باب الطاعات وتأدية العبادات. فالمسلم في هذه الدنيا مأمور أن يعبد ربه جل وعلا، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، إلا أن مضمار العبادة والعبودية والتعبد لله جل وعلا منوط بسنته، ينبغي أن تقيد مقام العبادة بالسنة. والنبي صلوات ربي وسلامه عليه عندما شرع للناس الطاعات والعبادات كان يلزمهم، وكان يشير إليهم تصريحًا أو تلميحًا أو تلويحًا على أن العبادات ينبغي أن تأخذ من بابه. والأمثل على ذلك كثير جدًا، فمثالها الوضوء، الوضوء عبادة من العبادات العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى الله جل وعلا، فلابد أن تكون صفة الوضوء مأخوذة من سنته ومن هديه عليه الصلاة والسلام. كما جاء في الصحيحين عندما توضأ نبينا لأصحابه ثم قال: «من توضأ نحو وضوء هذا»، فتأمل إلى هذا القيد «من توضأ نحو وضوء هذا»، لا بد أن يكون الوضوء الذي يتوضأ به المتوضئ مأخوذ من السنة. وهكذا في باب الصلاة، الصلاة من العبادات العظيمة وهي من أركان الإسلام ومن ركائزه العظام الذي لا تبرأ الذمة إلا بأدائها، فكذلكم هذا الباب العظيم وهذه العبادة الجليلة منوطة بالسنة، لا بد يا عبد الله أنك تصلي كما صلى نبينا. ولهذا جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، صلوا كما رأيتموني أصلي. فأنت يا عبد الله عندما تؤدي الصلاة عليك أن تستشعر هل هذه الصلاة هي كما صلاها نبينا؟ هذا ليس بصعب وليس بعسير أن تصلي كما صلى نبينا، ليس بعسير إلا على العاجز. بعض الناس يستثقل، يقول: كيف أصلي كما صلى النبي؟ ليس هناك ما يمنعك أن تصلي كصلاته. وهكذا يا عبد الله في باب الحج، من أراد أن يحج ومن يؤدي منسك الحج سواء كان الفرض أو كان النفل، فعليك ذلك أن تأتي بالحج كما جاءت به السنة. وإلى أسف، أخواني، قد فرطوا في هذا الباب أيما تفريط. عليك يا عبد الله إذا عزمت على أداء الحج، وهكذا قل للعمرة، عليك أن تسأل، عليك أن تتحرى، إما بسؤال أهل العلم بمشافهة، أو عليك بمكاتبة تسأل، أو أنك تقرأ، والله الحمد، سبل العلم قد يسرت أيما تيسير في هذه الأزمان، كتيب تقرأه أو مطوية قد لخصت فيها صفة الحج كما كان يحج عليه الصلاة والسلام. فتأخذ مثل هذه الكتيبات أو هذه الأشطة النافعة، فتسمع: كيف حج نبينا؟ كيف أدى مناسك الحج؟ في طوافه، في سعيه، كيف كان في إحرامه؟ وهكذا حتى تؤدي هذا المنسك ماذا على أكمل الوجوه؟ تؤدي هذه الشعيرة العظيمة كما أداها نبينا عليه الصلاة والسلام. ولا أدل ولا أدل على حرص نبينا على الإتيان بالحج على السنة، ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر، قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم»، خذوا عني مناسككم، فمناسك الحج لا تؤخذ إلا منه عليه الصلاة والسلام، خذوا عني مناسككم. وهكذا قصة عبدالله بن عمر في باب إقامة الحدود وتطبيق الشريعة وإنزال العقوبات، هذا ليس للأهواء مدخل، أو أنك تأخذ بأنظمة ليست من الشريعة الإسلامية، كما نرى ذلك من المخترعات الحديثة في هذا الأزمان، أن الناس أفرادًا ومجتمعات ودول وحكومات أخذت مصادر التشريع في التقنين، أخذوا من القوانين الشرقية والغربية، فهذا لا يجوز، بل يا صاحبه قد يكون من الكفر إذا اعتقد أن هذا أنفع وأصلح للناس من الشريعة الإسلامية. فالشريعة لابد تطبيق الحدود وتسييس حياة الناس مأخوذة من الكتاب، وكذلك مأخوذة من السنة، وخاصة في باب الحدود، لا تأتي لك يا عبد الله بعقوبة تأخذها من دستور شرقي أو غربي، لا يا عبد الله، وإذا ما تنظر كيف كان هديه عليه الصلاة والسلام في تطبيق الحدود وفي إنزال العقوبات على المجرمين على المفسدين على المخطئين. فثبت في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني»، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، وذلك في إقامته للحد على ماذا؟ الزانية، قال: «خذوا عني»، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، فأمر نبينا أن تقام الحدود وأن تأخذ منه، لا من الأعراف، ولا من الأسلاف، ولا من العادات، ولا من التقاليد، ولا من القوانين، ولا من الدستور، وإنما تأخذ من سنته عليه الصلاة والسلام. وهكذا يا عبد الله، لا زالت السنة تجري معنا في جميع أبواب الدين، ما تدخل باب من أبواب التعبد لله جل وعلا إلا وتجد أن السنة قد حفتها. وهكذا وأخيرًا في باب الأذكار وباب الأدعية، هذا الباب الذي يتقرب به المسلم إلى ربه جل وعلا، فينبغي أن يكون باب الأذكار كذلك محاطًا بالسنة ومأخوذًا من السنة على هدي السنة. ويدلك يا عبد الله بهذا المثال الذي جاء في الصحيح في حديث البراء، عندما أراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يعلمه ذكرًا يأتي به عند منامه، فقال: «إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، واضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت»، دعاء ذكر علمه نبينا للبراء أن يأتي به في منامه. فقام البراء رضي الله تعالى عنه وأخذ يردد هذا الذكر أمام نبينا، فلما قام البراء وأدى هذا الذكر إلا أنه في آخر لفظة، بدل أن يقول: «آمنت بنبيك الذي أرسلت»، ما الذي فعل البراء؟ قال: «آمنت برسولك الذي أرسلت»، فقط غير من قوله «نبيك» إلى «رسولك الذي أرسلت»، وقد أنت تجد ليس هناك فرق، «نبيك الذي أرسلت»، «رسولك الذي أرسلت»، قد تكون معنا متقاربة. فلما سمع نبينا هذا التغير في ذكره الذي علمه للبراء، قال: «لا يا براء، قل: وآمنت بنبيك الذي أرسلت»، عدا له هذه العبارة. وهذه أخوان فيها تنبيه عظيم، تنبيه وإشارة عظيمة، إذا كان البراء أتى بحديث كما يقال بالنسبة 95% أتى بألفاظه وبتمامه وكماله، اللهم إلا لفظة واحدة غيرها، ومع ذلك ما أقره نبينا، ما أقره، وإنما أراده أن يأتي بالحديث كما جاءت به السنة. فإذا كان هذا في لفظة واحدة، فما بالك يا عبد الله بالأذكار والأوراد التي هي من أصلها، لا أقول فيها 95%، بل هي 0%، ليس هي من السنة بتاتًا أو البتة؟ أذكار تؤتى بها قبل الأذان أو أذكار يؤتى بها بعد الأذان في يوم الجمعة، في ليلة الجمعة، أوراد يؤتى بها قبل الصلوات، أوراد يؤتى بعد الصلوات، تريد أن تفتش في كتب السنة هل لها أصل؟ أبدًا ليس لها أصل. أذكار تؤتى في أثناء الوضوء، أذكار تؤتى في بعض الأيام، في المناسبات، في بعض الأشهر التي تستغل كما يقال أنها معظمة، فيؤتى لها بأوراد خاصة وبأذكار مبتدعة ومخترعة ومحدثة، كل هذا هل هذا ينفع؟ لا يمكن، لأن المسلم الحصيف الفقيه إذا تأمل في هذا الحديث، النبي ما أقر البراء على لفظة على كلمة غيرها مرتضاها، فكيف يا عبد الله تأتي بذكر، تأتي بورد، تأتي بأدعية ما أنزل الله بها من سلطان؟ فهي من باب أولى أنها مردودة، أنها مردودة على وجه صاحبها. فخلاصة الكلام، إخواني في الله، علينا أن نستشعر عظم هذا الحق الذي ينبغي أن يؤدى لنبينا عليه الصلاة والسلام، هو أن يطاع صلوات ربي والسلام عليه، وأعظم طاعة تؤديها لنبيك يا عبد الله أنك تتبع العبادات كما جاءت على بابه وعلى منواله عليه الصلاة والسلام. ولا أطيل إخواني في الله في هذا الباب، وسنأتي إن شاء الله في دروس قادمة إلى بعض الحقوق، أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.