الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 37، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح الشيخ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر الله تعالى لنبيه يحيى بن زكريا بخمس كلمات، وأهمية هذه الكلمات في دين الإسلام. ثم شرح أوامر الله للنبي صلى الله عليه وسلم الواردة في الحديث وأهميتها في حياة المسلم.
المقطع يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الأنبياء ودينهم الواحد، ويبين وجوب التوحيد وأهمية الصلاة. يبرز أن دين الأنبياء الأولين والآخرين واحد وهو توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
المقطع يحذر من دعوى الجاهلية التي تعتز بالأنساب والأحساب، ويبين أن دعوة أهل الإسلام تتمثل في الانتساب إلى دين الله. يشدد على أهمية الاعتزاز بدين الله جل وعلا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث السابع والثلاثون. قال الإمام الترمذي، رحمه الله: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبان بن يزيد، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، أن أبا سلام حدثه، أن الحارث الأشعري حدثه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم». فقال يحيى: «أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب، فجمع الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشرف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن. أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق، فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدي إلي، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟». «وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت». «وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». «وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم». «وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا آمركم بخمس، الله أمرني بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يرجع، ومن ادعى دعوة الجاهلية، فإنه من جثى جهنم». فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: «وإن صلى وصام، فادعوا بدعوة الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله». قال أبو عيسى، رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال شيخنا، غفر الله له: وصححه الشيخان الألباني في صحيح الترمذي، رقم 63 و800 و2000، والوادعي في الصحيح المسند، مجلد الأول، صفحة 31 و22 إلى 32 و200. هذا الحديث من الأحاديث العظيمة الجامعة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، لما فيه من الجمل العظيمة الجامعة. حتى أنها صارت من الكلمات الجامعة التي أمر الله جل وعلا بها أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام أن يأمروا بها. في هذا الحديث مسائل وفوائد كثيرة، من أهمها: أولا، فيه ما أمر الله جل وعلا به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، مما فيه تعليم الناس أمر دينهم، ومما هو خلاف ما أنزل الله من كتابه. وفي هذا رد على القرآنيين ومن كان على طريقتهم، الذين يظنون أنه لا حكم لله إلا ما كان في كتابه. وليس الأمر كذلك، بل حكم الله جل وعلا في كتابه، وفي وحيه الذي ينزله على رسوله من غير الكتاب. وهذا دليل من أدلة كثيرة، وهو يدل على أن هذا من سنة الله في رسله عليهم الصلاة والسلام الأولين والآخرين. وهكذا كذلك بهذا الحديث دليل على مسألة من المسائل الأصولية، وهو أن الأمر يقتضي الفورية. فإن يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام قال: «إني أخشى إن أمرتهم أن يخسف بي أو أعذب». وهكذا قوله قبل: «وإنه كاد أن يبطئ بها». وفي ضمن ذلك كذلك دليل على جواز تأخير الأمر إذا كان في تأخيره مصلحة شرعية يكون فيها امتثال هذا الأمر. وفيه كذلك وجوب امتثال أمر الله جل وعلا، وأن أمر الله جل وعلا أمر واجب على كل بني آدم. فإذا كان نبي من أنبياء الله خشي على نفسه إن لم يمتثل الأمر أن يخسف به أو يعذب، فكيف بمن هو دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ وبه يعلم خطأ الكثير الذين يفتخرون بأنسابهم ويلتصقون بأحسابهم على حساب دين الله جل وعلا، فإنه لا فخر بنسب، ولا التصاق بحسب، وإنما كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وكما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا فاطمة ابنت محمد، سليني من مال الله، سليني من مال ما شئت، فإني لا أغني عنك من الله شيئا». وفيه كذلك أن أعظم ما أمر الله جل وعلا به الأنبياء والمرسلين هو توحيد الله، وأن أعظم ما نهى الله جل وعلا به الأنبياء والمرسلين هو الشرك. كما في هذا الحديث، فإنه أمره أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا. فهذا مفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وفي ضمن هذا التنبيه على أهمية التوحيد