الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 27، ألقاها
ينكر الإمام الصنعاني على القبورية تعظيمهم لغير الله وطلبهم الخير من الجماد أو من الأحياء العاجزين. يُظهر أن النفع والضر بيد الله وحده.
يشرح الفرق بين شرك المشركين الأولين الذين أقرّوا بتوحيد الربوبية ولكنهم أشركوا في العبادة، وشرك القبوريين الذين يعتقدون في آلهتهم تصرفًا في الكون. يُبيّن أن المشركين الأولين كانوا يعتقدون أن آلهتهم لا تنفع ولا تضر بذاتها.
يصف كيف يقدس بعض الناس الأولياء ويقبلون الأيمان بغير الله، بينما يشككون في الأيمان بالله وحده. يربط هذا بسلوك عباد الأصنام ويوضح الشرك في العبادة والربوبية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم قال الإمام العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله، وهو في صدد بيان ما عليه القبورية من الشرك بالله جل وعلا، ومن التلبيس كذلك في أمور الاستغاثة بين الاستغاثة المشروعة والاستغاثة الممنوعة، ثم قال رحمه الله تعالى: قال، فكيف يطلب من الجماد أو من حي الجماد خير منه؛ لأنه لا تكليف عليه، وهذا شيء ما فعله المشركون في عبادة الأصنام. وهذه بعينها العبادة بمعنى: يقول الشيخ رحمه الله تعالى منكرًا على أولئك القبورية الذين عظموا غير الله جل وعلا تعظيمًا لا يليق إلا بالله جل وعلا، واعتقد فيه اعتقادًا من جلب نفع مطلق أو دفع ضر مطلق لا يقدر عليه إلا الله. فيقول: فكيف يطلب من الجماد؟ أي: كيف يفعل ذلك عاقل عنده أدنى مسكة عقل، أو أن يفعله من عنده شيء من الإيمان والتعظيم لله رب العالمين جل وعلا؟ كيف يتقرب إلى غير الله جل وعلا ويسأل غير الله جل وعلا جلب نفع أو دفع ضر كما هو حال أولئك القبورية الذين ذكر عنهم ما ذكر، وسيذكر عنهم ما سيذكر؟ ثم قال رحمه الله: فكيف يطلب من الجماد؟ أي: كيف يتصور من الجماد أن ينفع أو أن يضر كما هو حال أولئك الذين ربما يقول قائلهم: اعتقد في أي شيء فإنه ينفعك، ولو في حجر، ولو في شجر، ولو في دابة من الدواب، اعتقد ما دام أنك وجهت الاعتقاد والإرادة إلى ذلك الشيء فإنه سينفعك، مقالة أفاك كذابة ضال خبيثة تضل عن سبيل الله جل وعلا. ومن عنده أدنى أدنى عقل يعلم أن هذا الكلام باطل، كيف ينفعه الجماد وهو لا ينفع ولا يضر نفسه فضلًا عن غيره؟ أو كيف ينفعه إنسان حي فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، وهو بنفسه يحتاج إلى نفع من غيره، ويحتاج إلى دفع ضر وضير من غيره؟ إذا كان الله تبارك وتعالى يقول في حق نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهو أكمل البشر، أكمل خلق الله جل وعلا، يقول ربنا تبارك وتعالى له: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ويعقلون عن الله جل وعلا مراده، فانظر إلى ربنا تبارك وتعالى كيف يبين لنا أن أكمل الخلق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضر، ولا يعلم شيئًا من أمر الغيب إلا ما علمه الله، فكيف بعد هذا يعتقد في غير الله جل وعلا من جماد أو من إنسان؟ كما ذكر الشيخ: قد تكون الحجارة خير منه؛ لأنها كما قال رحمه الله: لأنها لا تكليف عليها، أما هذا قد يكون من أفسق الناس ومن أفجر الناس والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: وهذا شيء ما فعله المشركون في عبادة الأصنام، المشركون الأول الذين بعث الله تبارك وتعالى إليهم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ما كانوا يعتقدون في آلهتهم ما يعتقده القبوريون اليوم وقبل اليوم في آلهتهم. إذ أن شرك المشركين إنما كان في عبادة الله في توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية هم يقرون بأن الله تبارك وتعالى الخالق الرازق المدبر المالك وحده النافع والضار وحده، كما مر معنا شيء من ذلك. ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، وكانوا يقولون في تلبيتهم كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: «أن المشركين كانوا إذا لبَّوا لحج أو عمرة كانوا يقولون: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ»، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغوا هذا اللفظ يقول: «قط قط يكفي يكفي»، فيقولون: «إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ»، انظر «إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ» لِمَن؟ لله رب العالمين جل وعلا «إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»، فهم يعتقدون أن المالك المطلق هو الله، وأن الخالق المطلق هو الله جل وعلا، ولكنهم يشركون في العبادة كما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾. هذا هو شرك الأولين، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، أي: وصائط اتخذوهم بينهم وبين الله، فهم يعتقدون أن النافع الضار هو الله جل وعلا وحده، ولكن أشركوا في العبادة. لكن مشركي القبورية يعتقدون في آلهتهم أن لها تصرفًا في الكون، أنهم ينفعون بذواتهم من دون الله جل وعلا ويضرون بذواتهم من دون الله جل وعلا، بل يعتقدون أن من آلهتهم ومن أوليائهم ومن يلقبونهم بالأقطاب والأوتاد بأن لهم تصرفًا في الكون من إحياء وإماتة، ومن رزق وإغاثة، ومن جلب نفع أو دفع ضر، وإنزال بأس بمن شاء، ورفع بأس عن من شاء، إلى غير ذلك من الأمور التي هي حق لله جل وعلا وحده لا شريك له. فهم يعتقدون في آلهتهم هذه العقائد الفاسدة الباطلة التي ما خطرت في قلوب المشركين الأول؛ لأن المشركين الأول يعتقدون في آلهتهم أنها ملك لله جل وعلا، وأنها تحت تصرف الله جل وعلا، ولكنهم أشركوا بها في عبادة الله جل وعلا، هم مشركون، ولكن شركهم في العبادة. أما المشركون المتأخرون فشركهم في العبادة وشركهم كذلك في الربوبية في أفعال الله تبارك وتعالى، اعتقدوا في غير الله جل وعلا أن له من الأفعال ما لله رب العالمين جل وعلا، فشركهم أغلظ وأشد. قال رحمه الله تعالى: قال، وهذا شيء ما فعله المشركون في عبادة الأصنام، أي: حتى المشركون ما فعلوا هذه الفعلة، قال: وهذه بعينها العبادة، أي: التي لا تجوز أن تكون إلا لله، وأن صرفها إلى غير الله جل وعلا شرك بالله رب العالمين سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وهذه النذور بالأموال، وجعلوا قسطًا منها للقبر كما يجعلون شيئًا من الزرع يسمونه تلما في بعض الجهات اليمنية للميت، يعني بلغ بهم هذا الأمر أنهم يجعلون نذورًا بأموالهم قسطًا منها للضريح الفلاني، إذا نذروا نذرًا منه ما يجعلونه لله جل وعلا، ومنه ما يجعلونه للولي الفلاني وللسيد الفلاني وللسيدة الفلانية. إذا خرج لهم زرع نذروا: إذا خرج لنا الزرع ونبتت المزرعة أثمرت، فنذر لسيد الفلان كذا وكذا، هذا هو الشرك بالله جل وعلا. قال رحمه الله: قال، وكذلك يجعلون لهم نصيبًا من أموالهم إذا كثرت أموالي، إذا ربحتوا في هذه الصفقة في هذه التجارة، فلسيد الفلان كذا وكذا، يجعلون لهم نصيبًا، قال: وأنعامهم، وكذلك يجعلون لهم نصيبًا من أموالهم وأنعامهم، وهو بعينه الذي كان يفعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. يعني انظر المشابهة بين شرك الأولين وشرك المتأخرين، قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾، هذه فرية، هذا ظلم في حق الله رب العالمين جل وعلا أن يشرك مع الله جل وعلا غيره، أن تصرف عبادة لغيره سبحانه وتعالى ظلم، إن الشرك لظلم عظيم. قال: فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وَضُلَّالِهِمْ سَلَكُوا مَسَالِكَ الْمُشْرِكِينَ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقدوا إلا في الله، وجعلوا لهم جزءًا من المال، وقصدوا قبورهم من ديارهم للزيارة، وطافوا حول قبورهم، أي: كطوافهم ببيت الله جل وعلا، وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقربًا إليهم، وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك. ولا أدري هل فيهم من يزجد لهم؟ لا يستبعد أن فيهم من يفعل ذلك، بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يزجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيمًا له وعبادة، أي: حتى السجود يزجدون لغير الله جل وعلا. قال: ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه، بلغ بهم الأمر إلى هذا الحد، إذا حلف الإنسان بالله رب العالمين قالوا: في قسمك هذا نظر، لا نصدقك، فإذا حلف بالولي الفلاني قبلوا وصدقوا. قال رحمه الله: وهكذا كان عباد الأصنام ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وللحديث تتمة نكملها بإذن الله جل وعلا في درس لاحق، نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.