الدرس في مكفرات الذنوب 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن الإحسان إلى المخلوقات حتى البهائم يعد من أعظم مكفرات الذنوب عند إخلاص النية، مستشهداً بقصة البغي التي سقت كلباً فغفر الله لها. كما يذكر أن الإحسان في الوضوء أو الاغتسال يوم الجمعة من الأسباب الموجبة لمغفرة الذنوب مستدلاً بحديث أبي هريرة.
يوضح المقطع فضل من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء، ثم حضر مبكراً فدنا من الإمام، واستمع وأنصت للخطبة فيغفر له ما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام. كما يؤكد أن الإنصات يستلزم توجيه النظر إلى الخطيب وترك العبث اقتداءً بهدي السلف.
يوضح المقطع أن كفارة المجلس هي دعاء مأثور يكفر الله به ما يقع في المجلس من لغط وزلل غير متعمد. ويؤكد أن هذا الدعاء لا يبرر تعمد المعاصي كالغيبة والنميمة، بل هو لغفران السهو والخطأ غير المقصود.
يدعو المتحدث إلى الحرص على الأذكار والأدعية والمكفرات طمعاً في مغفرة الله ورحمته وتوبته. ويختتم الحديث بالحمد لله رب العالمين خاتمةً للدرس.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فهكذا من مكفرات الذنوب الإحسان إلى الخلق بإطعام جائعهم، وسقي عطشانهم، وكسوة عاريهم. ولو كان هذا الإحسان حتى إلى البهائم وإلى الحيوان. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما كان كلب يطيف بركية، كاد يقتله العطش» - يعني يدور حول بئر، وما يستطيع يستخرج الماء من هذا البئر - قال: «إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل» والبغي هي الزانية. رأت هذا الكلب وهو يطيف بركية، يعني يطلب الماء من شدة العطش. قال: «فنزعت موقها» يعني خفها «فسقته، فغفر لها به». فانظر كيف رحمت وأحسنت إلى هذا الكلب فسقته، فكان هذا الفعل سببًا في غفران ذنوبها. فمتى ما أخلص الإنسان وفعل ذلك لوجه الله سبحانه وتعالى فهو من أسباب مغفرة الذنوب. هذا في كلب، فكيف لو كان هذا هذه السقيا لإنسان مسلم، أو كذلك هذا الإطعام لمسلم من إخوانك المسلمين؟ فلا شك أن هذا أولى وأولى. فأحسن إلى خلق الله عز وجل ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، فلعل الله عز وجل أن يغفر ذنوبك. وهكذا من أسباب - ومن مكفرات - الذنوب ما جاء في حديث أبي هريرة فيمن أتى يوم الجمعة فأحسن الوضوء. فقد جاء في سنن أبي داود، وصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء». وفي رواية: «من اغتسل يوم الجمعة» فيكون الغسل يشمل رواية الوضوء. نعم؛ لأنه غسل، لأنه وضوء وزيادة؛ لأنه وضوء وزيادة. قال: «من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنى» يعني قرب من الخطيب، وهذا هو الأفضل فيمن أتى الجمعة: إن وجد مكانًا بالقرب من الإمام فليفعل. قال: «ثم أتى الجمعة فدنى، واستمع، وأنصت». دنى واستمع وأنصت، يعني لم يشتغل بغير الاستفادة مما يقوله الإمام، فاستمع وأنصت. واستدل أهل اللغة بهذا الحديث على أن الإنصات هو غير الاستماع، هو غير الاستماع، كما في الآية: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]. فالإنصات استماع وزيادة، يعني تسمع مع الانتباه لما يقرأ أو لما يلقى. قال: «أتى الجمعة فدنى واستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام». انظر: من الجمعة إلى الجمعة سبعة أيام، وزيادة ثلاثة أيام، يعني عشرة أيام. عشرة أيام. قال: «ومن مس الحصى فقد لغا». فهذا فيه هذا الفضل العظيم فيمن حرص على التطهر يوم الجمعة، وكذلك أن يؤدي هذا التطهر على أكمل وجهه، وهو المراد بالإحسان في الوضوء أو الغسل، ثم أتى الجمعة وقرب، دنى من الإمام، واستمع وأنصت. أيضًا استدل العلماء بهذا على أن المستمع للخطيب من الاستماع والإنصات أن يتوجه إلى الخطيب، وأن ينظر إلى الخطيب. وكان هذا فعل السلف من الصحابة ومن تبعهم، كما ذكر ذلك العلامة الألباني عليه رحمة الله. يعني إذا خطب الإمام أو الخطيب فتتوجه الأنظار إليه، فهذا أدعى في الفهم والإنصات؛ لأنه ربما يعني يكون الاستيعاب، استيعاب ما يقال، وكذلك فهم ما يقال بحركة الإمام، بحركة الإمام وإشارة الإمام وتفاعل الإمام أو الخطيب. فإذا توجه إليه ونظر إليه كان هذا أدعى في الإنصات. ففيه هذا الفضل العظيم: غفر له ما بينه وبين الجمعتين - والجمع الأخرى - وزيادة ثلاثة أيام، وزيادة ثلاثة أيام. فحرص أخي المسلم على مثل هذه المكفرات، فما أكثر ذنوبنا، نسأل الله الغفران. وهكذا من مكفرات الذنوب الإتيان بكفارة المجلس. فإن المجالس الغالب، لا سيما مجالس أهل هذا الزمان، يكثر فيها اللغط، ويكثر فيها الخطأ والزلل. فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإتيان بهذا الدعاء الذي بإذن الله عز وجل يكون سببًا في غفران ما وقع منك في هذا المجلس من خطأ وزلل. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه» فكثر فيه لغطه «فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك». رواه الترمذي. فاحرص على الإتيان بهذا الدعاء. ولا يستدل بهذا الحديث كما يفهم البعض أنك تجلس مجلسًا وتكثر فيه من الغيبة والنميمة والكذب، وكذلك السب والشتم، ثم تقول: خلاص، نأتي بهذا الدعاء ويغفر لنا ما قلنا في ذلك المجلس. لا، ليس هذا المراد. وإنما المراد: من جلس مجلسًا فكثر لغطه، يعني زلت لسانه من غير قصد، وهذا قد يقع فيه الإنسان. نعم، ما يقصد الغيبة، أو ما يقصد مثلًا الزلل والخطأ، فيقع في شيء من ذلك. فهذا الذكر والدعاء يكون سببًا في يعني غفران هذا الخطأ والزلل. وليس المراد أنك تتعمد الخطأ أو الزلل أو كذلك الذنب في هذا المجلس ثم تقول: نأتي بهذا الذكر ويغفر لنا. ليس الأمر كذلك. نعم. وهذا الدعاء في أوله تسبيح لله عز وجل وتحميد، وإقرار بألوهيته سبحانه وتعالى، ثم في ختامه الاستغفار: «أستغفرك وأتوب إليك»، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك، ما كان في مجلسه ذلك. فلنحرص على مثل هذه الأذكار وهذه الأدعية وهذه المكفرات، لعل الله عز وجل أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يتوب علينا، إنه هو التواب الرحيم. والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر