كتاب البيع 7

كتاب البيع 7

الدرس في كتاب البيع 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم بعض البيوع وضوابطها

تطرق الشيخ إلى تحريم بعض البيوع مثل بيع العربون وبيع العصير لمن يتخذه خمرًا، وأوضح ضوابط البيوع المحرمة مستدلاً بآيات وأحاديث نبوية.

أحكام البيوع المحرمة والوسائل

يتناول المقطع ضوابط البيوع المحرمة مستدلاً بقول الله تعالى، ويشرح بعض الأمثلة على البيوع المحرمة مثل بيع العصير لمن يتخذه خمرًا وبيع السلاح في وقت الفتنة.

الاستثناء في البيع وشروطه

يناقش المقطع حكم الاستثناء في البيع، ويجوز الشروط في البيع والاستثناء إذا لم يتضمنا ربا أو بيع ما لا يملك، مستدلاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- الإمام الشوكاني -رحمه الله- في أوائل كتاب البيوع من ذكر أنواع من المحرمات من أنواع البيوع. وقد استفدنا مما سبق أنه ليس المقصود الحصر في تلك الأنواع التي ذكرت من المنهيات في البيوع، فإن الشرع لا يجمع بين مُفترق ولا يفرق بين مجتمع. فالمتماثلات والمتساويات والمتشابهات يلحق بعضها ببعض، فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث. وما كان بمعنى الحلال فهو حلال، وما كان بمعنى الحرام فهو حرام. ومما أخذناه في آخر درس لنا الكلام على بيع العربون، وهكذا بيع العصير لمن يتخذه خمرًا. وعلمنا التفصيل في بيع العربون، وما هو التفصيل في بيع العربون؟ أنه محرم، وإذا لم يكن فيه بعض أو مفلح من الباحث، الأصل فيه التحريم. والدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». فعلم بذلك أن بيع العربون الأصل فيه الحرمة، لا يجوز أن يأخذ العربون إلا إن كان أخذه بحقه. مثال الحق: إذا كان في شراء المشتري بالعربون إلحاق ضرر بالبائع، فللبائع أن يأخذ من العربون بقدر ضرره أو قدر خسارته، مثل أن يرسل له بالبضاعة من مكان بعيد، فيأخذ أجرة المواصلات مثلا ونحو ذلك مما سبق بيانه. وهكذا من البيوع المحرمة بيع العصير لمن يتخذه خمرًا. وقلنا إن هذا يدل على معنى عام من المنهيات في البيوع، وهو التعاون على الإثم والعدوان. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فكل ما كان تعاونًا على الإثم والعدوان، ولو كان أصله حلالًا، لا يجوز بيعه. مثل بيع العصير لمن يتخذه خمرًا، كذلك بيع السلاح في وقت الفتنة، أو بيع بعض الأدوية المقوية لمن يستعمله في الحرام. ومثله أدوات التجميل وعمليات التجميل التي تستعمل لبعض النساء الفاجرات الفاسقات التي تفعل ذلك في الحرام. إذا استيقنت ذلك، فلا يجوز لك أن تعينها على هذا. وهكذا نظائره كثيرة: بيع الأشرطة لمن علمت أنه سيستعملها لبيع الأغاني، أو السيديات لمن يستعملها في بيع الأشياء المحرمة، ونحوه كثير. فليس المقصود هو عين المسألة، ولكن المقصود الوقوف على قواعده من قواعد المحرمات في البيوع، وهو أن الوسائل لها أحكام المقاصد. ومنه كذلك بيع المعدوم بالمعدوم، وهو بيع الدين بالدين. وقد وجد هذا في زمن الجاهلية، ووجد مثله كذلك اليوم. وليس المعدوم هو عين الدين، لكن الدين من أمثلته. والمعدوم لفظ أعم من الدين، يشمل الدين وكل ما كان بمعناه مما هو ليس في يد البائع أو ليس في يد المشتري. والغرض من بيع المعدوم بالمعدوم هو الدخول في معنى من معاني الميسر، فكل من البائع والمشتري يرجو أنه يكون أظفر من صاحبه في هذه البيعة. فهو معنى من معاني الميسر المحرمة. وهكذا مما مر معنا بيع السلعة قبل قبضها، وقلنا هذا عام، وهو في الطعام يتأكد. والحكمة من هذا النهي هي حتى يحصل تمام التملك له، وفي الأصناف الربوية يسلم من التساوي فيما يجب التساوي فيه، أو عدم الجهالة فيما يخشى الجهالة فيه. قال رحمه الله تعالى: «وما اشتراه قبل قبضه والطعام حتى يجري فيه الصاعان». يريد به صاع البائع وصاع المشتري، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري في الأدب المفرد ورواه معلقا في صحيحه: «إذا ابتعت فاكتل وإذا بعت فكل». وفي هذا ثلاث مسائل: الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري، وذلك لأمرين: الأول هو إزالة معنى الجهالة والغرر، والثاني هو أدب يكون به حسن ظن المسلمين بعضهم ببعض. قال رحمه الله تعالى: «ولا يصح الاستثناء في البيع إلا إذا كان معلومًا». ومنه استثناء ظهر المبيع. وهذا معنى آخر من معاني المنهيات في أنواع البيوع، وهو عدم جواز الاستثناء في البيع. وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله، وأشار إلى أنه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثنية. وخلاصة ما يذكر في ذلك أن المقصود من النهي عن الاستثناء في البيع هو الاستثناء الذي ينافي مقصود البيع، أو الاستثناء الذي يتضمن محظورًا من محظورات البيوع. فما كان من الاستثناء والثنية متضمنًا لأحد هذين المعنيين، فهو المنهي عنه والذي لا يجوز. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». فاستفيد من ذلك أن ما خالف الشرع ويخالف الشرع أمثران: أن ينافي العقد، أو أن يكون فيه معنى من المعاني المحرمة. ومن مثال ما ينافي عقد البيع أن يقول: «أبيع لك هذه السيارة على أن لا تركبها». ومن المعاني المحرمة حصول معنى الجهالة والغرر، أو ما كان سببًا للخصومة، أو أن يكون فيه معنى من معاني الربا المحرم. والثنية الصحيحة هي ما كان ليس متضمنًا لأحد هذين المعنيين، ويدل عليه ما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع». فدل ذلك على أنه يجوز الشروط في البيع ويجوز الاستثناء في البيع إذا لم يكن متضمنًا لأحد المعنيين السابقين. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. وما بقي يترك إلى درس لاحق.