التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 8

الدرس في التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مشروعية زيارة القبور وحكمتها التشريعية

بيّن المقطع أن زيارة القبور شُرعت بعد استقرار التوحيد، وكانت منسوخة النهي ثم أُذن بها لتذكير الموت والآخرة، وتورث الرقة والخشوع، مستدلاً بأقوال ابن رجب والإمام أحمد والأحاديث النبوية التي تؤكد أن التفكر في حال الموتى يزيل قسوة القلب.

زيارة القبور دواءً لقسوة القلوب وهدي السلف

أكد المقطع أن السلف الصالح كصفوان بن سليم ومحمد بن المنكدر كانوا يزورون المقابر لعلاج قسوة القلوب بذكر الموت، ونص العلماء كابن القرطبي على أنها من أنجع الوسائل وأسرعها حضوراً، مع الأسف على غفلة الناس اليوم عن هذا الاعتبار.

آداب الزيارة وفوائدها والتحذير من البدع والشركيات

فصل المقطع في آداب الزيارة المشروعة كالدعاء للموتى وتذكر المساواة في القبر وزوال الدنيا، مع النهي الشديد عن البدع والشركيات كدعاء المقبورين والاستغاثة بهم، ووجوب تجنب قول الهجر، وختم بالتأكيد على الاعتناء بجانب التفكر والاتعاظ في الجنائز والزيارات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه "ذم قسوة القلب"، وفي سياق ذكره لمزيلات قسوة القلب: ومنها زيارة القبور والتفكر في حال أهلها ومصيرهم. وقد سبق قول أحمد للذي سأله: ما يرق قلبي؟ قال: أدخل المقبرة. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت». هذا اللفظ كما سمعت في صحيح مسلم بلفظ: «فإنها تذكر الموت». وقال: وعن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة». رواه أحمد والترمذي وصححه، وكذلك صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في مجموعة من كتبه. وقال: وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، فزوروها ولا تقولوا هجرًا». رواه الإمام أحمد وابن أبي الدنيا، وهذا الحديث بهذا اللفظ صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في "صحيح الجامع" برقم ٨٤٥٠٤ بهذا اللفظ: «ثم بدا لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، فزوروها ولا تقولوا هجرًا». وقول المؤلف رحمه الله تعالى: "زيارة القبور والتفكر في حال أهلها ومصيرهم"، يعني الزيارة الشرعية للقبور والتي بها نفع للزائر والمزور. فالزائر يتفكر في أحوال هؤلاء الموتى فيأخذ العبرة والعظة والانتفاع مما يرى من أهل هؤلاء القبور؛ فمنهم أهله، ومنهم جيرانه، ومنهم أصدقاؤه، ومنهم الصغير والكبير، ومنهم الذكر والأنثى، منهم من مات صحيحًا، ومنهم من مات سقيمًا، بل ربما كلهم قد وافتهم المنية وعندهم أعمال يريدون القيام بها فداهمهم الموت فأصبحوا رهينة أعمالهم، والله أعلم بأحوالهم. فيتذكر ويتفكر، فيوجب له هذا التفكر وهذا التذكر الرقة، وكذلك التذكر والانتفاع. ولذلك كما سبق في أثر الإمام أحمد، ذاك الذي سأله عما يرق قلبه لما يجد من القسوة، فأرشده إلى أن يذهب إلى المقبرة. نعم، فهذا مما يزيل القسوة. ومما يؤيد ذلك ما جاء في تلك الأحاديث، في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت، فإنها تذكر الموت». نعم، فهؤلاء الذين في هذه القبور منهم من هو أكبر منك سنة، ومنهم من هو أصغر منك سنة، ومنهم من هو في سنك، يعني في عمرك الذي أنت تتمتع به، فجاءه الأجل وأبقاك الله سبحانه وتعالى حيًا تتمتع بهذه الحياة. فتذكر أنك في يوم من الأيام ستكون مكان هؤلاء، ستكون مكان هؤلاء في تلك الحفرة، في تلك الحفرة المظلمة، فلا شك أن هذا يوجب لك رقة وتذكرًا وعبرة. وهكذا في الحديث الآخر، حديث بريدة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور». أي أن في أول الأمر نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن زيارة القبور. قال العلماء: لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر، وكان أهل الجاهلية متعلقين بأصحاب القبور وعبادة غير الله، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن زيارة القبور خشية أن يكون في قلوبهم شيء من التعلق بذاك الأمر الجاهلي. ولكن فيما بعد، بعدما استقرت العقيدة في قلوبهم وعرفوا حقيقة هذا الدين العظيم وأنه ينهى عن التعلق بالمقبورين، جاءت الرخصة، جاءت الرخصة في زيارة القبور، الزيارة الشرعية التي فيها نفع للزائر والمزور: للزائر بالتذكر والتفكر واكتساب الأجر من وراء هذه الزيارة لأنها مما شرعه الله سبحانه وتعالى، والمزور بالدعاء له، الدعاء له بما جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام من السلام ومن الدعاء: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم المستقدمون ونحن المستأخرون، نسأل الله لنا ولكم العافية»، أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. فهذا لا شك أنه نفع كذلك للمزور. فهذه هي الزيارة الشرعية التي أمر المسلم بها أو شرعت له. وأما أن تذهب إلى المقبرة فتدعو المقبورين، وتتمسح بأتربتهم، وتستغيث بهم، وتنذر لهم، وتتعلق بهم من غير الله سبحانه وتعالى، فهذا من الشرك بالله عز وجل، ومن الزيارة الشركية. وهكذا حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي أنها ترق القلب»، يعني بدا لي ما في تلك الزيارة من المنافع العظيمة، ومنها أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة. وكل ذلك لا شك أنه من أعظم أسباب إزالة قسوة القلب؛ فإذا دمعت العين رق القلب، رق القلب وزال ما به من قسوة وفضاضة. وهكذا قوله: «فزوروها ولا تقولوا هجرًا». الهجر بضم الهاء وسكون الجيم: هو كل قول باطل، كل قول باطل. فلا يؤتى في تلك الزيارة بالألفاظ الشركية، أو الألفاظ البدعية، أو السب، أو الشتم، أو غير ذلك من الكلام الباطل المحرم الذي لا يجوز. نعم، فهذا أيضًا من الزيارة الشرعية: أن لا يقول الزائر في تلك الزيارة قولًا باطلًا، قولًا باطلًا. وكما تقدم أن زيارة القبور فيها منافع عظيمة، فمن ذلك أن الزائر يتذكر أن القبر حفرة، إما حفرة من حفر النيران، وإما حفرة من حفر الجنان، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أو روضة من رياض الجنة، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتذكر أن أهل هذه القبور متفاوتون في أحوالهم، فمنهم السعيد فيها، ومنهم الشقي. وهكذا يتذكر الشخص حال أهل هذا الميت بعد انتقاله عنهم؛ كانوا يحترمونه ويجلونه، وربما يرون أن موته يعني خسارة عظيمة في حقهم، وهو يرى أنه إذا مات ربما هؤلاء الأهل يضيعون ولا تستقيم أمورهم، فيموت هذا الشخص ويحزن عليه أهله أيامًا ثم يستمرون في حياتهم، ومنهم من يتزوج، ومنهم من كذلك يبني، ومنهم من يعمل، وهكذا تصلح أحوالهم ويقتسمون تركته، وأصبح يعني رهين عمله، وحال أهله على أحسن حال. فهذا يجعل العبد يتذكر، ويجعل العبد كذلك يعلم أن هذه الدنيا لا... هذه الدنيا لا يبقى فيها أحد، لا يبقى فيها أحد. وهكذا يتذكر عند زيارته لتلك القبور أن ذلك الزائر أحسن أحواله أن يدفن كما دفنوا، أن يدفن كما دفنوا، وأن هذه القبور متساوية، يستوي فيها الغني والفقير، يستوي فيها الغني والفقير. الغني في هذه الدنيا يختلف بيته عن بيت الفقير، ربما يعيش في قصر منيف أو في بيت جميل أو إلى غير ذلك، ولكن بعد الموت بيته كبيت الفقير، لا فرق بين قبر الغني وقبر الفقير في الظاهر، وفي العمق، وفي الطول