الدرس في التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُبرز المقطع أثر زيارة القبور والتأمل في حال الموتى كعلاج لقسوة القلب، مستعرضاً قصة العجوز من عبد القيس وزيد النميري. ويختتم بأبيات لابن رجب الحنبري تحث على الزهد والاستعداد للآخرة.
يوضح المقطع أن الدنيا ليست موطناً دائماً بل دار خراب، وأن الإنسان خُلق لعبادة الله لا لإعمار القصور، مستدلاً بحديث الراكب المستظل بالشجرة. ويشير إلى أن تعاقب الأيام وموت الأحبة والحوادث تُعد مواعظ عملية، مضرباً مثلاً برجل هُدِيَ بعد نجاته من حادث سيارة مات فيه من رفضوا ركوبه.
يضرب المثل بوفاة تاجر فجأة لبيان أن الموت يهجم على الجميع بغتة، فيجب على المسلم أن يعتبر بذلك ويعدّ للقاء الله بالتقوى والعمل الصالح لا بجمع الدنيا. فالعمر يمضي سريعاً والموت يلاحق الإنسان، وما بعد الممات إلا جحيم للعاصي أو نعيم للمطيع، ولا رجعة إلى الدنيا بعد الموت.
يصف المقطع حال العاصي يوم القيامة وتمنيه لو كان تراباً أو لم يُخلَق لشدة الندم والعذاب، مستمداً ذلك من نصوص الوعد والوعيد في الآخرة. ويؤكد أن هذا الندم يكون متأخراً لا ينفع معه توبة ولا عمل.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فقال الحافظ ابن رجب الحنبري رحمه الله تعالى في كتابه "ذم قسوة القلب"، وفي ذكره لأسباب مزيلات القسوة، وذكر منها زيارة القبور والتفكر في حال أهلها ومصيرهم. وقد قرأنا شيئا مما ذكره في هذا المزيل، ثم قال: ولا يزال الكلام متصلا بما قبله. قال: وذكر أيضا -أي ابن أبي الدنيا- أن عجوزا متعبدة من عبد القيس كانت تكثر إتيان القبور، فعوتبت في ذلك. وسبب المعاتبة -والله أعلم- لما كان معلوم في مسألة زيارة النساء للقبور، وأن بعض أهل العلم ذهب إلى المنع، منع النساء من زيارة القبور، أو أنها عوتبت للإكثار من ذلك؛ لأنه جاء: "كانت تكثر إتيان القبور". وبعضهم يصحح حديث: «لعن الله الزوارات القبور»، يعني المكثرات من زيارة القبور. وهذه المسألة -مسألة زيارة النساء للقبور- قد بينت في كتب الفقه، والقديم فيها. قال: فقالت: «إن القلب القاسي إذا جفى لم يلينه إلا رسول البلى». وتريد بالبلى آثار الموتى. وقولها: «إلا رسول البلى» يعني: يعطي المتفكر في أحوال هؤلاء الموتى رسالة من أنه سيصير مثلهم. قالت: «وإني لآت القبور وكأني أنظر إليهم». يعني: أنها لما تأتي لزيارة تلك القبور تتفكر في أحوال أهلها، ووجه التفكر ما ستذكره. قالت: «وإني لآت القبور وكأني أنظر إليهم وقد خرجوا من بين أطباقها»، يعني يوم القيامة، أي من طبقات الأرض من قبورهم. يعني تتصور هذا المشهد، تتصور هذا المشهد: «وكأني أنظر إليهم وقد خرجوا من بين أطباقها، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المتعفرة لأنها خرجت من التراب، وإلى تلك الأجسام المتغيرة لأنها قد صارت رفاتا وعظاما، وإلى تلك الأكفان الدنسة». قالت: «فيا له من منظر لم أسر به، ما أنكل مرارة الأنفس»، أي: ما أشد عذابها وأشد تفتت الأبدان. وذكر ذلك كما تقدم من باب الاعتبار والاتعاظ بأحوال هؤلاء، ومن باب التفكر. وقال زياد النميري: «ما اشتقت إلى البكاء إلا مررت عليه»، أي: مررت على البكاء، يعني أنه إذا أراد أن يبكي يستطيع ذلك، فيمر على ذلكم البكاء. فكيف ذلك؟ قال له رجل: وكيف ذلك؟ كيف تستطيع أن تدمع عينك في أي لحظة وفي أي حين؟ كيف ذلك؟ فقال: «إذا أردت ذلك خرجت إلى المقابر، فجلست إلى بعض تلك القبور، ثم فكرت فيما صار إليه من البلى، وذكرت ما نحن فيه من المهلة»، يعني: ما نحن فيه من وقت الإمكان ووقت العمل، «فإنا صائرون إلى ما صاروا إليه، إلى ما صاروا إليه»، فيدفعه ذلك إلى البكاء وإلى المعاتبة لنفسه. قال: «فعند ذلك تختفي أطواري»، يعني: أحوالي، وذلك بتغير حاله من قسوة إلى لين، وكذلك طمأنينة. فهذا معنى قوله رحمه الله تعالى. قال: وقلت -والله الموفق-: أي أن الحافظ ابن رجب قد أنشأ أبياتا، فيها هذا المعنى من الزهد في الدنيا، ومن الاستعداد للقاء الله عز وجل، ومن كذلك التفكر في أحوال الموتى، ومن غير ذلك مما فيه هذا المعنى، معنى زيارة القبور والتفكر في أحوال أهلها. فهذه الأبيات للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، وهي أبيات لطيفة، وكذلك مؤثرة؛ فإنها حوت وعظا عظيما. فقال في هذه الأبيات: «أفي دار الخراب تظل تبني وتعمر ما لعمران خلقت وما تركت لك الأيام عذرا لقد وعظتك لكن ما اتعظت تنادي للرحيل بكل حين وتعلن إنما المقصود أنت وتسمعك النداء وأنت لاه عن الداعي كأنك ما سمعت وتعلم أنه سفر بعيد وعن إعداد زاد قد غفلت تنام وطالب الأيام ساع وراءك لا ينام فكيف نمت معائب هذه الدنيا كثير وأنت على محبتها طبعت يضيع العمر في لعب ولهو ولو أعطيت عقلا ما لعبت فما بعد الممات سوى جحيم لعاص أو نعيم إن أطعت ولست بآمل ردا لدنيا فتعمل صالحا فيما تركت» إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى. ونقف وقفات يسيرة على ما قرئ من تلك الأبيات. فقوله رحمه الله تعالى: «أفي دار الخراب تظل تبني»، ويريد بدار الخراب: هي هذه الدنيا، فإنها ليست لحي وطن، الذي يعمر فيها ويبني فيها، فهذا قد بنى في غير وطنه. ولذلك قال: «وتعمر، ما لعمران خلقت»، ما خلقت من أجل أن تعمر هذه الدنيا، ما خلقت من أجل أن تبني القصور والدور، ما خلقت من أجل أن تبني كذلك العمارات، وإلى غير ذلك. وإنما خلقت لحكمة بالغة وغاية نبيلة، ألا وهي عبادة الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾، ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾. فحقا إن هذه الدنيا دار الخراب. ولذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال، كما عند الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ما لي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». هذا هو حال الإنسان في هذه الدنيا. المسافر إذا بلغ به عناء السفر مبلغا، وأراد أن يبرد وأن يستريح تحت ظل شجرة، هل يبني له بيتا تحت هذه الشجرة وهو سيجلس لحظات يسيرة؟ إنما هو عابر سبيل، لحظات يسيرة، ما سيعمل تحت هذه الشجرة عمران ولا شيء، وإنما سينام لحظات وسيفارق هذا الظل ويذهب في شأنه وفي سفره. وهكذا ذلكم الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ما هو إلا كراكب، ما هو إلا كراكب، فيأخذ من هذه الدنيا ما يكون عونا له على عمارة آخرته. إن لله عبادا فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنة، نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة، واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا. فهكذا ينبغي للإنسان ألا يغتر بهذه الدنيا دار الخراب، وأن يبني وأن يعمر فيها ما لم يؤمر بذلك، وما لم يكن في سد حاجته، وإنما من باب الاستكثار من هذه الدنيا، فيستغل وقته في عمارة آخرته بالأعمال الصالحة. ثم قال: «وما تركت لك الأيام عذرا، لقد وعظتك لكن ما تعظت». ويريد أن في الأيام إقامة للحجة عليك، من تعاقب الأيام وموت الأهل والأحباب، ومن مشاهدة الكثير من الحوادث، ومن كذلك الآلام، وإلى غير ذلك. فكل هذا درس ورسائل عملية لهذا الإنسان. ولذلك يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك». فكل يوم يمر من أيام عمرك فهو رسالة لك، أخي المسلم، أنك قد دنوت من الآخرة، قد دنوت من الأجل المحتوم، فما عليك إلا أن تأخذ العظة وتأخذ العبرة من تلك الأيام ومن مرور تلك الأيام. «وما تركت لك الأيام عذرا». أنظر، ربما الإنسان يمر بقصص وأخبار في الحقيقة أعظم من الكثير من المواعظ القولية، من حوادث الأيام. نذكر بعض هذا، مثلا مما وقع فيه الاعتبار من حادثة وقعت، وإني لا أعلم صاحب هذه الحادثة، وهو الذي أخبر بها من تلقاء نفسه، وهو معلوم عنه في سيرته السابقة واللاحقة. هذا الشخص كان منتظرا عند موقف من مواقف السيارات في الطريق، يريد أن ينتقل إلى بلدة أخرى، وكان الوقت متأخرا، فجاءت سيارة فأشار إليها يريدها أن تقف له، فأبت ومشت. وكان هذا الرجل ليس بمستقيم، بل عنده أمور عظام من سب الذات الإلهية وغير ذلك. فلما مرت هذه السيارة سبهم سبا شديدا، بل وسب الذات الإلهية. فبعد لحظة يسيرة أتت سيارة أخرى، وأشار إليها فوقفت له، ومشى معها. فبينما هو يمشي إذ رأى تلكم السيارة الأولى قد انقلبت، وقد مات جميع من فيها. فأثر هذا الموقف في نفسه تأثيرا بالغا، فكان سببا في هدايته، وكان سببا في استقامته، وهو الآن على خير وعلى استقامة وعلى سنة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياه على ذلك. فانظروا، هذا شيء مما ترسله الأيام والحوادث لهذا الإنسان، وكم شاهد الناس من تلك الحوادث ومن تلك الأمور التي تقع في بعض الأزمان مما يكون فيه عظة وعبرة وإقامة للحجة. قبل فترة ليست ببعيدة، مات أحد التجار وهو صحيح لا يشكو من شيء. فيقول أحد زملائه من التجار لجماعة التجار وقد جاءوا للعزاء: يقول لهم: «هذا درس لنا عظيم، فإن هذا التاجر مثلنا كان يجلس معنا، وكان يتاجر معنا، وقد هجمه ذلك الأمر، وهو مثلنا الآن ليس به شيء». فهي رسالة لنا جميعا أن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وإن الموت يهجم على الإنسان في كل لحظة، لا يعرف صغيرا ولا كبيرا، ولا تاجرا ولا فقيرا. فأثرت هذه الموعظة في نفوسهم تأثيرا بالغا. فكم من الحوادث وكم من العبر التي يستفيدها الإنسان خلال تلك الحوادث. فقوله: «لقد وعظتك لكن ما تعظت»، نعم، مواعظ عملية، مواعظ عملية يراها الإنسان ويشاهدها الإنسان فتؤثر تأثيرا