الدرس في شرح الشمائل المحمدية 64، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع باب صفة نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الشمائل المحمدية، موضحاً أنه كان ينام على شقه الأيمن واضعاً يده اليمنى تحت خده الأيمن، ويقول دعاء: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك». كما يبين الفوائد الطبية والشرعية للنوم على الجانب الأيمن، منها سرعة الانتباه، وراحة القلب، وسهولة الهضم، وأن النوم بنية التقوي على الطاعة يعد عبادة مأجورة.
يستعرض المقطع آداب النوم الصحية والروحية بعد الأكل مستنداً إلى ابن القيم، ثم يشرح دعاء «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك» ودلالته على استشعار الحساب. ويتوسع في نقد إسناد الحديث الوارد في سنن الترمذي، مبيناً أن «سفيان» في الإسناد هو الثوري اعتماداً على رواية البخاري الأعلى، مع ترجمة مختصرة لرجاله، ويختم بقصة كرامة الربيع بن حراش الذي نطق بعد موته مبشراً بأهله بحسن عاقبته.
يذكر المقطع كرامات الصحابي الجليل ربعي بن حراش عند موته حيث بشر بروح وريحان ورب راض، وصدقه الذي أنقذ ابنيه من الحجاج، ثم ينتقل لحديث حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسماء المنافقين وعلمه بالفتن، وحسن خلقه حيث غفر لمن قتلوا أباه خطأً يوم أحد.
يروي المقطع قصة شخص تنازل عن دية والده وتصدق بها على المسلمين، معبراً عن التسامح والعفو عمن أخطأ بغير قصد. ويختتم الدرس بدعاء الختم ودعوة للاشتراك في القناة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فنكمل ما تبقى من كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى. وكنا قد أخذنا فيما مضى من الدروس حديث أبي زرع وأم زرع، وهو ما كان عليه الصلاة والسلام يفعله مع أهله في السمر، وأخذناه بطوله مع فوائده من كلام العلماء. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في صفة نوم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». يعني: ما هي الصفة التي ينام عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهذا يعتبر من شمائله. وماذا كان عليه الصلاة والسلام يفعله على نومه؟ وماذا كان عليه الصلاة والسلام يقوله عندما يريد أن ينام؟ وهذه الشمائل التي كان عليها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرغب فيها المسلم ليفعلها اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام. قال الإمام الترمذي: «باب في صفة نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم». النوم حالة طبيعية تعتري الإنسان، إذا جاءه النوم لا يستطيع أن يترك هذا الأمر لأنه سلطان قوي عليه. فترى الإنسان إذا شعر بالنوم فإنه يتخلى عن أشغاله وعن كل ما كان يفعله حال يقظته، لأن النوم سلطانه قوي. ولهذا إذا شعر المسلم بالنوم، عليه أن يخلد إليه راحة لجسمه حتى يقوم بعد ذلك نشيطًا قويًا، يتقوى بهذا النوم على طاعة الله جل وعلا. فالنوم عادة، لكنه يصير عبادة مأجورًا عليها إذا نوى بها العبد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فيحتسب الأجر بذلك. فكما يحتسب العمل الصالح في يقظته، كذلك بهذه العادة عندما ينام ويستشعر أنه إذا ارتاح قام نشيطًا قويًا للطاعة كصلاة وغيرها من العبادات، فإنه يؤجر على نومه ذلك. يقول الجرجاني في التعريفات: «النوم حالة طبيعية تتعطل معها القوى بسبب ترق البخارات إلى الدماغ». هذا من جهة الطبيعة، من جهة الطب؛ فإنه قد تصعد تلك الأبخرة من المعدة حال النوم وحال الاسترخاء، فتهجم على الدماغ فيثقل معه البدن، فيشعر الإنسان بعد ذلك بالنوم والنعاس فينام بذلك. هذا من