الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 36، ألقاها
يتناول الرد على شبهة القبورية الذين يزعمون إجماع العلماء على عبادة الأضرحة. يبين أن السكوت ليس إقرارًا وأن الإجماع على باطل مستحيل.
يناقش حكم دعوى الإجماع في ظل انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين، ويشرح مراتب الإنكار الثلاث. يستند إلى الأحاديث النبوية والآيات القرآنية في ذلك.
يشرح مفهوم الإنكار بالقلب وضرورته عند العجز عن الإنكار باليد أو اللسان، ويؤكد على حسن الظن بالمسلمين وتأويل أفعالهم. يشير إلى أن سكوت العلماء لا يعني إقرارهم للمنكرات.
يعبر عن ختام الدرس بالدعاء بحمد الله والاستغفار والتوبة، ويشكر المستمع. ينهي الحديث بنبرة إيمانية وتوجه إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مر معنا ما ذكره الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتاب تطهير الاعتقاد في ذكر بعض شبه القبورية، وهو قولهم: إن التقرب إلى الأولياء وإلى أصحاب الأضرحة بأنواع من القربات من ذبح ونذر ودعاء وسؤال، إلى غير ذلك، أن هذا الأمر مستمر على مدى قرون متتابعة دون نكير من العلماء، فكان إجماعًا. ورد هذا القول الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى وأجاب عنه، وقد تقدم الكلام على ذلك أن الإجماع ليس هناك إجماع. كيف يكون إجماع على باطل ومنكر؟ ومع هذا بيَّن الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى أن سكوت من سكت من العلماء ليس سكوت إقرار، وإنما سكوت إنكار. لذا قال رحمه الله تعالى: فإن قلت: يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة، حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة -أي هذا قول أو شبهة- إذا كان العلماء سكتوا عن ذلك الأمر، وهو منكر، لازم ذلك أن تكون الأمة أجمعت على منكر وسكتت عليه. قالوا: هذا محال، إذن عبادة الأضرحة جائز، هذا هو محصل الشبهة. فأجاب عن هذا بقوله رحمه الله تعالى: قلت: الإجماع حقيقته اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر بعد عصره -أي هذا هو حقيقة الإجماع اتفاق مجتهدين الأمة بعد موته صلى الله عليه وسلم على أمر ما- هذا هو الإجماع. قالوا: فقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأئمة الأربعة -أي يقولون بأن الاجتهاد انقطع بموت الأئمة الأربعة- وهذا القول كما قال الإمام الصنعاني رحمه الله: وإن كان هذا قولًا باطلًا وكلامًا لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلًا -أي من قطاع الاجتهاد بعد الأئمة هذا قول باطل منكر-. لكن يقول رحمه الله تعالى: فعلى زعمهم -أي على زعم أتباع الفقهاء الأربعة- لا إجماع أبدًا؛ لأن الاجتهاد انقطع، فليس ثم من يجتهد، وليس هناك مجتهدون، فإذا لا إجماع، ما دام أن المجتهدين غير موجودين. فإذا لا إجماع -أي على زعم هؤلاء وعلى قول هؤلاء- قال: فعلى زعمهم لا إجماع أبدًا بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال -أي الشبهة تسقط-. ثم قال: فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب، وإنما كان متأخرًا، فعلى هذا يكون لا إجماع على قول من قال هذا القول من أتباع الأئمة رحمهم الله. قال: وعلى ما نحققه، فالإجماع وقوعه محال -أي التحقيق أن الإجماع- يقول إمام الصنعاني رحمه الله تعالى وقوعه محال، ولا سيما في الأزمنة المتأخرة. لماذا؟ قال: فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كل أرض وتحت كل نجم، فعلماؤها المحققون لا ينحصرون، ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم، فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين، فإنها دعوى كاذبة -أي لا إجماع في الحقيقة- ولا سيما مع كثرة العلماء والمجتهدين وتفرقهم في أصقاع الأرض. قال رحمه الله تعالى: فإن دعوى -أي دعوى الإجماع- فإنها دعوى كاذبة، كما قاله أئمة التحقيق، كما ثبت ذلك عن الإمام أحمد رحمه الله؛ لأن أحمد رحمه الله تعالى يقول: من ادعى الإجماع فهو كاذب أو فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا، لعل الناس قد اختلفوا. وهذا القوم من الإمام أحمد رحمه الله تعالى وجّههم الأئمة رحمهم الله تعالى على إجماع المبتدعة المنقول، أو على الإجماع الذي ليس هو إجماعًا في الحقيقة، وإلا فإن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيرهم من الأئمة قد نقلوا إجماعات. قال رحمه الله تعالى: ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر وما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره، لما دل سكوتهم على جوازه. لماذا؟ قال: فإنه قد علم من قواعد الشريعة أن وظائف الإنكار ثلاث وظائف -أي مراتب الإنكار ثلاث- أولها الإنكار باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته، وثانيها الإنكار باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد، وثالثها الإنكار بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان. وهذا ما أُخذ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه» وبنحوه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وفي آخره قال: «فبقلبه، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان». فمراتبه إنكار المنكر باليد لمن استطاع، فمن لم يستطع فباللسان، فمن لم يستطع فبالقلب، ولا بد من إنكار القلب، لا بد من إنكار القلب؛ إنكار القلب واجب، إنكار القلب واجب؛ لأنه في قدرة الإنسان وفي استطاعته. والله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: فإن انتفى أحدهما لم ينتف الآخر. ومثاله مرور فرد من أفراد علماء الدين بأحد المكاسين -المكاسين أي الذين يأخذون الضرائب والمكوس على الناس- قال: وهو يأخذ أموال المظلومين، قال: فهذا الفرد من علماء الدين لا يستطيع التغيير باليد على هذا الذي يأخذ أموال المساكين، ولا باللسان؛ لأنه إنما يكون سخرية لأهل العصيان، فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين -أي باليد واللسان- ولم يبق إلا الإنكار بالقلب الذي هو أضعف الإيمان، فيجب على من رأى ذلك العالم ساكتًا عن الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه، أن يعتقد أنه تعذر عليه الإنكار باليد واللسان وأنه قد أنكر بقلبه -أي لا يقول قائل: ما دام أن هذا العالم مر ورأى وشاهد ذلك الأمر ولم يغيره ولم ينكره لا بيده ولا بلسانه أنه مقر لذلك المنكر- لا يقول عاقل ذلك، ولكن يقال: بأنه لم يستطع الإنكار لا باللسان وقبل ذلك لا باليد ولا باللسان، فانتقل إلى الإنكار بالقلب، فانتقل إلى الإنكار بالقلب، فسكوته ليس سكوت إقرار، ولكنه سكوت إنكار، سكوته سكوت إنكار -أي لذلك المنكر ولذلك الظلم الذي هو أخذ أموال الناس بالباطل بمسمى المكوس والضرائب-. قال رحمه الله تعالى: فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب، والتأويل لهم مهما أمكن «ضربة لازب» -«ضربة لازب» هذا مثل بمعنى الأمر اللازم الشديد- قال: فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب، والتأويل لهم مهما أمكن «ضربة لازب». فالداخلون إلى الحرم الشريف والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي نُصبت كالمارين على المكاسين، كالمارين على المكاسين وعلى القبوريين -يعني يذكر ما كان الناس عليه في زمان الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى، بل وقبله بأزمنة، أن الناس في الحرم، الناس في الحرم كانت لهم أربعة محراب، ويصلي فيه إمام ويتبعه أهل مذهبه، فكانوا في الصلاة الواحدة أربعة أئمة في الحرم، أربعة أئمة، ومع هذا ما استطاع إنكاره العلماء. فهل يقول قائل ويقول عاقل بأن العلماء الذين لم يستطيعوا الإنكار لا باليد ولا باللسان؛ لأنهم مقرون لذلك التفرق ولذلك الاختلاف؟ الجواب لا، ولكن يكون إنكارهم من الإنكار بالقلب، يكون إنكارهم من الإنكار بالقلب، إذا قال: معذورون عن الإنكار إلا بالقلب، كالمارين على المكاسين وعلى القبوريين. قال: ومن هنا يعلم اختلال ما استمر في نسخة ما اشتهر عند أئمة الاستدلال من قول في بعض ما يستدلون عليه بالإجماع: إنه وقع ولم ينكر، فكان إجماعًا -أي أن أمر أو قول قيل وانتشر أو حصل ولم ينكره منكر، فدل ذلك على إجماعهم- قال: وجو اختلاله أن قولهم: «ولم ينكر» رجم بالغيب. لماذا؟ قال: فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة، فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة تعذر عليها الإنكار باليد واللسان، ولا سيما إن كان ذلك الفعل أو ذلك الأمر أو ذلك القول صدر من حاكم ظالم أو إنسان ذا سطوة وما شابه ذلك. قال: وأنت تشاهد في زمانك أنه كم من أمر يقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك وأنت منكر له بقلبك. وهو يحكي عن نفسه رحمه الله أنه ربما رأى الإنسان منكرًا، لكن لا يستطيع أن يغيره بلسانه، ولا يستطيع -من باب أولى- أن يغيره بيده، فهل معنى هذا أنه أقر ذلك المنكر؟ الجواب لا؛ لأنه إنما أنكره بقلبه. قال رحمه الله تعالى: ويقول الجاهل إذا رأىك تشاهده: سكت فلان عن الإنكار، يقوله إما لائمًا أو متأسيا بسكوته، فالسكوت لا يستدل به عارف. وكذا يعلم اختلال قوله في الاستدلال: «فعل فلان كذا وسكت الباقون فكان إجماعًا» مختل من وجهين يأتي ذكرها بإذن الله تبارك وتعالى في درس لاحق إن شاء الله تبارك وتعالى. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.