المحاضرة بعنوان العشر الأواخر من رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدر الحديث بالشحر ٢٠ رمضان ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحث الخطيب المسلمين على استغلال العشر الأواخر من رمضان بالجد والاجتهاد مستشهداً بأقوال العلماء في أهمية الخواتيم. ويؤكد أن أحب الأعمال إلى الله أداء الفرائض واجتناب المحرمات قبل التوسع في النوافل استدلالاً بالحديث القدسي.
يبيّن المقطع أن أعظم مقصد للاعتكاف هو الخلوة بالله والتفرغ لعبادته لا إضاعة الوقت، ويوصي بالإكثار من القرآن والذكر والدعاء في ليالي القدر. كما يؤكد أن من لم يستطع الاعتكاف لعذر يمكنه استغلال أوقاته في ذكر الله وأعمال البر كإعانة الضعيف.
يناقش المقطع خلاف العلماء في وقت بدء الاعتكاف، حيث يرى الجمهور وابن عثيمين أنه يبدأ من ليلة إحدى وعشرين لكونها داخلة في العشر ومظنة ليلة القدر. ويُحمل حديث عائشة عن دخول النبي معتكفه صباحاً على اعتزال الناس لا على نية العبادة، ويختتم بالتسبيح والدعاء بالخاتمة الحسنة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فها نحن في أول ليلة من ليالي العشر الأواخر من رمضان، وها نحن في نهاية هذا الشهر المبارك، فينبغي على المسلم أن يشمر عن ساعد الجد، وأن يسارع ويسابق إلى الخيرات وإلى فعل الطاعات. يقول ابن الجوزي عليه رحمة الله: «إن الخيل إذا شارفت نهاية المضمار بذلت قصار جهدها لتفوز بالسباق، لتفوز بالسباق، فلا تكن الخيل أفطن منك». ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات». فاستدرك أخي المسلم ما فاتك من نقص في أول هذا الشهر بحلول هذه الأيام المباركة وهذه الليالي الفاضلة، فإن الأعمال بالخواتيم، فإن الأعمال بالخواتيم. ألا وإن أعظم ما ينبغي أن يشتغل به المتقربون، وأن يتسابق إليه المتسابقون في مثل هذه الليالي الفاضلة: القيام بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليك، فإن القيام بالواجبات أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في الحديث القدسي: قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يرويه عن ربه: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». الشاهد من هذا الحديث: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». فحافظ أخي المسلم على عمل الفرائض والواجبات، من المحافظة على أداء الصلوات في جماعة، وعلى كذلك المحافظة على ترك ما يغضب الله عز وجل من الكذب، أو من الغيبة، أو من النميمة، أو من كذلك القول الفاحش، أو إلى غير ذلك. فأحب ما يتقرب به العبد إلى الله سبحانه وتعالى إلى الله في هذه الأيام هو العمل بالواجبات. ثم بعد ذلك ليستكثر المسلم من عمل النوافل والمستحبات. وإن أعظم الأعمال التي تعين على التفرغ لعبادة الله: الاعتكاف في هذه العشر الأواخر من رمضان، فإنه من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وكما مر معنا من كلام ابن القيم عليه رحمة الله، فإنه ينبغي للمعتكف أن يعلم أن أعظم مقصد من مقاصد الاعتكاف: أن يخلو العبد بربه، أن يخلو العبد بربه، وأن كذلك يتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى. نعم، ليس من روح الاعتكاف أن يضيع المعتكف اعتكافه في القيل والقال، وفي كثرة النوم، والاشتغال بالمأكولات والمشروبات، وإنما المقصود الأعظم من ذلكم الاعتكاف: أن تكثر من عمل الصالحات. وأعظم ما ينبغي أن يشتغل به المعتكف في مثل هذه الليالي وفي اعتكافه: الاعتناء بالقرآن الكريم، أن يكثر من قراءة كتاب الله عز وجل نظراً وحفظاً ومراجعةً وتدبراً، وإلى غير ذلك. فليكثر