مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 17

الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 17، ألقاها

أهمية اتباع النصوص الشرعية في العبادات والمعاملات

يناقش أهمية الاعتماد على الكتاب والسنة في العبادات والمعاملات، ويحذر من البدع والاستحسان الفاسد. يشير إلى أن أسعد الناس بشفاعة النبي هم من قالوا لا إله إلا الله مخلصين.

تعريف العلم الشرعي وأهمية حفظ السنة النبوية

يُعرّف العلم الشرعي بحفظ القرآن والسنة وفهمهما، ويُشدد على أهمية حفظ الأحاديث النبوية وفهمها وتدبرها لتجنب الضلال. يُذكر أن النبي دعا بالنضارة لحامل الحديث الذي يفهمه ويبلغه.

تطبيقات فقهية على أهمية فهم السنة، وعدة المتوفى عنها زوجها الحامل

يُناقش اختلاف آراء العلماء في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا، حيث يرى ابن عباس أنها تعتد بأبعد الأجلين، بينما يرى جمهور العلماء أنها تعتد بوضع حملها استنادا إلى حديث سبيعة الأسلمية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبدالبر رحمه الله، كما في جامع بيان العلم وفضله، في كلامه على أصول العين. ومر معنا أن للأصول العلم الكتاب والسنة والإجماع والقياس. الصحيح أن القياس المعتبر هو القياس الجلي، ما كانت علته منصوصا عليها أو مقطوعا بها. الفرق بين الأصل والفرع، هذا هو القياس الجلي، إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما. فما كان القياس فيه كذلك فهو قياس صحيح، لكن لا يصار إليه إلا عند عدم وجود المخصص، عند عدم وجود دليل من الكتاب ومن السنة. والاعتماد عليه دائما هذا يوقع الشرع في الخطأ، يوقع الشرع في الخطأ. ولهذا، كما قال الإمام أحمد رحمه الله، أكثر فضاء الفقهاء من القياس. وأيضا المجمل من القياس، والمجتهدون يقيسون في كثير من المسائل وقد ورد فيها النص، وهذا يسمى عند العلماء قياسا فاسد الاعتبار، يسمى قياسا فاسد الاعتبار. وإنما يصار إليه عند الضرورة وعند الحاجة. وهكذا أيضا الاستحسان، وقد أنكر العلماء الاستحسان، هو أن يستحسن الشرع الشيء بعقله. وهذه فكرة ربما شرع في استحسانه، فجعل هذا حسنا وهذا قبيحا. وقد حذر العلماء من ذلك، كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله: من استحسن فقد شرع، من استحسن فقد شرع. وهذا الباب يتبع باب البدع، باب البدع والمحدثات. كل شرع يأتي ويستحسن شيئا، هذا يستحسن عبادة، وذاك يستحسن ذكرا، وذاك يستحسن قولا، وهكذا يشرع في دين الله جل وعلا ما ليس منه. والله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. وهذا حال كثير من الناس، تجده إذا أنكر عليه الفعل أو القول والعبادة التي يفعلها، قال: هذا أمر خير، هذا أمر خير. وهذا استحسان، والآن يستحسن هذا الفعل لأنه خير على حسب زعمه، فيفعل البدع ويفعل هذا الخطأ بزعم أنه خير. فكم من بدع أحدثت بسبب الاستحسان، بسبب استحسان الناس. فليس الاستحسان بأصل من أصول الدين، ولا تثبت به عبادة، لا تثبت به عبادة. وإنما تثبت العبادات بالشرع، بنصوص الكتاب والسنة، لا باستحسانات العقول وآرائها. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «لقد ظننت يا أبا هريرة أنه لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه». الحديث رواه الإمام البخاري رحمه الله. وفيه حرص أبي هريرة رضي الله تعالى على الحديث وعلى العلم، وأن العلم هو القرآن والسنة، هو القرآن والسنة. فأبو هريرة سأل النبي عليه الصلاة والسلام: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ يريد أن يعرف رضي الله تعالى عنه من هؤلاء الذين يسعدون بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الأمر كذلك يحرص عليه كل عبد محب للخير، الذي يريد أن يكون من شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، يحب أن يعرف من أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. هل الذين يطبلون ليلا ونهارا في بيوت الله ويفعلون الموالد ويجعلون أنهم يحبون النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل هؤلاء ينالون شفاعته؟ هل أسعد الناس بشفاعته من فعل الزيارات البدعية والشركية إلى القبور وارتكبوا عند الشرك والبدع؟ من أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام؟ الذين خالفوا سنته وخالفوا هديه واتبعوا آراء الناس وشهواتهم. فالمسلم يحرص على أن يعرف ما هي أو من هم أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. فأبو هريرة رضي الله تعالى عنه حرص على ذلك، سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد ظننت يا أبا هريرة أنه لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث». وهذا هو العلم، العلم كما قلنا القرآن والسنة، القرآن والسنة. والسنة العلم، قال الله، قال رسوله، قال الصحابة، ليس بالتمويه. ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه. العلم آلة ربانية أو سنة نبوية. فالذي يحفظ القرآن ويحفظه ويتعلمه ويحفظ سنة النبي عليه الصلاة والسلام ويتعلمها، هذا الذي عنده العلم. فليس العلم بمظاهر وأشكال، وكذلك ليس العلم بمناصب ورتب، وليس العلم بحفظ أناشيد أو بفعل تمثليات نحو ذلك. ليس هذا العلم، هذا من ضياع ومن بدع والمحدثات. بل العلم هو حفظ القرآن والسنة. قال: «إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه». هذا هو أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، هم أهل التوحيد، الذين وحدوا الله سبحانه وتعالى، الذين حققوا معنى لا إله إلا الله مخلصا من قلبه. أفرض الله جل وعلا بالعبادة، أفرض الله جل وعلا في ألوهيته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته. فهؤلاء أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله عبدا سمع مقالتي، فوعاها، ثم بلغها غيره». فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. وهذا الحديث جاء من حديث ابن مسعود وعن غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، رواه أهل السنن. وفيه دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لحامل الحديث بالنضارة، نضر الله عبدا، أي نضر الله جل وعلا فيه نضارة، نضرة بسبب حمله للحديث. سمع مقالتي، فوعاها، ثم بلغها غيره. سمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فيعي ويفهم حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يبلغه. وهذا فيه شرف عظيم لصاحب الحديث، أن النبي عليه الصلاة والسلام يدعو له بالنضارة. قد تكون هذه النضارة في الدنيا وفي الآخرة. ما دعا النبي عليه الصلاة والسلام لحامل الأموال ولا لجامع الدنيا، بل دعا عليه الصلاة والسلام لحامل الحديث. قال: «نضر الله عبدا سمع مقالتي، فوعاها، ثم بلغها غيره». قال: ورب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. يعنى رب أن يكون شخص يحفظ الحديث، ثم يبلغه، وليس عنده من الفقه والفهم ما عند غيره. فهذا فيه خير، فيه خير أنه حفظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فيحمله ويبلغه إلى من هو أفقه منه، ممن يفقه هذا الحديث ويستنبط منه الأحكام ما لا يعلمها هذا الذي بلغه بها. والكل على خير، والكل على خير، الحافظ لهذا الحديث، والذي بلغه، والذي يستنبط منه. قال: فسمى الحديث فقها مطلقا وعلما. سمى الحديث فقها مطلقا لقوله: «ورب حامل فقه غير فقيه». والمقصود حامل ماذا؟ حامل حديث، حامل الحديث. الحديث أطلق عليه النبي عليه الصلاة والسلام حامل فقه. وهذا يدل على أن العلم والفقه هو ماذا؟ هو حفظ السنة، حفظ الأحاديث. والأكمل أن يكون الحفظ مع الفهم، يكون مع الفهم. وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «عبد الله بن عمرو بن العاص إذ أذن له أن يتبع حديثه، قيد العلم». فقال له: يا رسول الله، وما تقييده؟ قال: «بالكتاب». فأطلق على حديثه اسم العلم لمن تدبره وفهمه. قال: وأن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر، أي آية معك في كتاب الله أعظم؟». النبي عليه الصلاة والسلام يسأل أبا المنذر، ومن أبو المنذر؟ أبو بن كعب، أحد القراء والحفاظ. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أي آية معك في كتاب الله أعظم؟» مرتين. قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب صدري، وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر». وذكر تمام الحديث. والحديث هو في مسلم. النبي عليه الصلاة والسلام يسأل أبي بن كعب، فيقول له: «أي آية معك في كتاب الله أعظم؟» ما هي أعظم آية في القرآن؟ فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، يعني آية الكرسي. فضرب النبي عليه الصلاة والسلام في صدر أبي وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر». فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل العلم هو حفظ القرآن، حفظ القرآن. وأبي كان من الحفاظ، كان من الحفاظ. فهذا هو العلم، حفظ كتاب الله جل وعلا مع الفهم والتدبر. لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحفظون ويتعلمون الآيات التي يحفظونها، كانت تنزل عشر آيات لم يتجاوزوا حتى يحفظوها ويتعلموا ما فيها. فجمعوا بين العلم والعمل، فجمعوا بين العلم والعمل. وهذا الذي ينبغي أن الشخص يجمع بين حفظ القرآن وفهمه، بين حفظ القرآن وفهمه وتعلم قراءته وتفسيره، حتى لا يقوم بعد ذلك في الضلال. فإن أقواما ربما يحفظون القرآن ويكونون رؤوسا في الضلال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الخوارج: «يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فرب رجل يحفظ القرآن وتجده إماما في الضلالة، تجده إماما في الضلالة، لأنه ما فهم القرآن على فهم السلف. فربما تفسر الآيات بعقله ورأيه أو بتفسير يقال، بتفسير غير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فيقع في الضلال، يقع في الضلال والانحراف. قال: إن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: بينما أنا وأبو هريرة عند ابن عباس رضي الله عنهم، جاءت امرأة فقالت: توفي عنها زوجها وهي حامل، فذكرت أنها وضعت لأدنى من أربعة أشهر من يوم مات عنها زوجها. فقال ابن عباس: أنت لآخر الأجلين. قال أبو سلمة: فقلت: إن عندي من هذا علما. وذكر حديث سبيعة الأسلمية، والحديث في الصحيحين. أي حديث سبيعة الأسلمية. طيب، هذا كان رأي عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. أبو الله بن عباس كان يرى أن الحامل إذا توفي عنها زوجها ثم وضعت قبل الأربعة الأشهر وعشر، فإنها تعتد بأبعد الأجلين، تعتد بأبعد الأجلين. يعني إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة، فإنها تعتد لماذا؟ بأربعة أشهر وعشرة. وإذا طال حملها كان حملها أكثر من أربعة أشهر وعشرة، فإنها تعتد بوضع حملها. معلومة التي توفي عنها زوجها، تمتد عدتها أربعة أشهر وعشرة، أربعة أشهر وعشرة. طيب إذا كانت حاملا، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ويقول في المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. ففي هذه الآية أن المرض تربص أربعة أشهر وعشرة. وفي الآية الثانية أنها إذا كانت حاملا فعدتها بوضع حملها. فإن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يرى الجمع بين الآيتين، الجمع بين الآيتين. فإذا كان وضعها أقل من أربعة أشهر وعشرة، فتعتد بالأبعد، وهو أربعة أشهر وعشرة. وإذا كان حملها أكثر من أربعة أشهر وعشرة، فتعتد بوضع الحمل. لكن جمهور العلماء على أن المرأة إذا كانت حاملا فإنها تعتد بالحمل مطلقا، أنها عدتها في وضع حملها، بقول الله جل وعلا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فتكون هذه الآية مخصصة للآية الأولى، تكون مخصصة للآية الأولى التي توفي عنها زوجها. فعدتها تنتهي بوضع حملها، تنتهي بوضع حملها، سواء طال الفترة أو قصرت. إذا وضعت حملها بعد موته بتسعة أشهر، فإنها تعتد بتسعة أشهر حتى تضع حملها. ولو وضعت بعد موته بلحظات، فإن عدتها تنتهي. فإن عدتها تنتهي في وضع الحمل مطلقا. وهذا قول جمهور العلماء، لحديث سبيعة الأسلمية. سبيعة توفي زوجها، وما لبثت إلا أيام فوضعت، فجاءت النبي عليه الصلاة والسلام تستفتيه، هل يحل لها النكاح؟ فأباح لها النبي عليه الصلاة والسلام النكاح، وأخبرها أن عدتها قد انتهت. فهذا الحديث بين أن عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا بوضع الحمل. والشاهد منه قول أبي سلمة: «إن عندي من هذا علما». وذكر الحديث. فقال رحمه الله: أن يستدل بهذا على أن العلم هو الحديث، على أن العلم هو الحديث. فمن حفظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فهو الذي يجمع العلم. طيب، هذا والله تعالى أعلم.

شاركنا على