شرح الشمائل المحمدية 53

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 53، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

شمائل النبي: كلامه وضحكه وصفاته الخلقية مع نقد الأسانيد

يصف هذا المحور كيفيّة كلام النبي صلى الله عليه وسلم بالفصاحة والتكرار للتفهيم، ويصنّف ابن القيم ضحكه إلى تبسم فقط مع ذكر صفات عينيه وساقيه من حديث ضعيف. ثم ينتقل إلى نقد أسانيد الشمائل وبيان حال رواة كابن لهيعة والليث بن سعد، والفرق بين تصحيح الألباني وتضعيف الوادعي، مع التنبيه على أثر ترك المعاصي في الحفظ.

فقه تولية المناصب وحديث آخر أهل الجنة دخولاً

يعرض المحور رفض النبي صلى الله عليه وسلم تولية أبي ذر الإمارة لعلمه بضعفه، مقراً قاعدة عدم تولية الطالب، ومقارناً ذلك بتولية خالد بن الوليد للكفاءة. ثم يورد حديث أبي ذر عن آخر الداخلين الجنة وكيف تُبدل سيئاته حسنات، وضحك النبي من قول الرجل عن ذنوبه غير الظاهرة.

رواية أبي ذر لضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه

يختص هذا المحور برواية أبي ذر رضي الله عنه التي أخرجها الإمام مسلم، حيث حدثهم النبي بحديث وضحك في نهايته حتى بدت نواجذه. ويشير المتحدث إلى الاكتفاء بذكر هذا القدر من الحديث الشريف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، أعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، باب: كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذكر الترمذي رحمه الله تعالى في هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام فصل يحفظه من جلس إليه». وهكذا أيضًا حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثًا لتُعقل عنه». وهذا الحديثان منهما ما هو في البخاري ومسلم، ومنهما ما هو في البخاري، فهما حديثان ثابتان صحيحان. وذكر حديث أيضًا لعلي أو الحسن بن علي عندما سأل خاله هند بن أبي هالة، ولكن الحديث تقدم أنه ضعيف. قال الترمذي رحمه الله تعالى: باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: كيف كان ضحكه عليه الصلاة والسلام. هنا إذا ذكرها الشارح - وهو من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى - قال رحمه الله في زاد المعاد: «وللضحك أسباب عديدة، أحدها: أن يضحك مما يضحك منه، وهو ما يتعجب من مثله ويستغرب وقوعه ويستندر». يعني: ما هو سبب الضحك؟ إذا ضحك الشخص، يقول: هناك أسباب، من هذه الأسباب التعجب، يعني: شيء يتعجب منه، وشيء يندر وقوعه، فربما ضحك منه الشخص، وهذا يسمى ضحك التعجب والاستغراب. والثاني: ضحك الفرح، وهو أن يرى ما يسره أو يباشره، يعني: إذا الإنسان فرحان ومسرور، وقد حصلت له نعمة، مثلًا أن يأتيه ولد، أو يتزوج ويهنئه الناس، أو يأتي من سفر ويهنئه الناس بالسلامة، فكل هذا من أسباب ماذا؟ الضحك. وليس معنى الضحك أن يضحك بصوته، وإنما المراد به التبسم، وأن يكون يظهر ذلك في وجهه أنه فرحان ومسرور، ولا يعرف ذلك إلا بماذا؟ إلا بأن يبدي التبسم للآخرين، فيعرف الناس أنه ضحك لفرحه. والثالث: ضحك الغضب، وهو أن يضحك الإنسان وهو غضبان، قال: «وهو كثيرًا ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه أو مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه بالقدرة على خصمه وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب وإعراضه عن من أغضبه وعدم اكتراثه به». إذن هذه أسباب الضحك، ثلاثة ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى: ضحك التعجب والاستغراب، وضحك الفرح والسرور، وضحك الغضب، وهو أن يضحك من شيء هو قادر على ماذا؟ على فعله، لكنه ملك نفسه عند القدرة على أن يجازي خصمه كما فعل، وهذا يسمى ضحك الغضب. إذن هذا ما جاء في الضحك، والنبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي من الحديث أن ضحكه كان تبسمًا. قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، وتقدم معنا أنه ثقة حافظ، قال: حدثنا عباد بن العوام، وهو ثقة، قال: أخبرنا الحجاج، وهو ابن أرطأة، والحجاج صدوق كثير الخطأ والتدليس، عن سماك بن حرب، وهو صدوق، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كان في ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم حموشة»، والمراد بالحموشة هنا: دقة في الساقين. «وقال: كان لا يضحك إلا تبسمًا». فكنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين، وليس بأكحل. ومعنى أكحل العينين: أن في الأجفان سوادًا، حول الأجفان سواد كالذي عمل الكحل، المعروف أن الشخص إذا كحل، إذا وضع الكحل على عينيه، يبدو ماذا على أجفانه؟ السواد، تبدو الأجفان سوداء من الكحل. وهذا يقول الراوي: إذا نظرت إلى النبي عليه الصلاة والسلام قلت: أكحل، يعني: كأنه كحل، يعني هذا من ذاته طبيعة، طبيعة كأنه عندما تنظر إلى عينيه كأنه أكحل، وليس بأكحل، أي لم يضع الكحل على عينيه، وإنما هذا من زيئه فيه. والمعلوم أيضًا أن الكحل من باب الزينة يضعه الشخص على عينيه من باب الزينة، ولهذا النساء يضعن الكحل على عيونهن، وأنت ترى ربما هذا في بعض الأشخاص كأنه ماذا؟ كأنه قد كحل عينيه، وهو لم يصنع ذلك، وإنما يكون هناك حول الأجفان سواد من الله خلقه. والنبي عليه الصلاة والسلام قد كحل أيضًا كما تقدم معنا، وكان يضع الكحل على عينيه، وكان يجعلهما ثلاثًا، والكحل أيضًا فيه حفظ لصحة العين. لكن إسناد هذا الحديث ضعيف، وضعفه الألباني رحمه الله تعالى في مختصر الشمائل برقم مئة وثلاثة وتسعين. وقال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، وهو عبد الله، قاضي مصر، تولى القضاء في مصر، وهو حضرمي، الحضارم وصلوا إلى مصر، وصلوا إلى الأندلس، وإلى المشرق والمغرب، ومنهم القضاء والعلماء، منهم القضاء وأيضًا العلماء. هذا قاضي مصر عبد الله بن لهيعة، تولى القضاء، قالوا: إنه لما تولى القضاء ساء حفظه، لكن من روى عنه قبل ذلك، أي قبل توليه القضاء وقبل أن يسوء حفظه، فيكون صحيحًا، أي يكون الحديث صحيحًا أو حسنًا، وهم أربعة نفر ذكرهم العلامة الألباني، وقال لهم: العبادلة، العبادلة إذا رووا عن عبد الله بن لهيعة فإنه ماذا؟ يحسن حديثه. الألباني أخذ بهذه القاعدة يصحح حديث عبد الله بن لهيعة الحضرمي إذا روى عنه العبادلة. وقيل: إنه ماذا؟ احترقت كتبه، فصار يلقن، صار يلقن، والكلام فيه طويل، ذكره الحافظ رحمه الله تعالى في التهذيب. ولكن شيخنا مقبل رحمه الله يرى ضعفه، يرى أن حديث عبد الله بن لهيعة لا يرتقي إلى الحسن ولا إلى الصحة، فهو ضعيف من قبل ومن بعد. قال: عن عبيد الله بن المغيرة، وهو ابن معيقيم، صدوق، قال: عن عبد الله بن الحارث بن جزء، هكذا ضبط: ابن جزء، وليس جزء، جزء بفتح الجيم وإسكان الزاي، ابن جزء. قال: «ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم». الحديث صححه الألباني رحمه الله برقم مئة وأربعة وتسعين في الشمائل. هذا الحديث واضح أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر من التبسم وإظهار البشاشة في الوجه، وهذا خلقه عليه الصلاة والسلام، ولهذا كان إذا غضب عرف الغضب في وجهه، يعني: يحمر وجهه عليه الصلاة والسلام، فيعرفون ذلك منه، وهو قليل ما يغضب إلا إذا انتهكت حرومات الله، وما كان يغضب عليه الصلاة والسلام لنفسه، ولكن إذا انتهكت الحرومات غضب النبي عليه الصلاة والسلام لله جل وعلا. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم ذو بشاشة عند اللقاء، ويكثر من التبسم لإخوانه. قال رحمه الله: وحدثنا أحمد بن خالد الخلال، وهو ثقة، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحاني، هكذا ضبط، وقيل: السيلحيني بألف، وهو صدوق، قال: حدثنا الليث بن سعد، وهو أبو الحارث الفهمي، والليث كما قالوا: أفقه من من؟ من مالك. هو ثقة ثبت فقيه إمام، أوصافه في هذا كثيرة، إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، وفقيه من الفقهاء. وأيضًا قالوا: إن الليث كان إذا أهدى له أحد شيئًا رده بمثله ذهبًا، رحمه الله تعالى، وهذا من باب ماذا؟ رد الوفاء بما هو أحسن وأجزل منه، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي العطاء ولا يخشى الفقر، صلى الله عليه وسلم، وأيضًا إذا أهدى له أحد شيئًا أو استدان من أحد شيئًا أعطاه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأحسن في الوفاء، أحسن عليه الصلاة والسلام في الوفاء، ورد الهدية بما هو أحسن منها. قال: عن يزيد بن أبي حبيب، ثقة فقيه، عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: «ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسمًا». وهذا أيضًا الحديث بهذا الإسناد صحيح، وصححه الألباني رحمه الله، وهذا واضح أيضًا: الضحك من النبي عليه الصلاة والسلام كان هو ماذا؟ بمعنى التبسم. لكن سيأتي في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يضحك حتى تبدو نواجذه، وسيأتي شرح ماذا؟ أن النواجذ المراد بها في الأحاديث التي ستأتي في هذا الباب. قال رحمه الله: وحدثنا أبو عمار، وهو الحسين بن حريث، وهو ثقة، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح، أبو سفيان، ووكيع إمام، وكيع أيضًا كان آية في الحفظ، حتى سأله الشافعي رحمه الله تعالى عن أنه ما يحفظ مثل ما يحفظ وكيع وغيره من العلماء. قال: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصٍ»، أو لا يهدى لعاصٍ. ويقول الإمام أحمد رحمه الله في وكيع: «حفظ وكيع طبع، وحفظنا تكلف». وهذا شهادة منه لهذا الإمام الذي كان يحفظ، رحمه الله تعالى، وحفظه طبع، وقليل أن ينسى شيئًا، هذا وكيع رحمه الله، وكان أيضًا من العلماء الذين أوتوا الفهم، وتجده أيضًا في كتب الفقه من له أقوال مشهورة. قال: حدثنا الأعمش، ما اسم الأعمش؟ سليمان بن مهران، وكان أيضًا ذو دعابة، وقد مر يومًا رحمه الله تعالى هو وإبراهيم النخعي على قوم جالسين، وكان الأعمش معلومًا أنه فيه ضعف في البصر لا يرى، يقولون: في الليل، والآخر كان أيضًا فيه ضعف في البصر، فمروا عند جماعة، وقبل أن يأتوا إليهم يقول له: يا با سليمان، يقول للأعمش: يا سليمان، دعنا نمر من هذا الجانب ولا نأتي هؤلاء، فربما يغتابوننا ويتكلمون علينا. فقال: «دعهم، وما لك بهم؟ إنهم سيأثمون ونحن سنغنم، نغنم ويأثمون». قال: سبحان الله، بل نسلم، أو بل نغنم ويسلمون، أفضل مما نغنم ويأثمون. ثم بعد ذلك أخذه ومروا من طريق آخر. وهذا من فقه هذا الإمام الذي يحب الخير للناس، الشخص إذا رأى جماعة سيتكلمون عليه ويغتابونه عند مرورهم به، لأن هناك من الناس من هو سفيه، ربما يتكلم على هذا الشخص الذي مر، يقول: انظروا هذا، كيف هذا، السمين، هذا دب، كما يقال عندنا، هذا أسود، هذا كذا، سفهاء يجلسون ويضحكون، فما أراد هذا لهؤلاء أرادهم أن يسلموا من الغيبة والكلام. طبعًا هم لما سيمر عليهم ما سيظهرون لك هذا الكلام بصوت عال، وإنما سيتضاحكون بينهم ويتغامزون بينهم، فيأثمون بذلك. فقال له: سبحان الله، بل نغنم ويسلمون، يعني: الأولى أن نمر من طريق آخر ولا نمر عند هؤلاء السفهاء الذين سيغتابوننا. قال: عن المعرور بن سويد، ووثقه، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، ما اسمه أبو ذر؟ من يقول: أبو ذر، ما اسمه؟ جندب بن جنادة، أين توفي؟ في الربذة، أحسنت، توفي في الربذة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر». رواة الترمذي: «أصدق لهجة من أبي ذر». ومع ذلك هو صادق وأمين، صادق وأمين، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يوله شيئًا من الإمارة، مع أنه جاء يطلبها، يقول: يا رسول الله، ولني وأمرني، ولني على بعض الأعمال وأمرني على بعض الأعمال، هذا من باب التعاون، والشخص ربما يرى في نفسه الأهلية لذلك. والنبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال له؟ يا أبا ذر، لما سأله الإمارة: «إني أراك ضعيفًا، إني أراك ضعيفًا، فلا تولين على اثنتين، ولا تولين مال يتيم». احذر من الإمارة، أمرها خطير. وهذه المعلومة أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعطيها من ماذا؟ من طلبها، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنا لا نولي هذا الأمر من سأله». من سأل الإمارة أو الولاية لا يعطيه النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك علم النبي عليه الصلاة والسلام من حال أبي ذر أنه لا يقوى على هذا الأمر، فقال: يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، فلا تولين على اثنتين، بل حتى على مال يتيم. وولّى النبي عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد، مع أنه قتل بني جذيمة، لما قالوا: صبأنا صبأنا، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، والنبي عليه الصلاة والسلام ما زال يوليه الجيوش، لأنه ماذا قال فيه؟ «سيف من سيوف الله». والنبي عليه الصلاة والسلام ولاه للمصلحة، وأن خالدًا يصلح لهذا الأمر، وهو تولية الجيوش، ما يتولى أحد مثل هذا البطل ومثل هذا الأسد، مع أنه رضي الله تعالى عنه لما قتل في بني جذيمة وسباهم، والنبي صلى الله عليه وسلم ودّعه بعد ذلك، أنه كان متأولًا، يعني: ما سمع منهم كلمة التوحيد، وهو يدعوهم إلى الإسلام، وهم يقولون: صبأنا صبأنا، ما قالوا: أسلمنا أسلمنا، وأنزل الله عز وجل تلك الآيات. على كل، الشاهد من هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أثنى على كثير من الصحابة، أثنى على خالد، وأثنى على كذلك أبي ذر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يولي من علم أنه يصلح للإمارة أو للمسؤولية. يقول أبو ذر رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: أَعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَأَخْفُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مُقِرٌّ لَا يُنْكِرُ، مُقِرٌّ أَنَّهُ عَمِلَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا، هَذِهِ الصَّغَائِرُ، دُونَ الكِبَارِ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِهَا، فَيُقَالُ: أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةً، أَيْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتُرُهَا عَلَيْهِ، وَمَا تُنْكَشُ تِلْكَ الكِبَارُ، بَلْ يَسْتُرُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَيَغْفِرُهَا لَهُ، وَيُبَدِّلُ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ إِلَى حَسَنَاتٍ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ. فَيَقُولُ: إِنَّ لِي ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا هَهُنَا، مَا أَرَاهَا فِي تِلْكَ الصُّحُفِ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِ». قال أبو ذر: «فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ». ضحك من ماذا؟ من هذا الرجل، هو مشفق من الكبار ما جاءت الكبائر، وكانت تعرض عليه الصغائر واحدة واحدة، وهو مشفق من الكبار أن ينفضح بها، لكن سبحان الله يفاجأ يُقال: بدّلوا هذه السيئات إلى حسنات، سبحان الله، يقول: بقي لي ذنوب ما شفتها، كما يقال: خلها، خلها، الحمد لله ربك ستر، وبدل السيئات حسنات، والحمد لله، فالنبي عليه الصلاة والسلام ضحك من ماذا؟ من مقالة هذا الرجل. قال أبو ذر، والنبي عليه الصلاة والسلام حدثهم بهذا الحديث، وفي آخره ضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. وهذا الحديث رواه الإمام مسلم. نكتفي إن شاء الله بهذا القدر.