شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 19

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 19، ألقاها

مقدمة في قاعدة المصالح والمفاسد

يناقش الدرس قاعدة شرعية تقضي باختيار أعلى المصلحتين عند تزاحمهما وارتكاب أخف المفسدتين عند تعارضهما، مع الاستشهاد بحديث أبي هريرة وقصة الأعرابي الذي بال في المسجد.

تطبيق قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين

يوضح الدرس كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك إنكار الأعرابي لدفع مفسدة أعظم، وارتكب أخف المفسدتين، مما يدل على أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح عند التكافؤ.

أهمية الشروط والموانع في العبادات والمعاملات

يشرح الدرس أهمية توفر الشروط وانتفاء الموانع لصحة العبادات والمعاملات، مثل صحة الصلاة والنكاح والبيع، ويبين أن الشرط ضروري لتمام الحكم.

أثر الشرط والمانع على الحكم الشرعي

يناقش الدرس كيف أن الحكم الشرعي ينتفي إذا انتفى شرطه أو وجد مانع، مثل عدم أهلية الشخص للتعامل بسبب الجنون أو صغر السن في معاملات البيع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: ومن ذلك قوله: ومنها يختار أعلى المصلحتين، ويرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم. وعلى هذا الأصل الكبير ينبني مسائل كثيرة. وعند التكافؤ فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. يقول رحمه الله: من الأصول والقواعد التي سمطها العلماء رحمهم الله من الكتاب والسنة: يختار أعلى المصلحتين، ويرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم، يعني إذا تزاحمت مصلحتان فيرتكب أعلى المصلحتين، وعند تزاحم مفسدتان فيرتكب أخف المفسدتين. دليل هذه القاعدة في قوله: يختار أعلى المصلحتين، استدل العلماء بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. النبي عليه الصلاة والسلام يخبر بأنه إذا أقيمت الصلاة -يعني صلاة الفريضة- فلا يصل الإنسان إلا صلاة الفريضة، فيترك صلاة النافلة. وصلاة النافلة فيها مصلحة، هي من النوافل المستحبة والتي رغب الشرع في فعل الإنسان لها. لكن إذا حصل التعارض والتزاحم في حال السعة الأمر واسع، لا إشكال في ذلك، يعني قبل وجود الفريضة صلي ما شئت من النوافل. لكن إذا حصل التزاحم الآن، قامت الصلاة، مثلا قامت صلاة الظهر وأنت تريد أن تصلي ركعتي الظهر القبلية، هل تصليها مع قيام صلاة الفريضة؟ الجواب لا، تصلي صلاة الفريضة. أيهما أعلى وأيهما أوجب؟ صلاة الفريضة أو النافلة؟ الفريضة، صلاة النافلة مستحبة، وصلاة الفريضة واجبة، إذن هي أرفع وأعلى، فتقدم على صلاة النافلة. هذا معنى قولي: يختار أعلى المصلحتين عند التزاحم. الآن تزاحمت مصلحتان، وهي صلاة الراتبة والنافلة وصلاة الفريضة، أيهما أعلى؟ صلاة الفريضة، فنقدم صلاة الفريضة. مثله مثلاً لو أن رجلاً أمر زوجته بأمر، وأمرها أهلها بأمر، أمرها أبوها أو أمها، وزوجها أمرها بأمر آخر يعارض هذا الأمر، أيهما تقدم؟ هل تقدم قول زوجها أو تقدم قول أهلها؟ الآن عندنا مصلحتان تزاحمت، الجواب أنها تقدم قول زوجها؛ لأن طاعتها لزوجها أوجب من طاعتها لأمها وأبيها، يرتكب هنا أعلى المصلحتين لوجود التزاحم. وهكذا قل في كل ما كان مثل ذلك من تزاحم مصلحتان، فيرتكب الأعلى. قال: ويرتكب أخف المفسدتين في المفاسد، يرتكب الأخف؛ لأن دفع المفسدة وتركها أمر مطلوب، فإذا لم يمكن دفعها بالكلية، ارتكب الأخف منها. ويستدل على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الأعرابي، والحديث في الصحيحين، الذي بال في طائفة المسجد. دخل أعرابي وبال في طرف المسجد، فزجره الناس وأنكروا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه، اتركوه حتى يقضي بوله، ثم علمه النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والنجاسة، وإنما هي لذكر الله وإقامة الصلاة، ثم أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه. النبي صلى الله عليه وسلم الآن أنكر على من أراد الإنكار على هذا الأعرابي، وهو الآن يرتكب مفسدة، سيبول في المسجد، ولا شك أن هذا يعني سبباً لتنجيس المسجد، وأمر لا يليق ببيوت الله. ومع ذلك لم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام عليه، لماذا؟ حتى يدفع مفسدة أعظم، حتى يدفع مفسدة أعظم. لو أنكر عليه وقطع عليه بوله، لقام من محله وربما انتشر البول في أكثر من موضع، هو الآن سيبول في موضع واحد، لكن إذا زجر وأنكر عليه وقام، ربما انتشر البول في أكثر من موضع، ولا شك أن هذا مفسدة أعظم. هذا مفسدة أعظم، كذلك أيضاً قد يحصل له الضرر بحبس البول وقطعه، وهذه أيضاً مفسدة أعظم. فارتكب هنا أخف المفسدتين، وهو أنه يكمل بوله ثم يعلم ويبين له، فحصل ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، بيّن لهذا الأعرابي أن هذا الأمر لا يجوز ولا يصلح في بيوت الله. ولذلك كان يقول هذا الأعرابي بعد أن رأى رفق النبي عليه الصلاة والسلام وحسن معاملته: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد حجرت واسعاً -يعني حجرت رحمة الله وهي واسعة- وقصرتها. