الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 24، ألقاها
يتناول هذا الفصل أسلوبا تعليميا نبوياً يتمثل في طرح الأسئلة على المتعلمين لتعليمهم وتشجيعهم على التفكير، ويشرح حديثين نبويين يوضحان هذا الأسلوب.
يناقش هذا الفصل عدة أحاديث وأقوال لفقهاء وأصحاب رسول الله حول جواز إفتاء الصغير بين يدي الكبير بإذنه، ويستعرض عدة قصص وأحداث تاريخية توضح هذه المسألة.
يُناقش هذا الفصل أهمية نشر العلم وخطورة كتمانه، ويستند إلى أحاديث نبوية تشير إلى فضل هداية الناس ونشر العلم بينهم.
يشدد هذا الفصل على أهمية معاملة طلاب العلم على قدم المساواة بغض النظر عن غناهم أو فقره، ويحذر من التفريق بينهم.
كما في صحيح جامع بأن العلم وفضله، قال: الباب الثاني والثلاثون، طرح العالم المسألة على المتعلم. قال عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». قال: «هل تدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن حق الناس على الله عز وجل أن لا يعذبهم». قال: قلت يا رسول الله، ألا أبشر الناس؟ قال: «دعهم يعملون». والشاهد منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تدري يا معاذ ما حق الله على العباد؟» أو «ما حق الله على الناس؟» فهذا طرح المسألة على المتعلم، وهذه من صور التعليم أن يسأل المعلم التلميذ، يسأله من باب التعليم، وهذا يجعل المتعلم على شوق لمعرفة الجواب، فيكون أرسخ في ذهنه. فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل معاذ: «هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟» فقال: الله ورسوله أعلم، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وهذا حق واجب على العباد لله أن يعبدوه جل وعلا ولا يشركوا به شيئا. وأما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك، أي إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئا، قال: «ألا يعذبهم»، وهذا حق من الله جل وعلا تفضل وامتنان، ليس بواجب عليه جل وعلا كما يقول المعتزلة وغيرهم من أهل البدع. قال: وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل الرجل المسلم، حدثوني ما هي». هذا طرح للسؤال، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل الرجل المسلم»، أي مثل هذه الشجرة مثل الرجل المسلم، حدثوني ما هي. قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي، يعني كل واحد يأتي بشجرة، ذاك يقول الشجرة فلانية، وذاك يقول شجرة فلانية، كل واحد يأتي بشجرة. قال: ووقع في نفسي أنها النخلة، قال: فاستحييت. فقالوا: يا رسول الله، ما هي؟ قال: «هي النخلة». قال عبد الله بن عمر: فحدثت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالذي وقع في نفسي، أخبر أباه عمر أنه وقع في نفسه أنها النخلة، لكن استحيى عبد الله بن عمر أن يتكلم، وفي المجلس من هو أكبر منهم. قال: فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا. والحديث في الصحيحين، يعني أن عمر قال له: لو تكلمت وقلت: النخلة، لكان هذا أحب إلي من كذا وكذا، أي من أمور الدنيا؛ لأن فيه إجابته لهذا السؤال، وهو أيضا يظل على فرحته، وصاحب العلم يفرح إذا ظهر أو برز ابنه في العلم، فإنه يفرح بذلك، وهذا هو فرح أهل الإيمان، فإنهم لا يفرحون بأمور الدنيا، وإنما يفرحون بأمور الدين، وكل ما كان يتعلق بهذا الدين. قال: وعن مالك عن يحيى بن سعيد عن النعمان بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ترون في الشارب والسارق والزاني؟» الشارب يعني شارب الخمر. قال: وذلك قبل أن ينزل فيهم. قال: الله ورسوله أعلم. قال: «إن فواحش، وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته». قال: يا رسول الله، وكيف يسرق صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها». والحديث مرسل صحيح. والقطعة الأخيرة: «أسوأ سرقة الذي يسرق من صلاته». والشاهد منه قول: «ما ترون في الشارب والسارق والزاني؟» طرح السؤال. قال: وعن سعيد بن المسيب أنه قال: «ما صلاة يجلس في كل ركعة منها؟» هذا لغز. قال: ما صلاة يجلس في كل ركعة منها؟ سعيد بن المسيب رحمه الله يسأل أصحابه: ما هي الصلاة التي يقعد في كل ركعة منها؟ قال: قال سعيد: هي المغرب إذا فاتتك منها ركعة. قال: وكذلك سنة الصلاة كلها. قال أبو عمر: يعني إذا فاتتك منها ركعة أن تجلس مع إمامك في ثانيته، وهي لك أولى. وهذه سنة الصلاة كلها إذا فاتتك منها ركعة، أي تأتي بركعة وتتشهد. قال: الباب الثلاثون، فتوى الصغير بين يدي الكبير بإذنه، أي أنه يجوز للصغير، أي صغير العلم، أن يفتي بين يدي الكبير إذا أذن له. قال: عن سالم بن عبد الله أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج ألا تخالف عبد الله بن عمر في أمر الحج. فلما كان يوم عرفة جاءه عبد الله بن عمر حين زالت الشمس، وأنا معه، أي سالم ابنه. قال: وأنا معه، فصاح عند سرادق الحجاج. فخرج إليه الحجاج وعليه ملحفة معصفرة. قال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: الرواح، إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم. قال: هذه الساعة. قال: نعم. قال: فأنظرني أفيض على ماء، ثم أخرج إليك. قال: فنزل عبد الله حتى خرج إليه الحجاج، فسار بيني وبين أبي، هذا المتكلم سالم بن عبد الله بن عمر. قال: فسار بيني وبين أبي، فقلت له: إن كنت تريد أن تصيب السنة فأقصر الخطبة وعجل الوقوف. والمتكلم سالم بن عبد الله بن عمر. قال: إذا كنت تريد أن تصيب السنة فأقصر الخطبة وعجل الوقوف. فجعل ينظر إلى عبد الله بن عمر كيما يسمع ذلك منه. فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق. وهذا هو الشاهد أن سالم تكلم في حضرة أبيه عبد الله بن عمر وأفتى الحجاج أن السنة أن يقصر الخطبة ويعجل الوقوف. فجعل الحجاج ينظر إلى عبد الله بن عمر كأنه يريد إقراره: هل هذا الكلام صحيح أم لا؟ فقال عبد الله بن عمر: صدق، أي أقره على ما قال. وهذا هو الشاهد أنه أفتى بحضرة أبيه بإذنه. قال: وأن حجاج بن عمر بن غزية أنه كان جالسا عند زيد بن ثابت، فجاءه ابن أخ له رجل من اليمن، فقال: يا أبا سعيد، إن عندي جواري، ليسن نسائي، اللاتي أكن بأعجب إلي منهن، وليس كل أولئك النساء يعجبني أن تحمل مني، أفأعزل؟ فقال له زيد: أفته يا حجاج. قال: قلت: غفر الله لك، إنما نجلس إليك لنتعلم منك. وهذا هو تواضع أهل العلم، فإن صاحب العلم لا يحب الترأس وحب الظهور، وكذلك أيضا حب الشرف، فإن هذا يقسم ظهر صاحبه. كما قال: حب الظهور يقسم الظهور. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ذئباني جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». فحب الشرف وحب الظهور والترأس خطر على صاحبه، وهو سبب لهلاكه. ولهذا كان أهل العلم من الصحابة والتابعين يتحرزون من الفتوى. فلهذا حين قال زيد للمثابة حجاج: أفتهي. قال: إنما نجلس إليك لنتعلم منك. قال: أفتهي. قال: قلت: هو حرفك، إن شئت سقيته وإن شئت أعطشته. وكنت أسمع ذلك من زيد بن ثابت. فقال زيد: صدقت. قال: هو حرفك، إن شئت أنت جامع فتنزل في داخل الفرج، وإن شئت أنزلت خارج الفرج، هو العزل. وهو العزل، أنه يجامع ثم ينزل خارج الفرج. فأفته بإذن زيد بن ثابت. وهذا ينبغي على طالب العلم أنه لا يعجل في أمر الفتوى، ولا يتصدر للفتوى إلا إذا أذن له أهل العلم. قال: الباب الرابع والثلاثون، جامع لنشر العلم. قال: روى سهيل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: «لا يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم». والحديث في الصحيحين، فيه بيان فضل العلم ونشر العلم، وأن ذلك خير لصاحبه من أعظم نعم الدنيا. «لا يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم»، خير لك من حمر النعم. وحمر النعم كانت أنفس أموال العرب، أنفس الأموال كانت الإبل الحمراء، فالنبي يقول لعلي رضي الله عنه: «لا يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أنفس هذه الأموال»، وهذا بنشر العلم. قال: ومن حديث أبي رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «يا علي، لا يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس». قالوا: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يتعلم العلم ولا يتحدث به كمثل الذي يكنز الذهب ولا ينفق منه». وفي رواية: «مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدث به كمثل الذي رزقه الله مالا لا ينفق منه». والله أعلم بصحة هذا الحديث، لكن معناه صحيح. فكتمان العلم كالذي يكتم المال، بالمعنى أنه لا يزيد إذا كتم العلم واحتفظ بالعلم نفسه، فإنه لا ينتفع بذلك النفع الكثير، وأيضا لا ينتفع الناس بعلمه، وأيضا ينقص هذا العلم الذي معه. وإنما يزداد العلم بنشره بين الناس وإنفاقه بالتعليم والنشر. قال أبو مزاحم موسى بن عبيد الله القطان: علم العلم من أتاك لعلم، واغتنم ما حييت منه الدعاء، وليكن عندك الفقير والغني سواء. يعني يقول: علم العلم وانشره، من أراد أن يتعلم فعلمه، واغتنم منه الدعاء يدعو لك، وكذلك يترحم عليك، فهذا خير عظيم. واجعل الفقير والغني عندك سواء، لا تفرق بين الغني والفقير، فكلا النوعين سواء طالب العلم، سواء كان غنيا أو فقيرا، فإنه يعامل معاملة واحدة. وأما التفريق بينهما فليس بفعل صواب.