والعرض، وإلى غير ذلك، فالقبور واحدة. فيتذكر المسلم مثل هذه المعاني العظيمة، فلا شك أنها تؤثر في نفسه وتؤثر في قلبه. قال المؤلف رحمه الله: وذكر ابن أبي الدنيا عن محمد بن صالح التمار قال: كان صفوان بن سليم يأتي البقيع في الأيام، فيمر بي، فاتبعته ذات يوم وقلت: والله لأنظرن ما يصنع. قال: فقنع رأسه وجلس إلى قبر منها، يعني اختفى بأن غطى وجهه ورأسه. قال: فقنع رأسه وجلس إلى قبر منها، فلم يزل يبكي حتى رحمته. قال: ظننت أنه قبر بعض أهله. قال: فمر بي مرة أخرى فاتبعته، فقعد إلى جنب قبر غيره، ففعل مثل ذلك. فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر، وقلت: إنما ظننت أنه قبر بعض أهله. فقال محمد: «كلهم أهل، كلهم أهله وإخوانه، إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة». قال: ثم جعل محمد بن المنكدر بعد يمر بي فيأتي البقيع، فسلمت عليه ذات يوم، فقال: «ما نفعتك موعظة صفوان؟» قال: فظننت أنه انتفع بما ألقيت إليه منها. وهذا الأثر يدل على أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانوا يزورون المقابر للتذكر وإزالة ما في قلوبهم من القسوة. وجاءت غير تلك الآثار، ومما جاء في كتاب الله مما فيه هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. ذكر ربنا عز وجل بتلك المقابر لمن ألهاه ماله وألهته دنياه، وألهته دنياه عما من أجله خلق، فذكر بهذا الأمر العظيم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ السورة. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه السورة: قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده... قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين، وزيارة قبور أموات المسلمين. قال: فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسى قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين بها على دواء دائه، ويستفرغ ويستصرع بها على فتن الشيطان وعوانه. ثم قال رحمه الله: فأما الاعتبار بحال المحتضرين فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات، لأن هذا الأمر لا تتمكن منه دائمًا وأبدًا، ولا يتيسر لك دائمًا وأبدًا، فلربما يأتي وقت أنت بحاجة إلى أن تتذكر وإلى أن تزيل ما في قلبك من قسوة، فلا تجد مثل هذا الأمر. ولذلك قال: وأما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر، والانتفاع بها أليق وأجدر. فإذن هذا المذكر وهذا المزيل يوجد معك في كل لحظة وفي كل زمان، وما أكثر مقابر أهل الإسلام! فإذا شعرت أو شعرت من نفسك قسوة، وكذلك يعني عدم لين ورقة، فأكثر من زيارة القبور. وإن سمعت بجنازة فهذا أفضل وأفضل، فتنال بذلك أجر الاتباع، اتباع الجنازة والصلاة عليها، وتتفكر في تلك القبور وتلك العظام التي أصبحت رميما ورفاتا، التي أصبحت رميما ورفاتا. ولكن في هذه الأزمان، وإلى الله المشتكى، تجد كثيرًا من المشيعين للجنائز كأنهم في مقهى، ليسوا في مقبرة، فلا تجد عليهم السكينة والتذكر والاعتبار، وإنما ذاك يتكلم مع صاحبه، وذاك يضحك، وربما بعضهم يدخن، يأتي بالسجائر في المقبرة ويدخن في المقبرة، يا سبحان الله! يعصون الله عز وجل في هذا المكان، ماتت القلوب وغفلت عما يعني منتظر لها من ذلك الحتم الأكيد، ألا وهو الموت. ينبغي للمسلم أن يعتني بهذا الجانب، وهو جانب التفكر، وكذلك الاتعاظ والاعتبار، سواء كان في الجنائز أو في زيارة يعني يقوم بها للمقابر. فهذا أمر مشروع: أن تذهب إلى المقبرة وتزور تلك المقبرة وتدعو لأهلها وتأخذ منها الاعتبار والاتعاظ والتذكر، وإلى غير ذلك كما تقدم معنا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.