الدرس في كتاب الجنائز 1، ألقاها
يتناول أحكام التعامل مع الميت بعد التأكد من وفاته، ويشير إلى أهمية تغميض عيني الميت لما جاء في الأحاديث النبوية. يتم التأكيد على ضرورة التعامل بالرفق والاحترام مع الميت.
يتم شرح كيفية غسل الميت بستر عورته، ثم عصر بطنه برفق، ومسح أماكن النجاسة، ثم وضوءه، وغسل رأسه ولحيته، ثم غسل باقي جسده ثلاث مرات مع تنظيفه وتجفيفه. يتم التأكيد على الرفق أثناء الغسل.
يشرح كيفية تكفين الميت حيث يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض، بينما تكفن المرأة في خمسة أثواب مبالغة في الستر. يتم وضع الطيب في مواضع السجود والمغابن بعد غسل وتجفيف الميت.
يتم الإشارة إلى أن هناك تفاصيل ستأتي في درس لاحق، ويتم ختام الدرس بالدعاء والاستغفار. يتم التأكيد على أهمية الاستمرار في التعلم والاستفادة من الدروس القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه": كتاب الجنائز. والكتاب، كما مر معنا مرارًا، بمعنى المكتوب، أي مكتوب في أحكام الجنائز. والجنائز، بالفتح، جمع جنازة. ويقال: جنازة بالكسر، وكذا يقال: جنازة بالفتح والكسر أفصح. وقيل: بأن الجنازة بالكسر تطلق على الميت، وبالفتح على النعش، وقيل العكس. فالجنازة تطلق على الميت، فإذا الكلام فيها على أحكام الميت. الكلام في هذا الكتاب على أحكام الميت. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وإذا توقنا موته، أي توقنا موت ذلك الميت. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لذلك أمارات، كأن تسترخي أعضاؤه، وأن يشخص بصره، وأن تنخفض صدغيه، إلى غير ذلك من العلامات. واليوم، بحمد الله تبارك وتعالى، صار الناس إذا حصل شيء من ذلك رفعوه إلى الأطباء، واستطاعوا أن يميزوا بين الميت من غيره. قال رحمه الله تعالى: وقوله "وإذا توقنا موته" لأجل أن لا يظن بمن ليس بميت بأنه ميت، يعني بعضهم، كما يقال: ربما حصل له شيء من الإغماء أو ما شابه ذلك، فلا يتعجل في أمره في مسألة التغسيل والتكفين، حتى ينظر هل مات ذلك الإنسان يقينا أم لا. فإذا تبين موته يقينا، عمل ما يعمل بالميت، وما سيأتي ذكره بإذن الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: غمضت عيناه، أي أول ما يعمل في الميت إذا مات أن تغمض عيناه، لما جاء في حديث شداد بن أوس رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حضرت موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح". وهو حديث يحسن، حسنه جماعة من أهل العلم. وجاء كذلك في صحيح مسلم حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، حينما مات أبو سلمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الروح إذا خرجت تبعها البصر". قال رحمه الله تعالى: وشد لحياه. وشد لحياه، كما ذكر العلماء، أن تغمض العين، وشد اللحي حتى لا يرى من الميت ما يستقبح. إلى جانب ما ذكر، قالوا: حتى لا يرى من الميت ما يستقبح، لأن الميت لو تركت عيناه مفتوحة لكان المنظر فيه شيء من الاستقباح، بخلاف ما إذا غمضت عيناه. قال: وجعل على بطنه مرآة أو غيرها كحديدة. وهذا ذكره من ذكره من الفقهاء استحسانا. قال: لأجل أن لا تنتفخ معدته. قال: فإذا أخذ في غسله ستر عورته. وستر عورته، ستر عورة الميت واجبة، كسترها في الحياة. