التبيان في آداب حملة القرآن 6

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 6، ألقاها

فضل قراءة القرآن الكريم وتأكيد أهميته

يشرح هذا الفصل الأحاديث النبوية التي تبين فضل قراءة القرآن الكريم، حيث تكتب لكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها. كما يوضح أن قراءة القرآن تعتبر من الأعمال المفضلة التي لها أجر عظيم.

أهمية تلاوة القرآن والعمل به وتأثيره يوم القيامة

يتناول هذا الفصل شرح أحاديث نبوية حول أهمية تلاوة القرآن والعمل به، ويبين أن صاحب القرآن يكرم يوم القيامة بقراءة القرآن والارتقاء درجات في الجنة. كما يوضح صحة بعض الأحاديث وضعف أخرى.

تفضيل قراءة القرآن والعمل به عند التزاحم مع الأعمال الأخرى

يشرح هذا الفصل كيفية تقييم الأولويات بين الأعمال الخيرية مثل الجهاد وقراءة القرآن، ويبين أن الجمع بين خيرين هو الخيار الأمثل إذا أمكن ذلك. كما يؤكد على أهمية قراءة القرآن والعمل به في حياة المسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: قال وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: ألف لام ميم حرف، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف» رواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. والحديث قد روي موقوفًا ومرفوعًا، وجماعة من حفاظ الحديث يرجحون الموقوف، إلا أن طائفة من أهل العلم يقولون: الموقوف له حكم الرفع، أي وإن كان موقوفًا سندًا إلا أنه مرفوع حكمًا. وكما ترون فيه فضيلة عظيمة لمن قرأ القرآن، لأنه جاء في هذا الحديث «من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها». ثم قال: لا أقول ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف، فدل هذا على عظيم فضل قراءة القرآن. بمعنى أن الإنسان لو قرأ، مثلا إذا قرأ في مجلس نصف جزء أو قرأ ورقتين أو ثلاث ورقات، أو حزبًا أو حزبين، أو نصف حزب، أو ما شابه ذلك من القرآن، فله في كل حرف -يعني ألف لام ميم هذه ثلاثة حروف- وكل حرف له فيها، بإذن الله عز وجل، حسنة. والحسنة بعشر أمثالها، فانظر إلى الفضل العظيم في تلاوة كتاب الله جل وعلا. الحرف الواحد حسنة يضاعفها الله جل وعلا إلى عشر حسنات. فإذا قال إنسان: قرأ ألف لام ميم، فيكتب له عند الله عز وجل، بإذن الله رب العالمين جل وعلا، يكتب له الثلاثون حسنة بقوله ألف لام ميم، إذن ثواب عظيم وأجر عظيم وفضل عظيم لمن وفقه الله جل وعلا لتلاوة كتابه الكريم. قال رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الرب سبحانه وتعالى: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله سبحانه وتعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وهذا الحديث كما ذكر قد رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، إلا أنه من طريق عطية العوفي، وعطية العوفي ضعيف عند العلماء، عند أكثر علماء الحديث رحمهم الله. وهذا الحديث لا يصح لأنه من طريق عطية العوفي فهو ضعيف، وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. الشاهد من هذا أن هذا الحديث لا يصح. قد يقول قائل: فلماذا ذكره الإمام النووي رحمه الله؟ فالجواب عن ذلك بجوابين: الأول أن يقال: بأن النووي رحمه الله تعالى رأى أن هذا الحديث لا ينزل عن رتبة الاحتجاج باعتبار ما رأى من الشواهد في الباب. وجواب آخر بأن يقال: لعل النووي رحمه الله تعالى ذكره تبعًا للقاعدة المذكورة في المقدمة، وهي أن الأحاديث في فضائل الأعمال فإنه يتوسع فيها ما لا يتوسع في أحاديث الأحكام. قال: وعن ابن عباس رضي الله عنه ما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وهذا الحديث أيضًا فيه ضعف لأنه من طريق قابوس بن أبي ظبيان، وقابوس فيه ضعف، فالحديث ضعيف لأجله. وإن كانت المعاني المذكورة صحيحة، المعاني المذكورة صحيحة. بمعنى: يعني إنسان إذا كان صدره خاليًا من كلام الله جل وعلا، ليس فيه آية أو آيتين أو ثلاث أو أكثر من كلام الله جل وعلا، فكيف حال هذا الصدر؟ وكيف حال هذا القلب؟ إلا هو كالبيت الخرب مظلم، والعياذ بالله. صدر ليس فيه من كتاب الله جل وعلا شيء، فهو كالبيت الخرب. المعنى صحيح، ولكن الكلام من حيث الإسناد وصحة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم بالصنعة الحديثية أنه لا يصح. قال: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرأ» رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهذا الحديث حسن كما قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، بل قد صححه جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله. والشاهد منه واضح: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ لصاحب القرآن» من هو صاحب القرآن؟ كما تقدم من اصطحب القرآن وصار القرآن كالصاحب له الذي لا يفارقه، لكثرة تلاوته للقرآن ولكثرة عمله بالقرآن، فهو كالصاحب له. فالنبي صلى الله عليه وسلم «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرأ» أي أنه في درجات يصعدها ويرتقي إليها بحسب ما كان يقرأ في هذه الدنيا من كتاب الله جل وعلا، وبحسب ما كان ملازمًا لتلاوة كتاب الله جل وعلا، ولفقه كتاب الله جل وعلا، وللعمل بمقتضى كتاب الله جل وعلا، فهو من أهل القرآن. فإذا جاء يوم القيامة كان من إكرام الله جل وعلا له أن يقول له على رأس الخلائق وأمام الملأ، إكرامًا وإجلالًا لهذا العبد: «اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا». والجزاء من جنس العمل، والله ذو الفضل العظيم، والله شاكر عليم يشكر العبد فيعطيه من الأجر والثواب والإكرام فوق ما عمل بكثير. قال رحمه الله تعالى: وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجًا يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، فما ظنكم بالذي عمل به» وهذا الحديث قال: رواه أبو داود. وهذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره، لكن جاء بنحو من حديث أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه، وجاء كذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عند الترمذي وغيره أيضًا بإسناد حسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، فيقال: حلة فيكسى، أو فيعطى تاجًا، فيقال: زدهم فيلبس حلة، فيقال: أكرمهم فيزداد ثوابًا وأجرًا» يعني: معنى الحديث. قال: ثم يقال له: «اقرأ ورتل وارتق، فإن لك بكل آية كنت تقرأها في الدنيا حسنة». الحديث بمعنى هو حديث حسن. الشاهد فيه هذا المعنى، أي معنى إلباس التاج لقارئ القرآن. وجاء في حديث أبي أمامة بنحوه: بأن أبويه يلبسان حلتين، يلبسان حلتين تضيء لهما الدنيا، أو كما قال. ففيه كما تسمعون أيضًا فضل عظيم لقارئ القرآن، بل وإن ذلك الفضل يتعدى إلى والديه. قال: وروى الدارمي بإسناد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «اقرأوا القرآن، فإن الله تعالى لا يعذب قلبًا وعاء القرآن. وإن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن، ومن أحب القرآن فليبشر» هذا أثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه موقوف، موقوف عليه. وعزاه الإمام النووي رحمه الله تعالى إلى الدارمي، والمحقق عندنا يقول: لم يقف عليه، فالله أعلم. وفيه معنى ما تقدم ذكره: «اقرأوا القرآن، فإن الله تعالى لا يعذب قلبًا وعاء القرآن» وعاء القرآن، أي حفظه وعمل بمقتضاه، حفظه وعمل بمقتضاه. فإن من كان كذلك فإن الله جل وعلا يحفظه بحفظه. «وإن هذا القرآن مأدبة الله تعالى، فمن دخل فيه فهو آمن» أي الله جل وعلا يدعو إليه، يدعو إليه ويرغب فيه، أي في قراءة القرآن. ومن دخل في هذه المؤدبة التي دعا الله جل وعلا إليها فهو آمن، باعتبار أنه عمل بما أراد الله جل وعلا وبما أمر الله جل وعلا. «ومن أحب القرآن فليبشر» لأنه لا يحب القرآن إلا قلب مؤمن، لا يحب القرآن إلا قلب مؤمن. قالوا عن عبد الحميد الحماني قال: سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرأ القرآن؟ قال: يقرأ القرآن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وهذا جواب من الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى بناء على الحديث المذكور الذي مر معنا من حديث عثمان. والأقرب في هذه المسألة والله أعلى وأعلم: أي في تفضيل الأعمال، أن كل عمل كان متعديًا وكان الناس إليه أحوج فإنه يكون عند التزاحم أفضل من غيره. عند التزاحم يكون أفضل من غيره، فمثل الجهاد في سبيل الله والنفير في سبيل الله والرباط في سبيل الله إذا احتيج إلى ذلك يكون أفضل من قراءة القرآن، والعكس بالعكس إن لم يكن كذلك فقراءة القرآن أفضل، هذا عند التزاحم. أما إن استطاع أن يجمع بين أمرين فهو جمع بين خيرين وهو الأولى. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على