الدرس في كتاب النكاح والطلاق 14، ألقاها
يشترط في الرجعة أن يكون الطلاق رجعيًا دون استكمال العدد، وأن تكون المطلقة مدخولاً بها. كما يشترط أن يكون الطلاق بغير عوض وأن يكون النكاح صحيحًا.
إذا طلق الرجل زوجته ثلاث مرات، فلا تحل له حتى تتزوج زوجًا آخر. الرجعية تعود لزوجها على ما بقي لها من عدد الطلاق، وإذا استوفى الزوج عدد الطلاق ثلاثًا، بانت منه بينونة كبرى.
تم الانتهاء من الباب الرابع حول الطلاق والرجعة، والاستعداد للانتقال إلى الباب الخامس الذي سيتناول موضوع الإيلاء بإذن الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في المسألة السادسة في الكلام على الرجعة، وتوقفنا عند قول المؤلف: شروطها، أي شروط الرجعة. قالوا: تصح الرجعة بشروط، وهي: أن يكون الطلاق دون العدد الذي يملكه الزوج، وهو ثلاث تطليقات للحر، واثنتان للعبد. فإن استوفى عدد الطلاق، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. هذا هو الشرط الأول، معناه أن الرجعة تصح من الزوج لزوجته بشروط، أولها أن يكون الطلاق رجعيًا، بأن يكون الرجل طلق امرأته إما طلقة واحدة أو تطليقتين، أي لم يكمل عدد الطلاقات الثلاث. وقولهم: وهو ثلاث تطليقات للحر، كما هو ظاهر القرآن، ونص القرآن، واثنتان للعبد، وهذا القول عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، من أن العبد يملك تطليقتين في امرأته، بخلاف الحر فإنه يملك ثلاث تطليقات، قياسًا على أحكام العبد في بقية الأحكام. قالوا: كذلك العبد يملك من امرأته تطليقتين فحسب. وذهب طائفة أخرى من العلماء رحمهم الله تعالى إلى أن القول في العبد كالقول في الحر، من أنه يملك ثلاث تطليقات كما يملك الحر ثلاث تطليقات، لظاهر القرآن. وهذا هو الأقرب لظاهر القرآن؛ لأن ربنا تبارك وتعالى لم يفرق بين طلاق الحر وطلاق العبد في العدد، وكذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم يفرق بين طلاق الحر وعدد طلاق العبد. الشرط الثاني من شروط الرجعة أن تكون المطلقة مدخولاً بها؛ لأن الرجعة لا تكون إلا في العدة، وغير المدخول بها لا عدة عليها، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. ومعنى هذا أن الشرط في استحقاق الزوج في إرجاع زوجته المطلقة أن تكون من طلاق قد دخل بها، وسواء كان الدخول بأن جاء معها أو كان الدخول بأن أرخى سترًا عليها، على الصحيح من أقوال أهل العلم. الأمر الثالث: أن يكون الطلاق بغير عوض؛ لأن العوض في الطلاق جعل لتفتدي المرأة نفسها من الزوج، ولا يحصل لها ذلك مع الرجعة، فلا تحل إلا بعقد جديد برضاها. إذن الشرط الثالث أن لا يكون في الطلاق عوض؛ لأنه إذا كان الطلاق بعوض كان ذلك الطلاق في حقيقة الأمر خلعًا، ولم يكن طلاقًا، فهو فسخ. الشرط الرابع: أن يكون النكاح صحيحًا، فلا رجعة إذا طلق في نكاح فاسد. فإذا لم يصح الزواج لم يصح الطلاق؛ لأنه فرعه، وإذا لم يصح الطلاق لم تصح الرجعة. كذلك من الأحكام المتعلقة بهذا الباب أن يكون النكاح صحيحًا، ومع النكاح الصحيح أن يكون مستوفيًا لشروطه وأركانه. فإذا لم يكن كذلك فلا رجعة للزوج على زوجته. فلو أن رجلاً طلق امرأته في نكاح فاسد، مثلاً نكاح المتعة، رجل تمتع بامرأة طلقها في أثناء العدة، هل له أن يراجعها؟ الجواب: لا، ليس له أن يراجعها. الشرط الخامس: أن تكون الرجعة في العدة، لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي في العدة. أي ما دامت في العدة، فالزوج أحق بزوجته ما دامت في العدة. ومعناه أن العدة إذا انقضت عدة المرأة في طلاق الرجعي، أنه لا رجعة له عليها إلا بعقد جديد. الشرط السادس: أن تكون الرجعة منجزة، فلا تصح معلقة، كقوله: إذا حصل كذا فقد راجعتك. كذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب أن يكون الطلاق ناجزًا، فتعليق الرجعة لا ينفع. من أحكام الطلاق الرجعي: أن المطلقة طلاقًا رجعيًا زوجة ما دامت في العدة، لها ما للزوجات من نفقة وكسوة ومسكن، وعليها ما عليهن من لوازم المسكن. ولها أن تتزين له، ويخلو بها، ويطأها، ويرث كل منهما الآخر. وقولهم: ويخلو بها ويطأها، هذا في الحقيقة لمن نظر فيه يتناقض مع الحكم السابق من اشتراط النية في الوطء. وهذا يدلنا على أن الراجح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أن الرجل له أن يخلو بها وله أن يطأها وتكون زوجة بذلك قد راجعها ولو لم ينوي ذلك على الصحيح. الأمر الثاني: لا يشترط في الرجعة رضا المرأة أو وليها، لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، ولأنها في حكم الزوجات. فله أن يراجعها ولو بغير إذنها، وله أن يراجعها ولو بغير رضاها، وله أن يراجعها ولو بغير علمها. الأمر الثالث: ينتهي وقت الرجعة بانتهاء العدة، وتعتد بثلاث حيض. فإذا طهرت الرجعية من الحيضة الثالثة ولم يرتجعها زوجها، بانت منه بينونة صغرى، فلم تحل له إلا بعقد جديد بشروطه. الأمر الثالث: تعود الرجعية التي تزوجها زوجها على ما بقي لها من عدد الطلاق. أي أنها ترجع إلى زوجها الأول، فإن كان طلقها طلقتين فراجعها، ترجع إليه وعليها تطليقتان. فإذا استوفى ما يملك من عدد الطلاق، فطلقها ثلاثًا، حرمت عليه وبانت منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره بنكاح صحيح. فإذا طلق الرجل امرأته تطليقة، ثم راجعها، ثم طلقها تطليقة ثانية، ثم بعد زمن راجعها، ثم طلقها تطليقة ثالثة، وكانت في العدة، فهل له أن يراجعها بعد تطليقة ثالثة ولو كانت في العدة؟ الجواب: لا، إن طلقها التطليقة الثالثة ولو كانت في العدة، فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. ولابد أن يكون هذا النكاح صحيحًا، ولابد أن يكون هذا النكاح قد حصل فيه الوطء الصحيح الذي يحصل بارتقاء الختان بالختان، الذي تثبت فيه أحكام الإحصان، وكذلك أحكام الزوج مع زوجته في وجوب الغسل، وكذلك في إفطار أو في إفساد الصوم على الصائم، والحج على الحاج، إلى غير ذلك من الأحكام. فلابد من أن يطأها، أن يتزوجها زوج غيره زواجًا صحيحًا لا بقصد التحليل، ولكن بقصد إرادة الزواج بها، وأن يطأها كذلك، لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه سائل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت بآخر فطلقها قبل أن يدخل بها، فهل تحل لزوجها الأول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، حتى تذوق عسيلته»، والعسيلة معناها على الصحيح من أقوال أهل العلم لذة الجماع، كما فسرها بذلك غير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى. قالوا: وذلك يكون بتغييب الحشفة في فرج المرأة. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ويكون بهذا انتهينا من هذا الباب، وندخل بإذن الله تبارك وتعالى في درس لاحق في الباب الخامس في الإيلاء.