حيث تعريف النوم. قال الترمذي رحمه الله: «حدثنا محمد بن المثنى». وقد تقدم معنا من هو محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي نسبة إلى قبيلة عنزة، ثقة ثبت. قال: «حدثنا عبد الرحمن بن مهدي»، ووثقة ثبت حافظ عارف بالرجال، ابن مهدي أبو سعيد، إمام من الأئمة. قال: «حدثنا إسرائيل»، وهو بن يونس بن أبي إسحاق، من أثبت الناس في جده، ثقة. قال: «عن أبي إسحاق»، وهو عمر بن عبد الله السبيعي، وهو ثقة أيضًا، مكثر عابد، لكنه تغير بآخره. قال: «عن عبد الله بن يزيد»، وهو المعافري، وهو ثقة أيضًا. قال: «عن البراء بن عازم»، وكنيته أبو عمارة، صحابي ابن صحابي، وهو أنصاري، وقد استصغر يوم بدر، كان في سن ابن عمر رضي الله عنهما، استصغره النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وتوفي سنة اثنتين وسبعين عن ثمانين سنة، فهو من صغار الصحابة. البراء بن عازم الأنصاري رضي الله عنهما؛ لأنه صحابي ابن صحابي، فالبراء صحابي وعازم أيضًا صحابي. قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه وضع كفه اليمين تحت خده الأيمن». الكف: راحة اليد، كف الشخص، الكف الأيمن. قال: «وضعه تحت خده الأيمن، وقال: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك». إذن هذه حالة النبي صلى الله عليه وسلم كيف لما ينام: ينام على شقه الأيمن، ويضع خده الأيمن على يده اليمنى، على كفه الأيمن فيضعه عليه، ثم يقول هذا الدعاء: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك». فلعل لا تكون آخر شيء من الإنسان هذا النوم، فلا يصح بعدها، لهذا يتذكر البعث. لأن النوم كما سيأتي من كلام أهل العلم أنه أخو الموت، وهي الموتة الصغرى. وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، والتي لم تمت في منامها فهي موتة صغرى. وسيأتي كلام العلم على هذا إن شاء الله تعالى. فهو يقول هذا الدعاء: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك». ما هي فائدة النوم على الشق الأيمن ويضع خده على كفه الأيمن؟ هناك فوائد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح عند شرح هذا الحديث. منها: من فوائد النوم على الشق الأيمن أنه أسرع إلى الانتباه. ومنها: أن القلب متعلق في الجهة اليسرى، يعني يكون القلب أرفع؛ لأن القلب في الجهة اليسرى لليمنى، فعندما تنام على يمينك يكون القلب رافعًا ومتعلقًا غير مضغوط عليه من ثقل الجسم، لهذا يسرع الانتباه، ويكون ذلك النائم نومه خفيفًا يستطيع أن يسمع حتى الأشياء الصغيرة. فهذا فائدة النوم على الشق الأيمن. قال الحافظ: منها أنه أسرع إلى الانتباه، ومنها أن القلب متعلق إلى جهة اليمين فلا يثقلوا بالنوم. ومنها: كما قال ابن الجوزي: هذه الهيئة نص الأطباء على أنها أصلح للبدن من حيث الطب. النوم على اليمين أيضًا أصلح للبدن؛ لأن المعدة عندما تنام على الشق الأيمن تكون فتحتها إلى تحت، وبهذا ينساب الطعام وينهضم بيسر وسهولة. قال: أنها أصلح للبدن. قال: يبدأ بالاضطجاع على الجانب الأيمن ساعة، ساعة قبل أن ينام، ثم ينقلب إلى الأيسر مرة أخرى؛ لأن الأول سبب للحدار الطعام، والنوم على اليسار يهضم لاجتبال الكبد على المعدة. الكبد في الجهة اليمنى وهي التي تفرز تلك الأنزيمات وغيرها لهضم الطعام. فقال العلماء: من كان قبل نومه قد تعشى وعنده أكل كثيرًا، فإن الأيسر له أن يضطجع على شقه الأيمن حتى ينحذر الطعام إلى المعدة، ما تبقى في القصبة الهوائية وغيرها حتى ينحذر إلى المعدة كله، ثم ينقلب إلى الجهة اليسرى مرة أخرى لكي تعمل الكبد عملها وهي الإفرازات لهضم ذلك الطعام، ثم بعد ذلك يتحول مرة أخرى إلى الجهة اليمنى وبها بعد ذلك يدخل