كتاب الصيام 16

الدرس في كتاب الصيام 16، ألقاها

أحكام الاعتكاف وشروطه

الاعتكاف عبادة تتطلب الالتزام بشروط معينة مثل عدم الخروج من المسجد إلا للضرورة، ويمكن للمعتكف أن يشترط بعض الأمور التي يخرج لأجلها. يُشترط للاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الصلاة.

مستحبات المعتكف وأحكامه

يستحب للمعتكف الاشتغال بالطاعات واجتناب ما لا يعنيه، ويمكنه حضور مجالس العلم إذا كان ذلك شيئا يسيرا. يُباح للمعتكف الخروج للضرورة مثل زيارة المريض أو حضور جنازة قريب.

ختام المحتوى بالدعاء والصلاة على النبي

يُختتم المحتوى بدعاء الله أن ينفع القارئ والسامع وأن يجعل ما تعلموه حجة لهم، ويختم لهم في الشهر المبارك بالمغفرة والرحمة. كما يتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، نعم ذكرنا في الدرس الماضي أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجمعة، وإن كان في جامع تقام فيه الجمعة فهذا أفضل. وهنا مسألة تذكر في هذا الباب، وهو ما حكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة. في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، هل يشرع أن يعتكف المسلم في غير المساجد الثلاثة، وهي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، لحديث حذيفة «لاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»، أو أنه يجوز أن يعتكف المسلم في كل مسجد؟ الصحيح بهذه المسألة أنه يجوز الاعتكاف في كل مسجد، لقول الله جل وعلا ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فقوله جل وعلا «في المساجد» للعموم، فتعم كل مسجد، فكل مسجد تقام فيه الصلاة، وفيه معنى المسجد، فيصح فيه الاعتكاف. وأما حديث حذيفة «لاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»، فهذا ضعفه بعض أهل العلم، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قد وهن هذا الحديث حين سمعه من حذيفة، قال: «لعلهم أصابوا وأخطأوا وحافظوا ونسيت». وإذا صح فيحمل على الأفضلية، أي: لا مسجد أو الاعتكاف أفضل وأكمل من المساجد الثلاثة. فالصحيح أنه يشرع الاعتكاف في كل مسجد. قال المؤلف رحمه الله: «ويستحب للمعتكف الاشتغال بفعل القرب، واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل»، لأن المقصود من الاعتكاف هو التفرغ للطاعة والعبادة، أنت تعتكف وتلتزم المكث في المسجد لطاعة الله، والإقبال على فعل القرب والطاعات، من قراءة القرآن، ومن الصلاة، ومن الذكر، والتسبيح، والتهليل، والاستغفار، والتحميد، إلى آخر ذلك من أنواع الطاعات، فهذا هو المقصود من الاعتكاف. فلذلك يستحب للمعتكف أن يشغل وقته بفعل هذه الطاعات والقربات. قال: «واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل»، الأقوال والأفعال التي لا تعنيك اجتنبها، ولا تضيع وقتك في القيل والقال، ويذهب عليك الوقت بمجالسة فلان وفلان، والحلقة الفلانية والحلقة الأخرى، فيذهب عليك الوقت من غير فائدة. وهل معنى هذا أنه لا يتكلم؟ يعني في الشيء المباح لا بأس أن يتكلم في الشيء المباح، ويكون ذلك شيئا يسيرا، فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو معتكف كان يأتيه بعض أزواجه فيتحدث معها، وهذا يدل على أنه لا بأس بالحديث في الأمور المباحة، لكن لا يكون هذا هو أكثر أوقاته، وأكثر حديثه، والأمور التي لا دخل له فيها يبتعد عنها، ويشتغل بما ينفعه. وهل ينافي هذا طلب العلم؟ هل ينافي الاعتكاف طلب العلم وحضور مجالس العلم؟ الجواب: إذا كان حضوره لمجالس العلم شيئا يسيرا، فطلب العلم من الطاعة، فمثلا في هذا المسجد تقام دروس عامة بعد كل صلاة، فهل يحضرها المعتكف؟ الجواب: نعم يحضرها، هي من طاعة الله، وهي كذلك شيئا يسيرا لا يضر أو لا ينقص باعتكافه. لكن لو كان سيشغل وقته بطلب العلم، يحضر درسا ثم درسا آخر، وينتقل من درس إلى درس، ثم يشتغل بالمطالعة والمذاكرة، لا شك أن هذا ينقص من اعتكافه، لأن الطاعات والقرب التي يتقرب بها المعتكف هي الطاعات الخاصة، من قراءة القرآن، والذكر، والتسبيح، وغير ذلك من هذه الطاعات. قال: «ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك»، يعني لو تكلم بشيء لا يعنيه، وهذا الكلام كلام مباح، فإنه لا يبطل بذلك اعتكافه، لكن الأفضل والأولى له أن يشغل نفسه بما ينفعه. قال: «ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه»، نعم، المعتكف إذا اعتكف فإنه لا يخرج من معتكفه إلا للأمر الذي لابد له