الدرس في كتاب الصلاة 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يتناول مسألة الحركة في الصلاة، حيث يبين أن الإسلام يحث على السكون في الصلاة لتحقيق الخشوع، مع الإشارة إلى أن هناك حركات جائزة ومستحبة بل وواجبة في بعض الأحيان.
الحركة في الصلاة لها أحكام مختلفة بحسب الحاجة أو الغرض منها، وقد تكون واجبة أو مستحبة أو مباحة، وهناك أدلة من السنة النبوية تدعم هذه الأحكام.
الحركة في الصلاة تنقسم إلى مباحة ومكروهة ومحرمة، فالمباحة تكون لمصلحة الصلاة أو غيرها دون عبث، والمكروهة تكون بلا حاجة وتشمل العبث، والمحرمة تكون بكثرة وتخرج عن هيئة الصلاة.
المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الحديث حول الحركة في الصلاة مع الإشارة إلى أن ما تم ذكره هو خلاصة الموضوع، ويعبر عن الاكتفاء بما تم سرده ويشير إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. فأخذنا في الدرس الذي مضى: قتل الحية والعقرب في الصلاة، وهنا نأخذ المسألة التي من عجلها ذكر المؤلف هذه المسألة، وهي مسألة الحركة في الصلاة. الحركة في الصلاة لا شك أن المسلم والمصلي مأمور بعدم الحركة في الصلاة، فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى بعض الصحابة، أو رأى بعض من يصلي معه، كان إذا سلموا أشار أحدهم بيديه، كأنه يقول: السلام عليكم ورحمة الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما لي أراكم أراكم ترفعون أيديكم كأذناب خيل شمس؟ أذناب خيل شمس»، معنى ذلك أن أذنابها تتحرك، فقال عليه الصلاة والسلام: «أسكنوا في الصلاة، أسكنوا في الصلاة». وهذا نص بالأمر بالإسكان في الصلاة، المراد بالإسكان أي عدم الحركة. ولهذا كلما كانت الصلاة لا يتحرك فيها الإنسان، كانت أخشع لله، فأخشع صلاة تكون أخشع من غيرها. ولهذا وصف من لم يتحرك في الصلاة بالخشوع. ولهذا يقول الإمام عبد الرزاق، كما ذكر ذلك الإمام أحمد في مسنده: «ما رأيت أحدا يصلي صلاة خاشعة كابن جريج -عبد الملك ابن عبد العزيز ابن جريج، إمام الحرم- قال: لو كان أهل مكة يقولون إن ابن جريج أخذ هذه الصلاة عن عطاء، وعطاء أخذها عن عبد الله ابن الزبير؛ لأنه كان قد لازم عبد الله ابن الزبير، أخذ هذه الصلاة عطاء عن عبد الله ابن الزبير؛ لأن عبد الله ابن الزبير كان يقال: إذا صلى، تأتي الطيور وتقف على رأسه، يظنها عمودا، من كثرة السكون في الصلاة. وكان عبد الله ابن الزبير أخذ الصلاة من جده أبي بكر -من قبل أمه-، معلوم أن عبد الله ابن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، فأخذ ابن الزبير هذه الصلاة من جده أبي بكر الصديق، وأخذ أبو بكر هذه الصلاة من النبي عليه الصلاة والسلام، إسناد إلى النبي عليه الصلاة والسلام في الخشوع في الصلاة والسكون في الصلاة. فقلنا إن أفضل الصلاة كلما كان أسكن العبد في صلاته. فلهذا جزم بعض الفقهاء أن الحركة مكروهة مطلقا في الصلاة، يعني لا ينبغي أن يتحرك الإنسان. لكن هناك أحاديث جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام تقتضي فيها الحركة، من ذلك الحديث الذي ذكرناه: «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب»، هذا لا بد أن يحتاج إلى حركة. أيضا حديث حمل النبي عليه الصلاة والسلام أمامة بنت زينب، حملها وخرج بها وصلى وهو