في نومه. فهذا من حيث التهيؤ للنوم إذا أراد أن يتهيأ للنوم وقد أكل قبل ذلك، فعليه أن يفعل ذلك صحة لبدنه. مع أن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر أيضًا نحو هذا، لكن يقول: أن النوم على اليمين من حيث الروحانية، من حيث الإسراع في القيام، من حيث الطاعة والتعبد، يكون هو الأنفع وهو الأولى لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. وأما النوم على جهة اليسار فهو أصلح للبدن؛ لأن صاحب النوم على اليسار يستغرق في نومه، لأن القلب في جهة اليسار فيثقل معه بدنه، فهو أنفع للبدن من حيث الاستغراق. وأما من حيث خفة النوم والاستيقاظ بسرعة فإنه على الشق الأيمن، كما قال أو كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم في هذا الحديث الدعاء: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك». وهذا فيه أن العبد يعترف أنه مذنب، فيستشعر أنه سيقوم بين يدي الله سبحانه وتعالى عاجلًا أم آجلًا، وربما تكون هذه كما قيل آخر شيء، فما يشعر بسؤال الملكين له وقد مات وقُسلوا وكفنوا، فإذا هو في قبره. لهذا يسأل ربه سبحانه وتعالى أن يقيه عذاب ذلك اليوم مما قد يحصل منه في الدنيا من تقصير وذنوب ومعاصي. ثم قال الترمذي رحمه الله تعالى: «حدثنا محمود بن غيلان»، ووثيقة. قال: «حدثنا عبد الرزاق»، وهو الإمام الصنعاني صاحب المصنف، صنف عبد الرزاق اجتمل على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا أيضًا من آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فنقل فيه الآثار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد رحل إليه الأئمة، رحل إليه العلماء الكبار، مثال الإمام أحمد وابن معين وغيرهم، رحلوا إليه إلى صنعاء من بلاد العراق وغيرها من بلاد الشام، رحلوا إلى هذا الإمام صاحب المصنف، فهو إمام ثقة حافظ كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله. قال: «أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير». بهذا الإسناد لا يتبين من هو سفيان؛ لأن عبد الرزاق روى عن السفيانين، روى عن الثوري وروى عن ابن عيينة. وكذلك هنا السفيانان رويا كلاهما عن عبد الملك بن عمير. فمن هو في الإسناد هذا؟ عندما قال: «حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان»، سفيان إما أن يكون الثوري وإما أن يكون ابن عيينة. وإذا قلنا بأحدهما، هذا وهذا صح؛ لأن كليهما قد روى عنهما عبد الرزاق، وأيضًا هما رويا عن عبد الملك بن عمير. فليس هناك إلا أن يأتي إسناد آخر عن شيخ آخر يبين من هو هذا الشيخ وهو سفيان. وقد أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الدعوات، فبين رحمه الله تعالى الحافظ بعد ذلك من هو سفيان. فرواه البخاري من طريق قبيصة، الهلالي ابن بخارق الهلالي، وهو شيخ البخاري رحمه الله، وقبيصة ما روى إلا عن سفيان واحد وهو الثوري. فتبين بهذا أن سفيان المراد به هو سفيان الثوري. وقد وقع للبخاري بعلو مما وقع هنا للإمام الترمذي، مع أن أيضًا محمود بن غيلان من مشايخ البخاري، لكن الترمذي وقع له عن سفيان بواسطة رجلين، والبخاري رحمه الله وقع له عن سفيان بواسطة رجل واحد، فإسناد البخاري أعلى من إسناد الترمذي رحمه الله تعالى. قال: «أخبرنا سفيان» وهو الثوري «عن عبد الملك بن عمير»، ووثيقة فصيح عالم، كذا قيل في ترجمته: فصيح، أي فصيح اللسان، فكان يتكلم باللغة الفصحى ويتحرى الكلام باللغة العربية الفصحى، وتغير حفظه بآخره، وربما دلس. قال: «عن ربعي بن حراش». ربعي بن حراش ثقة عابد مخضرم، يعني عاش في الجاهلية والإسلام، ولكنه لم يلقَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وروى