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك إنكار ذلك لدفع مفسدة أعظم، فيرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم. قالوا: على هذا الأصل الكبير ينبني مسائل كثيرة، يعني في ارتكاب أعلى المصلحتين وارتكاب أخف المفسدتين. قالوا: وعند التكافؤ فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح، عند التكافؤ يعني عند تكافؤ الأمران، عندنا مصلحتان أو مفسدتان وهي متكافئة، فهنا درء المفاسد أولى من جلب المصالح. يعني إذا كان في إنكار هذا الأمر مصلحة مرجوة، لكن يترتب عليها مفسدة، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح، درء هذه المفسدة أولى من جلب المصلحة المطلوبة والتي ترجى. واستدل العلماء على هذه القاعدة بقول النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأعدت بناء الكعبة على قواعد إسماعيل، ولا جعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه. فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها على قواعدها الصحيحة التي كانت عليها، لكن خشية أن يتأثر من قد أسلم قريباً، وهم كانوا يعظمون البيت، فلما يرون هذا الفعل تحصل مفسدة عظيمة، فترك النبي عليه الصلاة والسلام هذه المصلحة، وهي إعادة بناء الكعبة على قواعدها الصحيحة، درءاً للمفسدة التي قد تحصل بسبب ذلك. فهذا يدل على أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. قال: ومن ذلك قوله: لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها، وهذا أصل كبير بني عليه من مسائل الأحكام وغيرها شيء كثير. فمتى فقد شرط العبادة أو المعاملة أو ثبوت الحقوق لم تصح ولم تثبت، وكذلك إذا وجد مانعها لم تصح ولم تنفذ. يقول: لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها. فمثلاً الصلاة أمر الشرع بها وأوجبها، فإذا صلى الإنسان لا تكون صلاته صحيحة إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع. فإذا اختل شرط من شروطها بطلت، لو صلى إنسان بلا وضوء، هل أتى بهذا الأمر كما أمر الشرع؟ الجواب لا، لماذا؟ بسبب عدم وجود هذا الشرط وهو الوضوء والطهارة. صلى إلى غير القبلة من غير عذر، هل تصح صلاته؟ الجواب لا؛ لأنه انتفاء شرط من شروطها. أو كذلك انتفاء الموانع، قد توجد الشروط لكن يوجد مانع من موانع قبول هذه العبادة، فإذا أتى الإنسان بشروط الصلاة كاملة، أتى بشروطها وأركانها، لكنه كان كافراً ما أسلم، فهنا ما تقبل صلاته. والكفر مانع من قبول العبادة، وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله. امرأة توضأت واستقبلت القبلة وأتت بشروط الصلاة وهي حائض، هل تصح صلاتها؟ الجواب لا، لماذا؟ لأن الحيض مانع من موانع قبول العبادة أو صحة الصلاة. إذا لا تتم الأحكام وتصح إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع. هذا كذلك أيضاً في الحكم على الأشخاص بالكفر أو بالفسق أو إلى آخره، لابد فيها من وجود الشروط وانتفاء الموانع. ولذلك قد يقول الإنسان مثلاً كلمة الكفر عن غير قصد، عن خطأ، كما في الحديث الذي أضاع راحلته، فلما وجدها قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، هذه كلمة كفر، لكنه قالها خطأً، قال: أخطأ من شدة الفرح، هل يترتب عليه الكفر؟ الجواب لا؛ لأنه لم توجد الشروط التي يتحقق بها وقوع هذا الحكم وهو الكفر. وهذا يقال في سائر الأحكام، في سائر الأحكام من صحة العبادات والطاعات والمعاملات. وهكذا أيضاً في ترتب الأحكام لا بد من وجود الشروط وانتفاء الموانع. وهكذا أيضاً يقال في باب المعاملات أيضاً، في باب النكاح، إذا تزوج رجل بامرأة تزوجها من غير ولي، تزوجها من غير ولي، ما حكم هذا النكاح؟ هذا النكاح باطل وفاسد؛ لأن من شروط النكاح الولي. هنا فقد الشرط فلا يصح هذا النكاح، أو تزوج من غير إشهاد أو من غير إعلان، فيكون الزواج والنكاح باطلاً لفقد شرط من شروطه. طيب توفرت الشروط لكن وجد مانع، تزوج امرأة بولي وشهود وإعلان ومهر ورضا، لكن كانت هذه المرأة محرماً له مثلاً أختاً له من الرضاع، تبين أنها أخته من الرضاع، هذا مانع يمنع من صحة النكاح. إذا لابد كذلك في باب المعاملات من وجود الشروط وانتفاء الموانع، أيضاً في البيع، إذا أراد أن يبيع بيعاً، باع شيء ما يملكه، باع شيء لا يملكه، أتى إلى سيارة جاره ووجد مشتري، قال: تشتري؟ قال: نعم بكم؟ قال: مثلاً بخمسمائة ألف، قال: بعنا وتم البيع، هل يصح هذا البيع؟ لا يصح، لماذا؟ لأنه باع شيء ما يملكه، ومن شروط البيع أن يكون البائع مالكاً للسلعة. هنا الآن انتفى الشرط فينتفي هذا الحكم ولا يصح، أو وجد الشرط لكن وجد مانع، يعني مثلاً كونه يملك هذه السلعة، لكن مثل هذا لا يصح بيعه، كونه مجنون مثلاً أو صغير السن، فمثل ذلك يعتبر مانع من صحة هذه المعاملة. طيب نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس اللاحق. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على