الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 39، ألقاها
يناقش حكم قول "الله الله" وتكرار لفظ الجلالة بدون إخبار أو معنى، ويبين أن هذا القول ليس بكلام مفيد ولا توحيد شرعي.
ينتقد تقسيم الناس للتوحيد إلى أقسام والذكر الخاص للخاصة، ويبين بطلان هذا التقسيم لعدم وجود دليل شرعي عليه.
يشرح أهمية تنزيه الله عن النقص ويبين أن الذكر المشروع هو "لا إله إلا الله" الذي يتضمن نفيًا وإثباتًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: وفي صدد ما أورد عليه من بعضهم من أن بعض الناس ربما حصل لهم ما حصل من الاعتقادات الفاسدة، وذلك له أسباب من جملتها ما يرونهم من المجاذيب من أفعال، وكذلك حركات في نظرهم أنها من الخوارق التي لا يؤتاها إلا ولي. فذكر رحمه الله تعالى أن هذه الأفعال وتلك الأحوال إنما هي أحوال وأفعال شيئًا، فقال رحمه الله تعالى: «فهم من أجناد إبليس، ومن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم الشياطين حُلَلَى التَّلْبِيس. فإن إطلاق لفظ الجلالة منفردًا عن إخبارٍ عنها، بقولهم الله الله، ليس بكلامٍ ولا توحيد، وإنما هو تلعُّبٌ بهذا اللفظ الشريف بإخراجه عن لفظه العربي، ثم إخلاؤه عن معنى من المعان. ولو أن رجلًا عظيمًا صار يُسمَّ زَيْدًا، وصار جماعةٌ يقولون زَيْد زَيْد، قال لعد ذلك استهزاءً وإهانةً وسخرية، سيما إذا زاد إلى ذلك التحريف اللفظ». قال رحمه الله: «فإن إطلاق لفظ الجلالة -أي الله- منفردًا عن إخبارٍ عنها، بقولهم الله الله، كما هو حال هؤلاء المتصوفة والمجاذيب ومن كان على شاكلتهم وأحوالهم، ممن يرى أن من أعظم الذكر ومن أجله أن يقول إنسان الله الله الله الله، لا يزيد على ذلك. فيقول رحمه الله تعالى: أن هذا ليس بكلام في لغة العرب، ليس بكلام. فإطلاق اسمٍ من دون إضافةٍ إلى لفظٍ آخر، فإنه ليس بكلام؛ لأنه لا يكون مفيدًا؛ لأن الكلام لا يكون مفيدًا، أو أقل ما يتكون منه الكلام كما يقول علماء أن يتكون من كلمتين: من مبتدى وخبر، من فاعل من فعلٍ وفاعل -أي جملة تفيد معنى-. أما إطلاق لفظٍ ليس بمضاف إلى شيءٍ أصلاً، فإن هذا كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنه ليس بكلام؛ لأن الكلام عند العرب ما أفاد معنى». قال الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: «كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقم»، فلابد من الإفادة أن يكون الكلام مفيدًا، إذا لم يكن مفيدًا فليس بكلام. هذا أمر، ثم قال: «ولا توحيد»، أي أن قولهم الله الله الله هذا ليس بتوحيد. أن التوحيد كما أخبر ربنا تبارك وتعالى عن نفسه لا يكون إلا بنفيٍ وإثبات، وذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. آياتٌ كثيرة يبين فيها ربنا تبارك وتعالى أن التوحيد قائمٌ على كفرٍ بالطاغوت وإيمانٌ بالله جل وعلا. قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. أما هؤلاء يجعلون أعظم التوحيد الله، بل من عقائدهم الفاسدة أنهم يقسمون الناس على أقسام ثلاثة، ويجعلون لكل قسم منهم ذكراً يليق به. فيقول: هناك ذكر العامة، وهناك الذكر الخاصة، وهناك ذكر خاصة الخاصة. ذكر العامة أن يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، هذا هو ذكر العامة الذي بعث الله تبارك وتعالى به رسوله، وأنزل به كتبه، وعليه قاتل الرسل من أولهم إلى آخرهم. هذا ذكر العامة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعظم كلمة أو أعظم ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله». أحاديث كثيرة فيها هذا المعنى، وأن لا إله إلا الله أعظم أو من أعظم الذكر. ثم هؤلاء المغرورون يقولون بأن هذا الذكر إنما هو للعامة -أي على سبيل الإزراء والتنقص-. فما هو ذكر الخاصة -وهم القسم الثاني-؟ قالوا: ذكر الخاصة أن يقول: الله الله، لا يضيف إلى شيء، لا يقول: لا إله إلا الله، إنما يقول: الله الله. لماذا؟ قالوا: لأن الإنسان ما يدري قد يقول: لا إله ثم يموت قبل أن يقول: إلا الله، فيموت على ماذا؟ على الإلحاد. هذا من وساوس الشيطان، وإلا ما هو الدليل على هذا القول؟ ما هو الدليل على أن هذا الذكر للخاصة؟ هل فعله الصحابة وقاله الصحابة؟ هل فعله الأنبياء وقاله الأنبياء؟ هل أمر الله جل وعلا به ورغب فيه؟ الجواب: لا. إنما هي الشبه يتعلقون بها، وسوس لهم بها الشيطان، فتمسكوا بها وتعلقوا بها. عندهم ذكر أيضًا هو أعلى من هذا الذكر، وهو ما يسمونه ذكر خاصة الخاصة. فالناس عندهم على ثلاثة أقسام: العامة ذكرهم لا إله إلا الله، الخاصة ذكرهم أن يقولوا الله الله، وخاصة الخاصة ذكرهم أن يقولوا هو -أي بالضمير دون أن يذكروا لفظ الجلالة، ولا أن يضيفوا إليه شيئًا-. يقول شيخ الإسلام نوتيميا رحمه الله وتعالى وغفر له: «والذكر بالإسم المفرد مظهرًا -أي كقولهم الله الله- ومضمرًا -أي كقولهم هو هو- قال: بدعة في الشرع، وخطأ في القول واللغة». قال: «فإن الإسم المجرد ليس هو كلامًا -أي ليس بكلام-؛ لماذا؟ لأنه ليس بمفيد، ومن شرط الكلام أن يكون مفيدًا، كما تقدم عن ابن مالك رحمه الله تعالى: كلامنا لفظ مفيد كاستقم». قال رحمه الله تعالى: «فإن الإسم المجرد ليس هو كلامًا، لا إيمانًا ولا كفرًا، لهو إيمان ولا هو كفر». وهو مطابق لما ذكره الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى بقوله: «ليس بكلام ولا توحيد». وإنما هو ماذا؟ إنما هي وساوس من بدع هؤلاء وخرافاتهم مما زين لهم الشيطان. لذا قال رحمه الله تعالى: «وإنما هو تلاعب بهذا اللفظ الشريف، تلاعب الرجل منهم يقول: الله الله الله الله الله، هكذا. بل ربما لاك الإسم وغير لفظه ومعناه، غير لفظه ومعناه». بقوله رحمه الله تعالى: «بإخراجه عن لفظه العربي»، يعني بعضهم الله الله الله الله الله الله من كثرته ما يعد، يقول الله الله يربط الكلام، هذا أخرجه عن لفظه ماذا؟ وكذلك قال: «ثم إخلاؤه عن معنى من المعان»، أي ليس له معنى، ما تعني بهذه الكلمة؟ الجواب: لا شيء. إذن لا فائدة من هذا الذكر، بل هو ذكر مخترع لا يدخل في الإيمان، ولا يخرج من الكفر. لو أن مسلمًا رأى كافرًا فأراد منه أن يسلم، فقال له: قل الله، هل يسلم بذلك؟ الجواب: لا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا»، وفي رواية: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، لا بد من هذه الشهادة من نفي وإثبات: أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا الرسول الله. المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألم يكونوا يقولون بأن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المدبر؟ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. على قول هؤلاء المشركون ماذا؟ مؤمنون؟ لازم قولهم هذا، بل لازم قولهم أن إبليس -الذي هو أصل الشر- أنه ماذا؟ أنه مؤمن. قال: ﴿رَبِّ انْظُرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أو يقول: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فقولهم قول باطل، وعليه لوازم باطلة. ولو أن إنسانًا كان كافرًا وظن أنه يدخل الإسلام بالله الله فقط، ما دخل الإسلام. وإذا مات على ذلك مات على الكفر. لو أن إنسانًا بقي على هذه العقيدة -أي دخل الإسلام- فقال: الله الله، ومات وهو على هذه الحالة، هذا لم يدخل في الإيمان؛ لأن من شرط الإيمان أن تكفر بالطاغوت وتؤمن بالله. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. العروة الوثقى فسرت بأنها ماذا؟ بأن الإسلام، فقد استمسك بالعروة الوثقى الإسلام. إذن ما ينفعه الله الله، لا بد من نفي وإثبات. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن هذا القول في ذاته إلى جانب أنه لا معنى له لا في اللغة ولا في شرع، ولا له معنى من معاني التوحيد والإيمان والكفر، إلى جانب ذلك ذكر أن هذا لفظ في حد ذاته لفظ فيه معنى الاستهانة بالله تبارك وتعالى. لذا يقول: لو أن رجلًا عظيمًا أميرًا سلطانًا ملكًا من ملوك الأرض اسمه زيد، فجعل إنسان يقول له: زيد زيد زيد زيد، هل هذا يكون مدح له وثناء، أو استهزاء به وتنقص؟ تنقص. ولله تبارك وتعالى المثل الأعلى، وكل نقص تنزه منه المخلوق، فالخالق ماذا؟ أولى بالتنزه منه، أولى بالتنزه منه. هذا من هذا الباب. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.