الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 5، ألقاها
الدرس يبدأ بشرح معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأنها تتضمن العلم واليقين والإخبار بأن الله هو المعبود الحق. يُوضح أن كل ما يُعبد سوى الله فهو باطل.
يشرح توحيد الله ونفي الشرك به، ويؤكد أن الله هو الحق وما دونه باطل، ويشهد بأن محمدًا عبده ورسوله، ويبين حدود قدرة الرسول.
يشرح مقدمة الإمام الصنعاني وكيف استهل كتابه بأسلوب 'براعة استهلال'. يبين معاني بعض الآيات القرآنية والألفاظ العربية المستخدمة في المقدمة.
يصف انتشار الشرك بين الناس في مختلف الأمصار والبلاد الإسلامية، ويشير إلى مشاهدة هذا الانتشار في مناطق متعددة، وينتهي بذكر دعاء يتضمن التسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد": قال رحمه الله: "وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربًا معبودًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أمره أن يقول: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله﴾، وكفى بالله شهيدًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه التابعين له في السلامة عن العيوب وتطهير القلوب عن اعتقاد كل شيء يشوب". قال رحمه الله بعد أن بدأ كتابه العظيم بالحمد لله رب العالمين جل وعلا: "وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة حق وشهادة صدق وشهادة يقين". شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة سبحانه وتعالى. والشهادة تتضمن العلم بالمشهود به وتتضمن كذلك الإخبار والإعلام عن ذلك المشهود به. فقوله رحمه الله تعالى: "وأشهد أن لا إله إلا الله" فيه هذه المعاني أنه علم وتيقن هذا الأمر وهذه الحقيقة، وكذلك أخبر بها غيره بل وأعلم بها من يصله ذلك العلم. فمعنى الشهادة كما تقدم يتضمن هذه الأمور كلها. قوله رحمه الله تعالى: "وأشهد أن لا إله إلا الله" أي لا معبود حق إلا الله، لأن الإله في اللغة بمعنى المألوه والمألوه بمعنى المعبود. وكما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله جل وعلا: ﴿ويذرك وآلهتك﴾ قال: أي عبادتك. فدل ذلك على أن الإله هو المعبود، لا كما يقوله الجهال وأنصاف العلماء والبعيدون عن اللغة وكذلك عن الشرع من أن "لا إله إلا الله" معناها "لا مخترع إلا الله" أو "لا صانع إلا الله" أو ما شابه ذلك من العبارات البعيدة عن حقيقة هذه الكلمة. وأشهد أن لا إله إلا الله إخبار وإعلام بأنه لا إله معبود يستحق العبادة الحق إلا الله جل وعلا، لأن الله جل وعلا هو الحق وما سواه فهو باطل. قال الله جل وعلا: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. فكل ما سوى الله إن عُبِد، كائنًا من كان ذلك المعبود ولو كان ملكًا مقربًا ولو كان نبيًا مرسلًا ولو كان صالحًا من الصالحين ولو كان شجرًا أو حجرًا أو شمسًا أو قمرًا أو غير ذلك، فإن عبادته باطلة. ذلك بأن الله هو الحق، أي الإله الحق المعبود الحق، وأن ما يدعون من دونه أي يعبدون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير العلي عن أن يُعبَد سواه، العلي لأنه المستحق وحده لصفات الكمال والجلال للعظمة والمحبة والإجلال، العلي العظيم عظيم سبحانه وتعالى في ذاته وعظيم في صفاته، فلا يستحق العبادة أحد سواه سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله تعالى: "وأشهد أن لا إله إلا الله وحده" هذا كما يقول علماء التوكيد للإثبات. وقوله: "لا شريك له" توكيد للنفي. وكما قال علماء أن التوكيد بعد التوكيد فيه تعظيم لهذا المقام الجليل وهو توحيد الله جل وعلا وحده والبعد عن الشرك بالله جل وعلا بكافة أنواعه وألوانه. قال رحمه الله: "لا شريك له ربًا معبودًا". ربًا لأنه هو الذي ربى العباد فمددهم خلقهم أوجدهم سبحانه وتعالى من العدم، ثم أمددهم بالأرزاق وأمددهم بما يقومون به ويحصل لهم القوام، فهو الذي ربى جميع خلقه جل وعلا بإنعامه وفضله وإحسانه. لا شريك له ربًا، فلا رب سواه، لا خالق سواه، لا مدبر سواه، لا قادر على الإيجاد سوى سبحانه وتعالى. هو الرزاق وحده، وهو الخالق وحده، وهو ملك الملوك جل وعلا، وكل ما سواه فإنه محتاج فقير إلى ربنا جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: "ربًا معبودًا" أي معبودًا يستحق العبادة وحده لا شريك له. وحده لا شريك له سبحانه