وفضله وعظمه، وأن هذا مما يجب أن يؤمر به العامة والخاصة، وفي العلن وفي السر، وفي الجمع وفي الأفراد. وبه نعلم خطأ من ظن أن الدعوة إلى التوحيد سبب للفرقة، وأن الدعوة إلى التوحيد منافي للحكمة، وغير ذلك مما هو مخالف للأدلة الشرعية الكثيرة من الكتاب والسنة. وفيه كذلك فضيلة الصلاة، وأن الصلاة أعظم واجب بعد توحيد الله جل وعلا، وأنها من الواجبات والفروض المقدمة بعد توحيد الله جل وعلا. وهذه مرتبتها ليس في دين الإسلام فقط، بل فيما سبق من الأديان. وهذا الحديث دليل عليه، وفيه كذلك إثبات الوجه لله جل وعلا، وأنه ليس هذا في دين الإسلام بل هو في كل الأديان. وفيه صحة ما ذكره العلماء من أن عقيدة الناس أجمعين عقيدة واحدة لا تختلف من آدم عليه الصلاة والسلام إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا هو تفسير قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد، وأمهاتهم متفرقات». يريد بذلك أن دين الأنبياء الأولين والآخرين واحد، وهو دين التوحيد: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات. فتفسير هذا الحديث فسر بأحد تفسيرين: أي كون أن الله جل وعلا ونهوه قبل وجه المصلي، وذلك أنه فسر بأن وجه الله قبل وجه المصلي حقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته. ولكن ليس معناه أنه في قبلته في جدار المسجد أو جدار المصلى أو غير ذلك، وإنما في قبلته والمصلي في مكانه، والرب جل وتعالى في علوه. وليس ذلك على الله بعزيز، بل الله جل وعلا على كل شيء قدير. ومثل ذلك كما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كمثل القمر يكون في قبلة السائرين المسافرين، وقبل وجوههم، وهو في علوه. القمر في علوه، وهو قبل وجه كل مسافر يسير في المشرق أو في المغرب. ولله المثل الأعلى. فإن المصلي إذا صلى فهو قبل وجه الله، يعني أنه قام ليقف بين يدي الله جل وعلا، وجهه قبل وجه الله. وفي هذا كذلك تنبيه على ما يجب أن يعتني به المصلي بأمر الصلاة. ثم في آخر الحديث خمس أوامر أمر بها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمره الله جل وعلا بها. أولها السمع والطاعة، وهي كما مر معنا بالمعروف. وثانيا الجهاد في سبيل الله، والمراد بالجهاد جهاد العين وجهاد الكفاية، فكلا الجهادين مما أمر الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأمر به. والهجرة على أقسام كما مر معنا في دروس سابقة، وفيه دليل وتأكيد أن باب الهجرة لا يغلق إلى يوم القيامة. فما دام قد وجد الإيمان والكفر، فالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان باقية إلى يوم القيامة. وهكذا كذلك أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجماعة، والمراد بالجماعة هم من كان على الحق، كما قال ابن مسعود: «وإن كنت وحدك». فهذا هو المعيار الذي يعرف به الجماعة، ليس المعيار الكثرة، وليس المعيار الرجال، ولكن المعيار هو الحق وأهل الحق. وأهل الحق هم أهل الحل والعقد، العلماء الراسخون العاملون، الذين عرفوا بالإمامة والهداية، وهم حجة الله جل وعلا على الخلق في كل زمان ومكان. ولا تزال طائفة منهم إلى قيام الساعة، لا يعدم زمان من أن يكون فيه من هؤلاء. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وفيه كذلك التحذير من مفارقة الجماعة، وأن من فارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. والمراد بذلك أحد أمرين: إما أن يكون المراد أن من فارق الجماعة فإنه لا يسلم أن يقع في كفر، فيكون بذلك قد خلع ربقة الإسلام من عنقه. وهذا هو الغالب على من يترك جماعة المسلمين وأهل الحق. والتفسير الثاني: أن مفارقة الجماعة في قليل أو كثير يدعو صاحبه إلى خلع ربقة الإسلام من عنقه، فيخشى على من خالف الجماعة وفارقها، ولو كان في خصلة واحدة أو بعض خصال، ولو كانت مفارقته في غير مكفر، فإنه يخشى عليه أن يصل بأمره إلى الوقوع في الكفر. وهذا هو الغالب، ومنه قول العلماء: «أن المعاصي بريد الكفر»، لأن الشيطان لا يصل بالإنسان للكفر جملة واحدة، ولكن يأخذه إليه خطوة خطوة. وأخيرا، من ادعى بدعوى الجاهلية فهو من جثى جهنم. ودعوى الجاهلية هو الاعتزاء إلى غير الإسلام، يعني الأمر الخامس الذي أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكون اعتزاؤنا وانتسابنا إلى الإسلام، الشيء الذي سمانا الله جل وعلا به. فلا يعتز أحد إلى غير الإسلام وإلى غير الدين، فإذا اعتزى أحد فليقل: «وأنا المسلم»، «وأنا المؤمن». لا يقول: «وأنا ابن فلان»، «وأنا من القبيلة الفلانية»، أو «وأنا من البلدة الفلانية»، أو «وأنا صاحب اللون الفلاني»، أو «وأنا الذي جاهي الفلاني»، أو «وظيفة الفلانية»، أو «منزلتي الفلانية»، أو غير ذلك. فكل ذلك من دعوى الجاهلية، فدعوى الجاهلية الاعتزاء بالأنساب والأحساب، هذه من دعوى الجاهلية. أما دعوة أهل الإسلام: الانتساب والاعتزاء بدين الله جل وعلا. وبهذا نكتفي، الحمد لله رب العالمين.