شرح تطهير الإعتقاد 8

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 8، ألقاها

تقسيم التوحيد وأقسامه

يناقش تقسيم التوحيد إلى أقسام مختلفة كما ذكرها العلماء، حيث قسم الإمام الصنعاني التوحيد إلى قسمين بينما قسمه بعض العلماء الآخرين إلى ثلاثة أقسام. يشرح الأساس الذي اعتمده العلماء في تقسيم التوحيد استنادًا إلى كتاب الله وسنة رسوله.

توحيد الربوبية والألوهية وتقريرهما

يناقش مفهوم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، حيث يبين أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولكنهم أشركوا في توحيد الألوهية. يشرح أن الرسل بُعثوا لتقرير توحيد الربوبية ودعوة الناس إلى توحيد الألوهية.

أهمية توحيد الألوهية وتحذير من الشرك

يشرح أهمية توحيد الألوهية في الدعوة الإسلامية ويحذر من الشرك بالله تعالى، حيث يبين أن الرسل بُعثوا لدعوة الناس إلى توحيد العبادة. يُفصل الكلام حول معنى "لا إله إلا الله" ويحذر من اتخاذ الشفعاء شركا بالله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، الأصل الثالث - أي من الأصول التي قدم بها في هذا الكتاب - قال رحمه الله تعالى: الأصل الثالث أن التوحيد قسمان. أن التوحيد قسمان، القسم الأول توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، ومعناه أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرزاق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكًا، بل هم مقرون به كما سيأتي في الأصل الرابع. والقسم الثاني توحيد العبادة، ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات التي سيأتي بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء. ونفض الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى. قوله رحمه الله تعالى: الأصل الثالث أن التوحيد قسمان، وعلى هذا جرى العلماء المتقدمون رحمهم الله تعالى من تقسيم التوحيد إلى قسمين: إلى توحيد الربوبية وإلى توحيد الإلهية. وذلك لأن القوم الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، بل والرسل قبله، كانوا يقرون بنوع من أنواع التوحيد وهو توحيد الربوبية، ويشركون في النوع الآخر، وهو توحيد الألوهية. فبيَّن العلماء رحمهم الله تعالى ما هو التوحيد الذي بعث الله جل وعلا به الرسل، وما هو التوحيد الذي كان يقر به المشركون الذين بعث إليهم الرسل. ولما حصل ما حصل في هذه الأمة بعد القرن الثالث من ظهور الجهمية وتعطيل أسماء الله جل وعلا وصفاته، احتاج العلماء رحمهم الله تعالى إلى بيان نوع ثالث من أنواع التوحيد، وهو توحيد الأسماء والصفات. وإلا في الحقيقة فإن توحيد الأسماء والصفات داخل في توحيد الربوبية، إذ هو من التوحيد العلمي. لأن التوحيد ينقسم إلى قسمين: إلى توحيد إرادي طلبي، وإلى توحيد هو توحيد المعرفة، توحيد العلم. وتوحيد القصد والطلب هو توحيد الألوهية، الذي حقيقته إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة. وتوحيد المعرفة أو توحيد العلم أو التوحيد العلمي يدخل فيه توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، لأن بابهما العلم. بخلاف توحيد الألوهية، فإن بابه القصد والطلب، العمل. فالحاصل أن تقسيم العلماء رحمهم الله تعالى التوحيد إلى هذه الأقسام - سواء إلى تقسيم ثنائي كما ذكره الإمام الصنعاني، أو إلى تقسيم ثنائي بالمعنى الآخر الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم وطائفة من العلماء - أي تقسيم التوحيد إلى توحيد علمي و توحيد طلبي، ويدخل فيه كل واحد منهما ما سمعتموه. أو إلى تقسيم التوحيد إلى التقسيم الثلاثي: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، كل هذه التقاسيم التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى دليلهم على ذلك الاستقراء والسبر، دليل استقراء لكتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولما كانت الحاجة إلى بيان هذه الأنواع من التوحيد، احتاج الأئمة رحمهم الله تعالى والعلماء إلى بيان هذا التقسيم، وإلى توضيح هذا التقسيم، وإلى تجلية هذا التقسيم؛ ليعلم الحق فيتبع، ويعلم الباطل فيجتنب، ويعلم كذلك التوحيد وأنواعه، ويعلم التوحيد الذي بعثت به الرسل. لذا قال الصنعاني رحمه الله تعالى ها هنا: القسم الأول توحيد ربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، وهو المسمى بتوحيد الربوبية، وهو إفراد الله تبارك وتعالى بأفعاله، أو إفراد الله تبارك وتعالى بالخلق والرزق والتدبير. قال: ومعناه أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، بل هم مقرون به. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ﴾، فهم يقرون بأن الله تبارك وتعالى الخالق للمخلوقات، وأن الله تبارك وتعالى هو الرازق للمخلوقات، وهو المدبر كذلك للمخلوقات. كما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم إذا طافوا بالبيت: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". فهذا دعاء المشركين، وهذه تلبية المشركين، فهم يقرون بأن آلهتهم مخلوقة مربوبة لله رب العالمين جل وعلا. قال: بل هم مقرون به كما سيأتي في الأصل الرابع. فهم يقرون بهذا النوع أو هذا القسم من أقسام التوحيد، توحيد الربوبية. يقرون به. ومن باب التنبيه، فرقٌ بين أن يقال: يقرون به، وبين أن يقال: بأن المشركين يوحدون الله تبارك وتعالى توحيد الربوبية. فرقٌ بين اللفظين، بين أن يقال: بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، وبين أن يقال: بأن المشركين يوحدون الله تبارك وتعالى توحيد الربوبية. فهم يقرون ولا يوحدون، إذ لو وحدوا الله تبارك وتعالى ما أشركوا معه غيره. قال رحمه الله تعالى: والقسم الثاني توحيد العبادة، ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات التي سيأتي بيانها. فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء. أي هذا النوع وهذا القسم من التوحيد هو الذي جعلوا لله فيه شركاء، أي أشركوا مع الله تبارك وتعالى في هذا النوع وفي هذا القسم. بينما القسم الأول هم مقرون بأن الله تبارك وتعالى الخالق وحده، الرازق وحده، المدبر وحده سبحانه وتعالى، ولكن أشركوا في عبادة الله جل وعلا، عبدوا غير الله جل وعلا. قال رحمه الله: ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى. أي هم يقرون بأن الله موجود، بأن الله خالق، نافع، ضار، إلى غير ذلك من معاني الربوبية، إلا أنهم أشركوا معه غيره. قال رحمه الله تعالى: فالرسل عليهم السلام بعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني. وعلى هذه النسخة الكلام يكون واضحًا مستقيمًا. فهم - أي الرسل - بعثوا لتقرير الأول والدعوة إلى ماذا؟ إلى الثاني. لماذا؟ لأن الثاني هو الذي وقع فيه الخلاف والنزاع، وهو الذي وقع فيه الشرك، بخلاف الأول، فإن الرسل جاءت لتقريره وإرسائه وتثبيته. وإنما وقعت الدعوة إلى الأمر الثاني، ما هو الأمر الثاني؟ الدعوة إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة وحده لا شريك له. ومن هذا يعلم ويستفاد أن الداعي إلى الله تبارك وتعالى عند المحاجة لغيره إذا احتج عليه المبطل بشيء من الحق، فإنه يقرر الحق ويبين الحق، ويبين ملازمة الحق للحق الذي عنده، وأن الحق يدل على الحق، ولا يدل أبدًا على الباطل. وهذا من هذا الباب، فالله تبارك وتعالى احتج عليهم بتوحيد الربوبية الذي أقروه على توحيد الألوهية الذي نازعوا فيه. وآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا يحتج بها ربنا تبارك وتعالى على المشركين بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. ومن ذلكم أول أمر في ترتيب القرآن في قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. فاستدل ربنا تبارك وتعالى عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية على توحيد الألوهية. لذا قال رحمه الله: قال فالرسل عليهم السلام بعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني، بمثل قولهم في خطاب المشركين: أي قول الرسل في خطاب المشركين: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾، أي أتشكون بوجود الله؟ أتشكون بأن الله هو الخالق، هو الرازق، هو المدبر؟ وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، وهذا كذلك فيه تقرير لما تقدم مما هو مقرر عندهم. قال: وتنهاهم عن شرك العبادة. ولذا قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فأفاد بقوله: "في كل أمة" أن جميع الأمم لم تُرسل إليهم الرسل وتُبعث إليهم إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم وأنه رب السماوات والأرض، فإنهم مقرون بهذا. وفي هذا حجة على من لم يُفرق بين أنواع التوحيد. وإذا قيل له: ما معنى "لا إله إلا الله"؟ قال: "لا خالق إلا الله"، أو قال: "لا رازق إلا الله"، أو قال: "لا مُدبر إلا الله"، هذا ما عرف التوحيد، إذ أن هذه المعاني تُقر بها الأمم المشركة، تُقر بأنه لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله، لا مُدبر إلا الله. فإذا كان كذلك، فلماذا دعت الرسل الأمم إلى شيء هم يقرون به؟ إذا كان معنى "لا إله إلا الله" "لا خالق إلا الله"، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، هم يقرون بهذا، هم يقرون بأن الله تبارك وتعالى هو الخالق. إذن ما هي الدعوة التي بعث بها ربنا تبارك وتعالى رسوله، وأنزل ربنا تبارك وتعالى بها كتبه؟ ما هي هذه الكلمة العظيمة "لا إله إلا الله"؟ معناها كما هو معلوم عند أهل الحق: "لا معبود بحق إلا الله"، أي لا يستحق العبادة أحد إلا الله. قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. فكل من دُعي سوى الله تبارك وتعالى، فدعوته باطلة، وعبادته كذلك باطلة. ولهذا لم ترد الآيات في الغالب إلا بصيغة استفهام التقرير، نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، وهذا استفهام تقريري، أي بمعنى التقرير لشيء هو مقرر. قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، استفهام تقرير لهم؛ لأنهم به مقررون، أي مقررون بماذا؟ بأن الله تبارك وتعالى هو رب كل شيء ومليكه. قالوا: بهذا يعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها ولم يتخذوا المسيح وأمه ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى؛ لأجل أنهم أشركوهم في خلق السماوات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفا، كما قالوه. فهم مقرون بالله في نفس كلمات كفرهم، وأنهم شفعاء عند الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء الشركا، ونزه نفسه عنهم؛ لأنهم لا يشفعون عنده لأحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئا. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على