منه، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام، أو قالت: «السنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لابد له منه»، رواه أبو داود، وفي الصحيحين قالت رضي الله تعالى عنها: «وكان لا يخرج»، أي: في ذكرها الاعتكاف، النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، الشيء الذي يحتاج له الإنسان، ولا يستغني عنه، فهذا له أن يخرج لأجله، كقضاء الحاجة من البول والغائط، أو الأكل والشرب إذا كان لا يأتي به أحد إليه، فيجوز أن يخرج فيأكل ويشرب ثم يرجع، فهذه أمور لا بد منها، لا يستغني عنها الإنسان، فيخرج لأجلها. أما ما هو زائد عن ذلك، كعيادة مريض، أو شهود جنازة، أو كذلك بيع وشراء، أو نحو ذلك من هذه الأشياء، فالمعتكف لا يخرج لها، فيلزم معتكفه. وإذا كان معتكف في مسجد لا تقام فيه جمعة، فيجوز أن يخرج ويذهب إلى الجامع الآخر الذي فيه جمعة، إذا كان ماذا في مسجده لا تقام جمعة. ولهذا قال العلماء: كما مر معنا الأفضل أن يكون الاعتكاف في مسجد جامع، حتى لا يضطر ويحتاج إلى أن يخرج لحضور الجمعة. قال: «إلا أن يشترط»، يعني إذا اعتكف واشترط أن يخرج لعيادة مريض أو شهود جنازة، يقول مثلا: «اللهم إني أشترط عيادة المريض وحضور الجنازة»، أو شهود الجنازة، قال أهل العلم هنا يجوز له أن يخرج ويحضر الجنازة ويشهد، أو يعود المريض. واستدل العلماء بذلك بحديث ضباعة بنت الزبير حين أرادت أن تحج وهي شاكية مريضة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لها: «حجي واشترطي»، وقال لها أن تقول: «اللهم محلي حيث حبستني»، قال: «فإنه لك على ربك ما استثنيتي». فقاس العلماء على الاستثناء في الحج كذلك الاشتراط في الاعتكاف، فإذا اشترط جاز له أن يخرج لشهود الجنازة وعيادة المريض. لكن لا شك أن الأولى للمعتكف أنه ما يشترط لذلك، إلا إذا كان هناك من يعني يقرب له، أو بينه وبينه صحبة، وهو في حالة مرض يخاف أن يشتد عليه المرض، أو أن يموت وهو معتكف، فيحب شهود جنازته، فيشترط لأجل ذلك. وهنا لا بأس أن يشترط. وأما إن لم يكن هناك حاجة، فالأولى عدم الاشتراط. وهل له أن يخرج إذا مات قريب له ولم يشترط؟ إنسان معتكف فمات أو مرض أبوه، أو مات أبوه، هل يخرج من معتكفه أو يبقى في اعتكافه؟ قال أهل العلم: يخرج من معتكفه، لأن اعتكافه سنة، وحضوره لعيادة أبيه أو شهود جنازته هذا من الواجب، ومن صلة الرحم، فيقدم على الاعتكاف. وإذا اشترط في اعتكافه أن يخرج للبيع والشراء، قال العلماء: هذا لا يجوز، وإن خرج لأجل ذلك فإنه يبطل اعتكافه. قال: «ولا يباشر امرأة»، المعتكف لا يجوز له مباشرة النساء، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فالله عز وجل نهى المعتكف عن المباشرة، والمراد بالمباشرة المباشرة التي تكون على جهة الشهوة، التي هي على جهة الشهوة، من مقدمات الجماع، ثم بعد ذلك ما هو أعظم من ذلك، وهو الجماع. فإن كانت المباشرة من غير شهوة، كأن تناوله شيء، أو تتحدث معه، أو مثلا تمشط رأسه، أو نحو ذلك، فهذا جائز، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخرج رأسه إلى حجرة عائشة وهو معتكف، فترجله وتغسله. وهكذا أيضا أتته صفية وهو معتكف، فتحدث معها، فاستدل بهذا العلماء على أن هذه المباشرة التي لغير شهوة فإنها لا تضر. أما إن كانت لشهوة فهذا يمنع منها. وإذا حصل الجماع بأن جاء مع مرأته وهو معتكف، فسد اعتكافه، وهذا باتفاق أهل العلم. قال: «وإن سأل عن المريض في طريقه أو عن غيره ولم يعرج إليه جاز»، يعني لا بأس للمعتكف أن يسأل عن المريض وهو مار، كما في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «وكان يكون المريض في البيت فلا أسأل عنه إلا وأنا مار»، يعني في طريقي. فإذا خرج مثلا ذهب إلى البيت لحاجة أراد مثلا خلاء أو أراد أن يأكل وليس هناك أحد يأتي له بطعام، مر في البيت هناك من فيه مريض، فسأل عنه: كيف حاله؟ قال: «الحمد لله»، وهو مار، هذا لا بأس، لا يضر باعتكافه. هذا آخر ما ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب، باب الاعتكاف. وبهذا نكون قد انتهينا من قراءة هذا الكتاب، كتاب الصيام من كتاب عمدة الفقه. نسأل الله جل وعلا أن ينفع القارئ والسامع بما سمعنا وقرأنا، ونسأله جل وعلا أن يجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، ونسأله جل وعلا أن يختم لنا في هذا الشهر المبارك بالمغفرة والرحمة والعتق من النار. صلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على