بالغا. قال: «تنادي للرحيل بكل حين وتعلن إنما المقصود أنت». يعني: هذه الأيام تنادي للرحيل، أنك راحل من هذه الدنيا. وكما مر: ما من يوم يمر من أيام عمرك إلا وتقترب من الأجل، وتقترب من الأجل. فهذه المناداة تعلن: إنما المقصود أنت، أنت مقصود بهذا الأمر، ولا شك أنك ستدرك أو ستلاقي هذا الأمر. قال: «وتسمعك النداء وأنت لاه عن الداعي كأنك ما سمعت». تسمعك النداء، أي: أنها تبلغك مما تشاهد ومما تلاحظ من تلك الحوادث، تبلغك هذا النداء، وهو أنك قريب من الموت، قريب من الآخرة. ولذلك قال: «عن الداعي»، ويريد بالداعي: الموت، داعي الموت. «عن الداعي كأنك ما سمعت»، أنت لاه عن ذلك الأمر الجلل، ذلك الأمر العظيم، ألا وهو الموت، وما فيه من سكرات وما فيه من آلام وحسرات. فلذلك ينبغي على المسلم أن يعتبر بتلك الحوادث، وأن يستعد لذلك الداعي. قال: «وتعلم أنه سفر بعيد وعن إعداد زاد قد غفلت». تعلم أن السفر البعيد هو ما يكون في يوم القيامة، الذي يحتاج إلى استعداد وإعداد. وهذا الإعداد بماذا يكون؟ هل يكون بجمع الأموال؟ هل يكون بجمع الدور والقصور؟ لا والله، وإنما يكون هذا الاستعداد بالأعمال الصالحة، بالتزود من التقوى: ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾. قال: «تنام وطالب الأيام ساع وراءك لا ينام، فكيف نمت». ويريد بطالب الأيام: كذلك الموت. كل هذه من أوصاف الموت، من أوصاف الموت، فالموت ساع وراءك، فهو يلاحقك حتى يدركك، أينما تكون: ﴿ يدرككم الموت ولو كنتم في بيوت مشيدة ﴾. فكيف تنام وتغفل وتلهو عن ذلك الأمر المحتوم؟ قال: «معائب هذه الدنيا كثير، وأنت على محبتها طبعت». نعم، هذه الدنيا دار المصائب والمحن، دار الهموم والغموم، فمعائبها كثيرة، فلا تستحق أن يعنى بها عناية كثير من الناس في التشبث بها والتعلق بها، وإلى غير ذلك. فلماذا على محبة هذه الدنيا طبعت وتعلقت، ولا تستحق هذا التعلق؟ قال: «يضيع العمر في لعب ولهو، ولو أعطيت عقلا ما لعبت». نعم، لو كنت عاقلا لبيبا فطنا، لما طابت نفسك أن تلهو وأن تلعب، وأن تترك طاعة الله سبحانه وتعالى. فالعمر يمضي ويضيع عند كثير من الناس في اللعب واللهو، لا سيما في هذه الأعصار وفي هذه الأزمان التي كثرت فيها وسائل اللعب واللهو من تلكم الشاشات ومن تلكم المغريات، وإلى غير ذلك. فيحذر المسلم من أن ينجر خلف تلك الملهيات وخلف تلك المغريات، بل ينبغي عليه أن يستغل وقته وعمره في طاعة الله سبحانه وتعالى، إن كان عاقلا لبيبا، وليترك أي لحظة أو أي وقت يضيع فيه ذلك العمر. قال: «فما بعد الممات سوى جحيم». وذلك لمن فرط وضيع وعصى وخالف أمر الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: «فما بعد الممات سوى جحيم لعاص أو نعيم إن أطعت». فاختر لنفسك: أتريد أن تكون من القسم الأول أو من القسم الثاني؟ لا شك أن العاقل اللبيب يسأل الله سبحانه وتعالى نعيم الجنة، فيتخذ الأسباب في ذلك من القيام بطاعة الله سبحانه وتعالى. ثم قال: «ولست بآمل رداً لدنيا فتعمل صالحا فيما تركت». يعني: إذا جاءك الموت لا تأمل أنك ترجع إلى هذه الدنيا، فمن مات لا يرجع إلى هذه الدنيا. فإن العاص يتمنى أن لو ر