وتعالى. قال: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" كذلك إعلام وإخبار وشهادة علم ويقين بأن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عبد الله جل وعلا. وإذا كان عبدًا لله جل وعلا فلا يجوز لأحد أن يعبده، لا يجوز لأحد أن يعتقد فيه أنه يستحق شيئًا من العبادة كاستحقاق الله جل وعلا لها. قال: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أمره أن يقول: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله﴾". هذه الآية ذكرها الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في مقدمته إشارة إلى مضمون كتابه. إذ هذا الوصف وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره نفعًا أو ضرًا. إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم خلق الله جل وعلا وأقربهم إليه وأحبهم إليه وأجلهم إليه سبحانه وتعالى، يقول له ربنا تبارك وتعالى: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله﴾. ومعنى هذا أن المالك للنفع والضر هو الله جل وعلا وحده لا شريك له. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا لنفسه فضلًا عن غيره، فغيره من باب أولى أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ومن باب أولى أنه لا يملك لغيره نفعًا أو ضرًا. فذكر الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى لهذه الآية في هذا المقام في المقدمة هذا الأسلوب يسميه علماء البلاغة "براعة استهلال". يسميه علماء البلاغة "براعة استهلال" إذ أنه استهل كتابه بمقدمة أشار فيها إلى معنى ومضمون الكتاب الذي أراد تأليفه رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: ﴿وكفى بالله شهيدًا﴾ أي بعد أن ذكر الآية في قول: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله﴾ ثم قال: ﴿وكفى بالله شهيدًا﴾ أي على هذه الشهادة التي نطق بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. قال: "صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه التابعين له في السلامة عن العيوب وتطهير القلوب عن اعتقاد كل شيء يشوب". قوله "صلى الله عليه وعلى آله" الآن في اللغة يطلق على الأتباع، فأتباع الرجل آله، ويطلق كذلك على الأقارب، فآل الرجل أقاربه. قال: "وعلى آله وأصحابه التابعين له في السلامة عن العيوب" أي أنهم تابعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السلامة عن العيوب التي تخدش التوحيد وتنقض التوحيد. قال: "وتطهير القلوب كذلك عن أدران الشرك". قال: "عن اعتقاد كل شيء يشوب". وقوله "عن اعتقاد كل شيء يشوب" كذلك فيه معنى من معاني "براعة الاستهلال". قال: "وبعد" كلمة يؤتى بها للفصل بين موضوعين، وها هنا أتى بها للفصل بين المقدمة وللشروع في الموضوع. ومعناها عند سيباويه وجماعة من أهل اللغة أنها بمعنى "مهما يكن من شيء". قال: "فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد". وقوله "فهذا" هذا اسم إشارة، واسم الإشارة إما أن يكون إلى شيء محسوس وإما أن يكون إلى شيء مراد في الذهن. قال رحمه الله تعالى: "فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد والتطهير" من طهر الشيء طهرًا وتطهيرًا. ومعنى التطهير التنقية من النجاسات، التنقية من الأدناس، التنقية عن كل شيء يشوبه. وقوله: "تطهير الاعتقاد" تطهير مضاف والاعتقاد مضاف إليه. إذن التطهير مضاف إلى ماذا؟ إلى الاعتقاد. والاعتقاد من عقد الشيء إذا ربطه. ويقال لما يعتقده الإنسان عقيدة لأنه يعقد القلب عليها. والعقيدة قد تكون صحيحة وهي ما كانت موافقة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تكون فاسدة إذا كانت مخالفة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد". والأدران جمع درن، والدرن هو الوسخ. والإلحاد أصله من لحد، ومادة لحد تدور على معنى الميل عن الشيء والعدول عنه. قال: "وجب علي تأليفه وتضيق علي ترصيفه" أي وجب علي تأليفه تأليف ذلك الكتاب، أنها من الواجبات التي تتحتم على العلماء أن يبينوا للناس ما أنزل الله جل وعلا ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. قال: "لما رأيته" وقوله "لما" تعليل لتأليف لهذا الكتاب. لما رأيته وعلمته يقينًا من عموم الناس اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد من اليمن والشام ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.