عن كبار الصحابة أمثال عمر وأمثال علي بن أبي طالب، وكانت أكثر وحديثه عن حذيفة رضي الله تعالى عنه. وربعي هذا ذكر أن له أربع إخوة، منهم الربيع بن حراش، وذكر عن أخيه أنه كان زاهدًا عابدًا مصليًا صلامًا، يعني فيه من صفات الخير الشيء الكثير. فذكر عن أخيه أنه أفضلهم، أفضلهم من حيث العبادة، وأن أخاه توفي ولم يكن حاضرا، فلما جاء أخبر أن الربيع توفي، قال: فأتى حزينًا إلى أخيه وقد غطي، فكشف عن وجهه وجعل يستغفر له ويترحم عليه. الربيع توفي وأخوه ربعي أيضًا هذا التابعي الجليل، جلس عند رأسه يستغفر له ويترحم عليه. وفي أثناء ذلك نطق الميت، نطق الربيع، وكان ربعي ليس وحده في المجلس، كان فيه ناس حاضرون جالسون. فقال: «السلام عليكم». الميت يتكلم، يقول لهم: «السلام عليكم». قال: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته». قال له ربعي: «أبعد الموت؟» يعني: تتكلم وأنت ميت؟ أبعد الموت؟ فقال له أخوه الربيع وهو ميت لكنه يتكلم: «فإني لغيت ربي، فلقيت بروح وريحان ورب راض غير غضبان، وإنه كساني من سندس واستبرق». يتكلم معهم وهو ميت. هذا ذكره العلماء في كرامات هذا الرجل، الربيع بن حراش أخو ربعي بن حراش. يقول لهم بعد ما سلم عليهم: «إني استأذنت ربي أن أبشركم». استأذن ربه أن يبشر أهله بما لقي من الكرامة وما لقي من الرضا من رب العالمين، جزاء ما فعل في الدنيا من الطاعات والقربات. يذكر عن أخيه أنه كان يصوم في الهواجر، يعني في شدة الحر صائم، وكان يقوم في الليالي الباردة. فانظروا إلى أثر العبادة لهذا الرجل. فتكلم معهم وقال لهم: «إني لقيت ربي فلقيني بروح وريحان ورب راض غير غضبان، وأنه كساني من سندس واستبرق، فعجلوني، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بانتظاري». أيضًا هذه من الكرامات، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان بانتظاره، فأمر أهله بالتعجيل أن يعجلوا. وهذا أيضًا مما دل عليه في السنة، أن الرجل الصالح يعجل في الإسراع، ما يؤخر، لأنه بانتظار البشارة العظيمة التي يبشر بها حال احتضاره: «رب راض غير غضبان». ثم قال لهم: «لا تغتروا، فوالله الأمر أهون من ذلك، الأمر أمر الموت أهون من ذلك». قال ربعي: «فوالله ما تكلم إلا كما تلقى الحصاة في الماء». يعني لحظة تنزل تلك الروح من ذلك البدن الطيب كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء». قال: «فوالله ما هو إلا كما تلقى الحصاة في الماء». يعني الأمر سريع جدًا. فهذا الرجل يبشرهم بماذا؟ بأنهم لا يخافوا إذا كانت أعمالهم صالحة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. هذا حال الصالحين عندما تأتي ساعة الاحتضار، فإنهم يبشرون بتلك الجنان، ويبشرون بالروح والريحان ورب راض غير غضبان، فيفرحون. فهذا حال أولئك. وكان ربعي من آثاره رحمه الله تعالى أنه ما كذب أبدًا، بل كان يتحرى الصدق في كل شيء، ما يكذب أبدًا. هذا مما جاء في ترجمته. حتى أنه في زمن الحجاج، ومعلوم بطشه وظلمه، أن له ابنان وقد عصيا الحجاج، وكان الحجاج يطلبهما. فجاءوا إلى الحجاج وقالوا له: إن هناك شيخًا ذكر عنه أنه لا يكذب، فاسألوه عن ابنيه. فجاء بربع بن حراش، وهو شيخ كبير قد انحنى ظهره. فقال له: «يا شيخ، سمعنا أنك لا تكذب، يعني أنت تتحرى، أين ابناك فلان وفلان؟» فما كذب، قال: «هما في البيت، تبغاهما، هما في البيت». قال: «قد عفونا عنهما، قد عفونا عنهما بصدقك». لأنهم قالوا أن هذا الرجل ما يكذب، فقال لهما في البيت، ما كذب، قال: «ما أدري، ولهما فري وهربا». قال: «إذا تبغاهما هما في البيت». فجاء العفو من الحجاج عن ابن ربع بن حراش. وكان قد حلف أنه لا يضحك حتى