الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 89، الدرس التاسع والثمانيون:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا عبدالله بن عبدالوهاب ... فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.أخرجه مسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من السم وتناول الطعام المسموم، ويبرز دلالة ذلك على صدق نبوته ورسالته. يُظهر ذلك من خلال حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
يفسر المقطع حادثة سم النبي صلى الله عليه وسلم ويبين دلالاتها على نبوته وصدق رسالته، مع توضيح سبب عدم قتل اليهودية في البداية ثم قتلها لاحقًا بعد وفاة بشر بن البراء.
يبرز المقطع دلائل نبوّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال عصمته من السم، ويشير إلى حقد اليهود على الأنبياء، ويبين عدل الإسلام في التعامل مع اليهودية التي حاولت قتله.
يتناول المقطع جواز الحجامة للمحرم عند الضرورة واستخدامها في الطب النبوي لطرد السموم، ويشير إلى عدم وجوب كفارة على المحتجم على الراجح من أقوال العلماء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى، بكتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أخرجه مسلم. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره للأدلة في عصمة الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام. ومن هذه الأدلة التي فيها الدلالة على عصمة الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، ويُتدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام، هذا الحديث الذي جاء عن عدد من الصحابة، منهم أنس رضي الله عنه، في الصحيحين. وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت مباشرة بهذا السم، وجاء في بعض الروايات أنه أخبر أن العظم -وفي رواية اللحم- أخبره أن به سمًا بعد أن نهش منه عليه الصلاة والسلام نهشة، فدعا بهذه اليهودية، وفي رواية فيها ضعف حسنها بعض أهل العلم أن اسمها «مرحب»، فقال لها: ما حملك على أن صنعت ذلك؟ وكان هذا يوم خيبر، فقالت: إن كنت نبيًا لم يضرك، وإن كنت غير ذلك أرحت الناس منك. فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتلها؟ وفي رواية أن عليًا هو القائل، فقال: لا. وجاء في رواية أخرى عند أبي داود عن أبي هريرة وغيره، بإسناد حسن، أنه قال: لا. فلما مات من أثر ذلك بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، قتلها النبي صلى الله عليه وسلم بها أو به. ومعناه أنه في أول الأمر لما لم يمت أحد لم يقتلها، فلما مات هذا الصحابي الأنصاري بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، أمر بقتلها عليه الصلاة والسلام بعد ذلك لعموم قوله سبحانه: ﴿النفس بالنفس﴾. ولا يعارضه -لا يعارض هذا الحديث- كونه عليه الصلاة والسلام مات من أثر هذا السم في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، فكونه حُمي وحفظ وعُصم من أثر السم إلى الوقت الذي مات فيه، هذا دليل من دلائل النبوة وصدق رسالته. فأراد الله عز وجل أن يجمع له بين فضلين: فضل النبوة والرسالة واستمرارها والعصمة مع وقوع هذا السم، وفضل الشهادة بعد إكمال الرسالة وإتمام ما أمره الله عز وجل به، فأكرمه الله بالشهادة عليه الصلاة والسلام في آخر عمره عليه الصلاة والسلام بعد أن أكمل الله به الدين وأتم الرسالة. ويدل على ذلك أدلة كثيرة، كقوله سبحانه في حين نزل عليه في حجة الوداع: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾، وكنزول قوله جل وعلا: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾، ونحو ذلك مما يدل على هذا المعنى. وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام قال في مرض موته عند تمريض عائشة له: إني أجد انقطاع أبهري من أثري السم الذي أكلت يوم خيبر. وأبهري -كما قلنا- هو العرق الكبير في القلب. ومعنى «يجد» اشتداد الألم عليه. بل جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عباس، بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أكل السم الذي في الشاة صار يأتيه ما يجد -أي من الألم- فإذا وجد من ذلك شيئًا احتجم عليه الصلاة والسلام. وجاء في رواية أنه عليه الصلاة والسلام احتجم وهو محرم لما وجد من أثر ذاك السم. وهذا يفسر سبب احتجامه عليه الصلاة والسلام وهو محرم، كما جاء في البخاري من حديث ابن عباس، فقد جاء مفسرًا في رواية الإمام أحمد أن سبب احتجامه وهو محرم أنه وجد الألم الذي يأتي إليه من الحين إلى الآخر بسبب السم الذي أكل عليه الصلاة والسلام، فكان إذا وجد ذلك احتجم عليه الصلاة والسلام في رأسه. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، أهمها ما أشار إليه الشيخ رحمه الله، ففيه دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ عصمه الله من هذا السم مع أن من أكل معه مات، وهو لم يمت عليه الصلاة والسلام بالحال، بل عصمه الله وجمع له بين فضل الرسالة والشهادة، إذ أكرمه الله بها في آخر حياته. وفيه من المسائل كذلك ما تقدم من حقد اليهود، وفيه كذلك ما عليه اليهود من معاداتهم للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. وفيه كذلك بيان خطر اليهود وأن أمرهم أعظم مما قد يتصوره الإنسان، فإذا تجرأت هذه اليهودية وقبلها اليهود الذين سبق ذكرهم في قتل النبي صلى الله عليه وسلم على أنهم مستضعفين وقد تمكن منهم، فكيف إذا كانت لهم المكنة إذا كان لهم التمكين؟ فالأمر أشد توقعًا أن يأتي من اليهود ما لا يخطر ببالك من شدة حقدهم وغيظهم على أهل الحق، على المسلمين. وفيه من المسائل كذلك بيان عدل الإسلام وحسن خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذه فعلة الذي فعلت، ومع ذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتلها. وفي هذا أولًا تربية لجميع المسلمين بالتأدب بهذا الأدب وسلوك مسلك العدل والإنصاف حتى مع الكفار. وفيه رد على دعاة التكفير الذين يستحلون دماء بعض الكفار، وهي محرمة، مع أن مثل هذا الحدث في ميزان هؤلاء التكفيريين يستوجب ليس قتل هذا اليهودي الفاعل فقط، بل ربما كل اليهود، وهو ميزان خاطئ؛ لأن مثل هذه الأمور ليست بالعواطف وإنما بالشرع، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقتلها، فضلًا أن يقتل كل اليهود، وإنما أمر بقتلها لما ثبت أنها تستحق القتل؛ لأنها قتلت رجلًا من المسلمين، فقتلها به عليه الصلاة والسلام. وفيه أن هذا المقام مما يكون فيه القصاص -يعني من سمى إنسانًا قتل به- وهل يلزم من يقتل بالسم؟ الصحيح لا. وهذا الحديث يدل أنها لم تقتل بالسم، بل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتلها، وعمومات الأدلة تدل عليه، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وفيه من المسائل كذلك شيء من الطب النبوي في العلاج بالحجامة، وهذا علم من الطرق الأخرى للحديث، فإن الحجامة أحد ثلاث يكون بها الشفاء إذا استعصى الدواء، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه يكون بالحجامة، وبكذلك العسل، وبالكي. فمن الطب النبوي استعمال الحجامة في طرد السموم؛ فإن السموم تخرج بالحجامة، فهذا من الشيء النافع في ذلك. وهكذا كذلك في هذا الحديث ما جاء في الطرق الأخرى بيان جواز احتجام المحرم إذا احتاج إلى ذلك، وأنه لا يضر بإحرامه ولا يوجب كذلك كفارة على الصحيح، وهي مسألة تذكر في مسائل المحظورات الإحرام. طيب، نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.