المعتكف من قراءة القرآن، ثم بعد ذلك ليكثر كذلك من ذكر الله عز وجل من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، ومن الدعاء أيضاً، يكثر من دعاء الله عز وجل، فإن من مضان استجابة الدعاء ليلة القدر التي هي في تلكم العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك، من هذا الشهر المبارك. فالمهم أن المعتكف يكثر من الأعمال الصالحة، فمن وفقه إلى هذه العبادة وكان متفرغاً لطاعة الله سبحانه وتعالى، فليستغل هذه النعمة، وليشكر هذه النعمة، وذلك باستغلال تلك الأوقات فيما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. ومن لم يستطع لوظيفة أو لعمل أو لرعاية أو لأي عذر من الأعذار، فليس معناه أن يضيع وقته، بل يستطيع العاقل اللبيب الحريص على طاعة الله سبحانه وتعالى أن يذكر الله عز وجل في جميع أحواله وأحيانه: في بيته، في وظيفته، في عمله. وهكذا العبادة ليست مقصورة على عمل دون عمل، فلتعلم أن من العبادة أيضاً إعانة الضعيف، وهكذا السعي لقضاء حاجة المحتاج، وإلى غير ذلك من الأعمال الصالحة التي يتحصل العبد على رضى الله سبحانه وتعالى بالقيام بها وبأدائها. فهكذا لا يضيع غير المعتكف وقته، ويستطيع أن يلزم المسجد ما وجد فراغاً، ما وجد فراغاً، أو أن يكثر من قراءة القرآن في وقت فراغه وعدم شغله. فالمهم أن المسلم ينبغي عليه أن يستغل هذه الأيام وهذه الليالي بطاعة الله سبحانه وتعالى. وهنا مسألة يسأل عنها كثير من المعتكفين، وهي مسألة ابتداء الاعتكاف. هذه المسألة جاء فيها حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح البخاري، أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أصبح دخل معتكفه، دخل معتكفه». فبعض أهل العلم أخذ بظاهر هذا الحديث، وقال: إن الاعتكاف يبتدئ من صبيحة يوم الحادي والعشرين، يوم الحادي والعشرين. ولكن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك، وقالوا: إن ابتداء الاعتكاف يبتدئ من ليلة إحدى وعشرين، وليس من صباح يوم إحدى وعشرين، بل من ليلة إحدى وعشرين، لعدة أمور: الأمر الأول: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وهذه الليلة تدخل في عموم العشر. وكذلك جاء في حديث عائشة: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، ما لا يجتهد في غيرها». هذا أمر. الأمر الآخر: أن ليلة إحدى وعشرين هي مظنة ليلة القدر، بل قد وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة إحدى وعشرين، في ليلة إحدى وعشرين، والمقصد الأعظم من الاعتكاف: أن يجتهد المعتكف رجاء أن يدرك هذه الليلة، رجاء أن يدرك هذه الليلة، ليلة القدر. فلأجل هذين الأمرين ذهب جمهور أهل العلم على أن ابتداء الاعتكاف يبتدئ من ليلة إحدى وعشرين، وهي هذه الليلة التي نحن فيها. أما حديث عائشة: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أصبح دخل معتكفه»، فحمل هذا الحديث على اعتزال الناس، يعني: يبتدئ عليه الصلاة والسلام اعتزال الناس في يوم إحدى وعشرين، في يوم إحدى وعشرين. أما نية الاعتكاف فقد عقدها في ليلة إحدى وعشرين من الليل. هذا ما أجاب به جمهور أهل العلم، وإلى هذا ذهب العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، وهو جواب وجيه، وهو جواب وجيه. فالحديث ليس بصريح أن ابتداء اعتكافه عليه الصلاة والسلام كان في صبيحة إحدى وعشرين، وإنما يفيد الحديث أن دخوله إلى المعتكف، وهو المكان الذي يهيأ له من أجل أن يعتزل فيه الناس، في يوم إحدى وعشرين. أما ابتداء الاعتكاف فكان في ليلة إحدى وعشرين. هذا والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.