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما غسل سجى ببرد حبرة، كما في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها. قال: فإذا أخذ في غسله ستر عورته، ثم يعصر بطنه عصرا رفيقا. يعصر بطنه عصرا رفيقا. قال العلماء رحمهم الله تعالى: لأجل ألا يخرج من بطنه شيئا أثناء الغسل أو أثناء وضعه على الكفن، فيتنجس الكفن بذلك. فاستحب من استحب من العلماء رحمهم الله تعالى فعل ذلك، لأجل أن لا يحصل تنجس للكفن بعد غسله. قال: ثم يلف على يده خرقا، ثم ينجيه، أي يطهره من تلك النجاسة، كما يفعل المتطهر إذا أراد الغسل. لأن الإنسان إذا أراد الغسل في حال الحياة، أول ما يبدأ بتطهير أماكن النجاسة. قالوا: فكذلك الميت، قياسا عليه. قال رحمه الله تعالى: ثم يوضئه. وقوله "ثم يوضئه" كذلك، قالوا: قياسا على الغسل في حالة الحياة. فإن الإنسان إذا تطهر في حالة الحياة، يستحب له أن يبدأ بأن يتوضأ ثم يغتسل. وجاء في حديث أم عطية ما قد يكون فيه دلالة على هذا المعنى، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم عطية ومن غسل ابنته زينب، فقال: "ابدأنا بمواضع الوضوء منها بميامينها". فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى كذلك بهذا الحديث على هذا المعنى، من أن المغسل أول ما يبدأ بعد أن يطهر أماكن النجاسة، أن يبدأ في تطهير أو يوضئ ذلك الميت. قال رحمه الله تعالى: وقبل هذا يطهره كتطهير الحي، يطهره كتطهير الحي، وترتيب كترتيب الحي، إلا في المضمضة والاستنشاق. فعلى الصحيح من أقوال العلماء، قالوا: أن يأخذ خرقة ويبللها، ثم يمسح بها ما ظهر من أنفه، وما ظهر كذلك من أسنانه. قال رحمه الله تعالى: ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر، ثم شقه الأيمن، ثم الأيسر. ثم يغسله كذلك مرة ثانية وثالثة. يمر في كل مرة يده، فإن خرج منه شيء غسله وسده بقطن. فإن لم يستمسك فبطين حر، ويعيد وضوءه. فإن لم ينق بثلاث زاد إلى خمس أو إلى سبع. قال رحمه الله تعالى: ثم ينشفه بثوب، ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده. وإن طيبه كله كان حسنا. ويكفن ويجمر أكفانه. قوله رحمه الله تعالى "ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر"، أما بالماء والسدر، فكما دل عليه كذلك حديث أم عطية رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اغسلها بماء وسدر". قال رحمه الله تعالى: فإن خرج منه شيء غسله وسده بقطن. إذا خرج شيء يسد مكان الخارج بقطن. يقول: إن أمسك ذلك القطن فالحمد لله. إذا ما أمسك، يقول: يسد بشيء ماذا؟ بطين حر، أي بطين صلب، حتى يمسك ذلك الخارج. قال رحمه الله تعالى: ثم ينشفه بثوب. وجاء في ذلك بعض روايات، لكن لا تصح، فلا دلالة أو دليل على التنشيف. قال: ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده. والمغابن هي الثنايا التي تكون في الإنسان، مثل الإبط ونحوه. قال رحمه الله تعالى: ويكفن في ثلاثة أثواب. الرجل يكفن في ثلاثة أثواب بيض، لما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاه في الصحيحين، قالت: "كفنّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة". وكذلك قولهم "بيض"، لما جاء كذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إلبسوا من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم". قال رحمه الله تعالى: يدرج فيها إدراجا. أن يوضع فيها ويدرج فيها إدراجا. ومعنى إدراج، كما قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن تؤتى الأثواب الثلاثة، فتوضع واحد على واحد، يعني يوضع الأول ثم يوضع الثاني فوقه، ثم يوضع الثالث فوقه. قال رحمه الله تعالى: وإن كفن في قميص وإزار ولفافة فلا بأس. أي إن كفن في قميص، القميص معروف، وإزار كذلك، الإزار معروف، ولفافة، لفافة هي ما ذكرناه الآن يلف عليه الثوب الأخير، فلا بأس. لماذا؟ لأن العبرة هو ستر الميت. قال رحمه الله تعالى: وتكفن المرأة في خمسة أثواب: درع وإزار ومقنعة ولفافتين. المرأة، كما يقول علماء رحمهم الله تعالى، تكفن في خمسة أثواب، مبالغة في الستر. وهذا هو الأصل في المرأة، فإن المرأة يطلب من سترها أشد ما يطلب من ستر الرجل في الحياة، وكذلك بعد الممات. قال رحمه الله تعالى: وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه. في ذلك طيب. سيأتي الكلام على هذا في درس لاحق. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.