يعلم مصيره، يعلم هو من أهل الجنة أم من أهل النار. قالوا: فما رؤي ضاحكًا ربع بن حراش رحمه الله حتى مات. وبعدما مات جاء غسله ليغسله، فوجده مبتسمًا ضاحكًا، مبتسم يغسله وهو فرحان، هذا ميت لكنه مبتسم، حتى فرغ من تغسيله ومن تكفينه وهو مبتسم. فعلم بذلك أنه إن شاء الله من أهل السعادة. ربع بن حراش التابعي الجليل. قال: «عن حذيفة رضي الله تعالى عنه». وحذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى صاحب السر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأسماء المنافقين كلهم: هذا منافق فلان بن فلان، فلان بن فلان، فكان يعلمهم حذيفة. حتى أن عمر جاء إلى حذيفة فقال: «أنشدك الله، هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟» قال: «لا». خوف أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعمر من هو عمر؟ قال: «لا، ولا أزكي لأحد بعدك، ما أزكي أحدًا بعدك». فحذيفة كان أيضًا مع حفظه للسر ما فشاه، يعني ما قال: «أنت يا فلان أنت منافق»، لأن الرسول قال إيش عنك كذا، ويشيع ذلك بين الناس. يعلم هذا منافق، هذا منافق، ومع ذلك سر من الأسرار، والنبي عليه الصلاة والسلام أسر له بهذا الأمر، وما قال له: «اذهب فذعه وأشيعه بين الناس»، ستصبح الأمور فيها شيء من الفوضى وغير ذلك في المجتمع، لكنه حافظ على هذا السر، ما أخبر أحدًا أبدًا، إلا أن عمر جاءه وقال له: «أنشدك بالله»، فلما انشده بالله: «هل أنا منهم؟» قالوا: «لا، أنت لست منهم، لست من أصحاب القائمة، القائمة السوداء، أصحاب النفاق الاعتقادي، واعتبرون كفارًا، وهم يصلون مع المسلمين، وربما خرجوا مع المسلمين في القتال». وحذيفة بقي على هذا السر. وأيضًا كان متخصصًا في الفتن. جاء في صحيح مسلم أنه قال: «إني لا أعلم الناس بالفتن». النبي عليه الصلاة والسلام أخبره بما يجري من أمور الفتن في الأمة: القتال، القتال، فتنة الخوارج التي حصلت في عهد علي وعهد عثمان، ومقتل عمر. ومقتل عمر لما جاءه عمر، والحديث أيضًا من طريق ربعي بن حراش عن حذيفة، قال: «مَن منكم يعلم الفتنة التي تموج كموج البحر؟» فقال حذيفة رضي الله تعالى عنه: «إن دونها بابًا مغلقًا». قال عمر: «أيكسر ذلك الباب؟» قال: «بل يكسر». يعني حذيفة كان يعلم من هو الباب، من هو الباب؟ الباب كان عمر. هذا من أمور الفتن. فحذيفة حافظ على هذه الأسرار، ما كان من أمور الفتن وغيرها إلا ما دعت الحاجة إليه فبثها في الأمة تحذيرًا. وهو كذلك راوي ذلك الحديث: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني». وأبوه توفي وقتل في غزوة أحد، قتله الصحابة خطأً، وذلك أن إبليس لما نادى في القوم: «يا لأخراكم»، وكان المسلمون قد هجموا على المشركين حتى أنهم كادوا أن يقضوا عليهم، فصاح إبليس تلك الصيحة، فرجعت أولاهم على أخراهم، أي على المسلمين، فقتلوا والد حذيفة، وهو اسمه حسل أو حسين، وهو يماني، ومنهم من قال أنه حليف الأنصار، حالف الأنصار اليمانيين، فنسب إليهم، فقيل له: حذيفة بن اليمان. وقتل شهيدًا يوم أحد، وقتله الصحابة خطأً، وقد وداه النبي صلى الله عليه وسلم ديته. فماذا قال حذيفة؟ قال: «يغفر الله لكم». للصحابة الذين قتلوا أباه. ما حمل في قلبه ضغينة، ما حمل في قلبه ضغينة على من قتل أباه، لأنه يعلم أنه ما قتلوه عمدًا. وتصدق بديته، قال: «ما أريدها، ما أريد دية الوالد، تصدق بها للمسلمين، وعفى عنهم، قال: يغفر الله لكم». هكذا يكون التصالح والتسامح مع من أخطأ، مع من أخطأ ولم يتعمد ذلك. طيب، إن شاء الله تعالى الحديث سنقرؤه في الدرس القادم لأن الوقت قد انتهى. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. اشتركوا في القناة.