الدرس في كتاب الحج 9، ألقاها
يتناول المقطع شرحًا لمحظورات الإحرام وهي الأشياء الممنوعة بسبب الإحرام، ويستند في ذلك إلى القرآن والسنة وإجماع العلماء. يعدد بعضًا من هذه المحظورات مثل حلق الشعر وقلم الظفر.
يرى الإمام مالك أن حلق الشعر لأجل إذهاب الأذى يعتبر محظورًا يوجب الفدية، واستدل بآية القرآن وحديث كعب بن عجرة. كما يوضح أن التحديد بعدد معين من الشعرات لا دليل عليه.
اختلف العلماء في حكم إزالة الشعر وتقليم الأظافر للمحرم، والأحوط هو عدم الإزالة. إذا انكسر ضفر الإنسان وأصبح مصدر إزعاج، يجوز له قصه لإزالة الضرر ولا إثم عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الحج منه، باب محظورات الإحرام. وقوله رحمه الله تعالى: "باب" كما مر معنا مرارًا، يراد به مدخل للكلام على أحكام ومحظورات على أحكام ومسائل محظورات الإحرام. وقوله رحمه الله تعالى: "محظورات الإحرام" هذه الإضافة من إضافة الشيء إلى سببه، والمعنى المحظورات بسبب الإحرام، أي أن تلك الأشياء قبل دخول المحرم في إحرامه أنها باقية على أصل الحل، لكن لما أحرم حضرت عليه هذه الأشياء، فقيل لهذه الأشياء التي حضرت بسبب الإحرام محظورات الإحرام، أي محظورات سببها الإحرام. والمحظور أو في قوله رحمه الله تعالى "محظورات" جمع محظور، والمحظور من الحضر، والحضر بمعنى المنع، والمحظور أي الممنوع. ومنه قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْضُورًا﴾ أي ما كان عطاء ربك ممنوعًا. ومنه كذلك قول العلماء رحمهم الله تعالى "محظورات الإحرام" أي الأشياء المحرمة بسبب الإحرام. فالمحظور بمعنى المحرم، وهو كذلك يعود إلى المنع؛ لأن المحرم بمعنى الممنوع. وقوله رحمه الله تعالى: "باب محظورات الإحرام وهي تسع". قوله "وهي تسع" حصرها بهذا العدد راجع إلى الاستقراء، أي استقراء العلماء رحمهم الله تعالى لكتاب الله تبارك وتعالى ولسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فظهر لهم أن محظورات الإحرام أي ممنوعات بسبب الإحرام تسعة أشياء. قال رحمه الله تعالى: "وهي التسعة حلق الشعر وقلم الظفر". ففي ثلاث منها دم، وفي كل واحد مما دونها مد طعام، وهو ربع الصاع. وإن خرج في عينه شعر فقلعه، أو نزل شعره فغط عينيه، أو إن كسر ضفره فقصه، فلا شيء عليه. قوله رحمه الله تعالى: "وهي تسع حلق الشعر". عبر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى بهاهنا بقول "حلق الشعر" ولم يقل "إزالة الشعر"، مع أنه يقرر كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا أن بقية الشعور داخل في هذا الحظر وفي هذا المنع. ولكنه رحمه الله تعالى عبر بقوله "حلق الشعر" لأن هذا التعبير هو تعبير قرآني، فهو دليل وحكم. ويستفاد من هذا أن من تكلم بكلام شرعي أو كتب أو ألف في تأليف من التأليفات الشرعية، ووجد تعبيرًا قرآنيا أو تعبيرًا نبويا، فإنه لا يعدل عنه؛ لأنه بالتعبير بذلك التعبير يجمع بين أمرين، بين الحكم والدليل. وحلق الشعر من محظورات الإحرام، يدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي قبل أن يبلغ الهدي محله، فلا يجز لكم أن تحلقوا رؤوسكم. ويدل على ذلك ما في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه وأرضاه، أنه رآه أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه وقد اشتكى من هوام رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لعل هوام رأسك تؤذيك؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «فاحلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة». وهذا يدل على أن حلق الرأس للمحرم محرم، إذ لو لم يكن محرمًا لما ترتبت عليه الكفارة بفعله. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يحلق رأسه، وأن يكفر عن حلقه رأسه. وحلق الشعر دل عليه ما سمعتم الكتاب والسنة، وكذلك أجمع عليه علماء الأمة رحمهم الله تعالى على أن من حلق رأسه فقد فعل محظورًا من محظورات الإحرام، وأنه يجب عليه الفدية أي الكفارة. وقوله رحمه الله تعالى: "وقلم الظفر". قبل أن ننتقل إلى هذا الأمر الأول أو المحظور الأول حلق الشعر، من حلق شعره كل شعره كما مر معنا في حديث كعب بن عجرة، وكما هو نص الآية، فإنه فعل محظورًا من محظورات الإحرام، وفيه الفدية. بقي أن من فعل أو من حلق دون ذلك، أو ما هو الضابط في المحظور في حلق الشعر الذي إذا فعله الإنسان فإنه يجب عليه الفدية؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أقوالًا. منهم من قال: إن من حلق أو قطع ثلاث شعرات فإنه فعل المحظور، وعليه الفدية. ومنهم من قال أربع شعرات، ومنهم من قال خمس، ومنهم من زاد، ومنهم من قدره بالربع أو بالثلث. ومنهم من ذهب إلى أن من حلق شعره لأجل إذهاب أذى، فإنه يكون فعل المحظور الذي يوجب الفدية. وهذا القول هو الذي ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى، وهو كذلك الموافق لظاهر القرآن؛ لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. والشاهد ما تقدم، وكذلك في حديث كعب بن عجرة: «لعل هوامك تؤذيك؟» فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه لأجل ذلك. وأما التحديد بالثلاث شعرات أو أربع أو ثلث أو ربع، فهذا لا دليل عليه. بل جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه. ومعلوم أن المحتجم يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى إزالة شيء من الشعر. ومع هذا لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفدى أو فدى عن ذلك الحلق. فدل ذلك على أن من حلق شيئًا من رأسه لحاجة أو لمرض أو لضرر، فإن ذلك لا شيء عليه. يعني مثال ذلك لو أن إنسانًا حصل له جرح في رأسه، فاحتاج إلى أن يعمل عملية صغيرة في رأسه، فاحتاج الأطباء إلى أن يحلقوا شيئًا من الشعر لأجل أن يعملوا شيئًا من العلاج أو العملية الصغيرة في الرأس، فهل حلق ذلك الشعر يوجب الفدية؟ الجواب لا. يدل عليه حديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه وأرضاه في احتجام النبي صلى الله عليه وسلم في رأسه وهو محرم. فالصحيح من أقوال العلماء كما تقدم ما ذكره الإمام مالك رحمه الله تعالى، مع التنبيه إلى ما نبه عليه العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب، وهو أنه لا يجوز للإنسان أن يتعمد حلق شيئًا من رأسه. لا يجوز للمحرم أن يتعمد حلق شيئًا من رأسه، لكن إذا كانت له حاجة يسيرة كما تقدم في أمر الحجامة، فلا بأس. والحاجة تقدر بقدرها، لا يزاد في ذلك. فأما من تعمد حلق شيئًا من الشعر لا لحاجة، فإنه فعل محرمًا؛ لأن ربنا تبارك وتعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وهذا حلق رأسه. والقاعدة عند الفقهاء رحمهم الله تعالى أن الأمر لا يؤتى به حتى يؤتى بجميعه، وكذلك النهي لا يفعل أو لا يؤتى به على صورة المشروع حتى يترك جميعه. ففرق بين إيجاب الفدية وبين كون الشيء محظورًا محرمًا. بقية الشعور هل تلحق بشعر الرأس أم لا تلحق بشعر الرأس؟ يعني مثلًا لو أزال أو قص الإنسان أو حلق الإنسان شاربه، أو احتاج إلى حلق العانة، أو إلى نتف الإبط، بقية الشعور إذا حلق شيئًا من الشعور أو قصها أو نتفها إلى غير ذلك، هل يكون بذلك فعل محظورًا من محظورات الإحرام أم لا؟ جماهير العلماء رحمهم الله تعالى إلى أن من فعل شيئًا من ذلك فإنه يكون فعل محظورًا، وتجب عليه الفدية. استدلالًا بالأدلة السابقة: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ قالوا: والمقصود ليس حلق الرأس فقط، بل المقصود ابتعاد المحرم عن الترفه وما كان فيه معنى الترفه. فكل ما كان فيه معنى الترفه فإنه يدخل في محظورات الإحرام، ومنه قص الشارب، ومنه نتف الإبط إلى غير ذلك. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن ذلك ليس بمحظور لعدم الدليل الدال على ذلك. قالوا: ما استدل به من قال بالمنع إنما استدل بدليل خاص، وهو حلق الرأس. والدليل الخاص لا يستدل به على الأمر العام، فلا يستدل بالجزئي على الكلي. يعني الآية فيها: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ فكيف يلحق به هذا الحكم بقية الشعور؟ قالوا: لا دليل على ذلك. ثم أجاب كذلك عن العلة المذكورة، وهي أن المقصود من النهي عن حلق الرأس ترك الترف في الإحرام. قالوا: هذه العلة منقوضة، ولا يسلم لها؛ إذ أن المحرم له أن يفعل ما يفعل من الأشياء التي فيها ترف، كأن يلبس الثياب المترفة، ما لم تكن من محظورات الإحرام، وأن ينام على الأشياء المترفة، وأن يتبرد بالمكيفات مثلًا في هذه الأيام. إنهم يفعلون ما يستطيعون من الأمور التي فيها ترفه والترف، ما لم يكن محظورًا من محظورات الإحرام. قالوا: فدل ذلك على أن العلة ليست الترف، العلة ليست ترك الترف والترفه. إذن ما هي العلة في تحريم حلق الرأس؟ قالوا: العلة في تحريم حلق الرأس أنه نسك، أنه نسك من الأنساك قد جعل له ربنا تبارك وتعالى وقتًا، فمن حلقه قبل ذلك الوقت فقد أخل بذلك النسك، فوجب عليه الفدية. معنى ذلك أن حلق الرأس من نسك من الأنساك في العمرة والحج، فالمعتمر إذا اعتمر يحل إذا حلق رأسه أو قصره، والحاج يحل من حجه بعد أن يرمي الجمرات بأن يحلق رأسه، أي التحلل الأصغر. فدل ذلك على أن حلق الرأس هو نسك، وأن النهي عنه لأنه فعل نسك قبل وقته الذي شرع له. والقول الأخير كما سمعتم، أي القول بعدم التحريم أقوى. والقول الذي ذهب إليه الجمهور أحوط وأحرى. والإنسان إذا دارت عبادته بين أمرين، فإنه ينبغي له أن يأخذ بالأحوط والأحرى والأكمل لعبادته. لكن هنا نحن أو العلماء رحمهم الله تعالى حينما يتكلمون على الحكم الخاص، يتكلمون من حيث التأثيم. هل لنا أن نؤثم؟ هل لنا أن نوجب عليه الفدية؟ إلى غير ذلك من الأحكام؟ أي يقال: هل تحتاج إلى دليل؟ هذه الأحكام تحتاج إلى دليل. فإذًا يقال: بقية الشعور الأحوط عدم إزالتها. فمن أزالها فلا شيء عليه. والله أعلى وأعلم. الظفر حرم للمحرم أن يقص ظفره لغير حاجة. والعلماء رحمهم الله تعالى يستدلون على التحريم بأمرين. الأمر الأول العلة المستنبطة من تحريم حلق الشعر، وهي الترف. قالوا: فقلم الأظفار في معنى الترف، وهذا منهي عنه. فمن فعله فقد وقع في محظور من محظورات الإحرام. الأمر الثاني يستدلون بالإجماع. فقد نقل الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى إجماع العلماء على أن قص الأظفار من محظورات الإحرام. فإذا ثبت الإجماع وجب المصير إليه. وإن لم يثبت فالقول بأن الأظفار تحرم لمعنى الترف، تقدم معنى أن تلك العلة ليست بصحيحة كما مر في الشعور. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: "ففي ثلاث منها دم". أي لو قص إنسان من أصابع ثلاث أصابع، قص ثلاث أظافر من ثلاث أصابع، يقول: فيه دم. وفي كل واحد مما دونها مد طعام، وهو ربع الصاع. لو أنه قص أظافر واحدة، ليس عليه إلا ربع الصاع، ليس عليه إلا المد. وإن خرج في عينه شعر فقلعه، أو نزل شعره فغط عينيه، أو إن كسر ضفره فقصه، فلا شيء عليه؛ لأنه في إزالة الضرر. والقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" والقاعدة الضرر يزال. فإذا أزال شعره الذي بين عينيه، يعني لو أن عينيه مثلًا جاء شعر بين العينين، سواء كان في الأجفان أو كانت هذه الشعور نازلة من الرأس، فاحتاج إلى إزالتها بسبب أذيتها لعينيه، قالوا: فلا بأس بذلك، ولا شيء عليه. كذلك في أمر الضفر، لو أنه انكسر ضفره فجعل يؤذيه إذا أكل آذاه، وإذا سار آذاه إلى غير ذلك، فله أن يقص ذلك الضفر المكسور، ولا شيء عليه؛ إذ الضرر يزال. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا لكم.