يحملها، فإذا ركع وضعها، وإذا سجد أخذها وحملها، فهذا يقتضي أن هناك حركات. وجاءت أيضا أحاديث كثيرة سنذكرها إن شاء الله تعالى مع سياق الكلام على حكم الحركات. فلهذا فهناك حركات جائزة، وهناك حركات غير جائزة، وهناك حركات لمصلحة الصلاة، وهناك حركات ليست فيها شيء من مصلحة الصلاة. ولا نتشعب في هذه المسألة، وإنما نقول إن الحركة في الصلاة -كما قال الشيخ ابن عثيمين- يمين، اجتمعت فيها الأحكام الخمسة: الحركة في الصلاة اجتمعت فيها الأحكام الخمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. يعني هناك حركة واجبة، وهناك حركة مستحبة، وهناك حركة مباحة، وهناك حركة مكروهة، وهناك حركة محرمة تبطل الصلاة. وأما ما قاله بعض الشافعية: أن ثلاث حركات متواليات تبطل الصلاة، فهذا لم يدل عليه دليل أبدا، بل دلائل تخالفه. ولهذا الإمام النووي رحمه الله لم يقتنع بهذه المسألة، وبين أنه لا دليل على هذه المسألة. لكن ذكر ضابطا في مسألة الحركة التي تبطل الصلاة: إذا كان فيها عمل كثير. وذكره عن بعض أصحابه، أي بعض أصحاب الشافعي من أهل الوجوه. فذكر أن هناك ضابطا وهو أنه إذا كان العمل كثيرا، وكذلك يخرج العبد عن الصلاة، معنى إذا نظر فيه الناظر لا يظن أنه في صلاة؛ لكثرة حركته وعمله. وهذا الضابط أخذ به أيضا بعض الحنابلة، ورجحه كثير من المتأخرين، كالشيخ السعدي، والشيخ ابن عثيمين، وأيضا الأمير الصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أئمة الإسلام. فرجحوا هذا الضابط في مسألة بطلان الصلاة بالحركة. لكن كما قلنا: الحركة جاءت أنواعا حتى أنها جاءت على ممكن الأحكام الخمسة. فمثلا الحركة الواجبة قد يمثل لها بحديث أبي سعيد في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يمر بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان». يقاتله، معنى يدفعه بشدة، فهذه الآن حركة وأمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، فهي حركة واجبة. وأيضا يذكر بعض العلماء ممن يقول بالمشي إلى السترة بعد انتهاء الإمام من الصلاة أنها واجبة كوجوب السترة. يقول أيضا أنها حركة واجبة، وهذا قول الشيخ الألباني رحمه الله عليه، وقول أيضا الشيخ مقبل، وأيضا كذلك الإمام مالك، فإنه أجاز ذلك. قال: إذا صلى رجل مع جماعة، ثم تبقى له بعض الركعات، وليس بين يديه سترة، وسترة هناك قريبة، هل يمشي إليها؟ قال: نعم، لا بأس أن يتقدم قليلا، أو يتأخر قليلا، أو عن يمينه أو عن شماله قليلا، لا بأس إذا كان الشيء لا يخرجه عن طور الصلاة، حركة لا تخرجه عن طور الصلاة. فلهذا فالظاهر أنها ليست واجبة، وإنما هي مستحبة؛ لأنه قد صلى مع إمام في سترته، فوجوب السترة بعد ذلك يحتاج إلى دليل آخر. المستحب من أمثلة المستحب ما جاء عند أحمد وأبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أعظم خطوة يخطوها الرجل في صلاته أن يسد فرجة في الصف». سماها النبي صلى الله عليه وسلم أفضل خطوة يخطوها العبد. في رواية: «أعظم خطوة»، معنى يخطوها إلى أن يسد فرجة. والفرجة هي مكان إنسان، معنى يدخل إنسان، هذا تسمى فرجة. إذا كان أقل من ذلك يسمى خللا. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سدوا الخلل، ولا تدعوا فرجات للشيطان». فالخلل هو أصغر من الفرجة، والفرجة التي يدخل فيها الإنسان. فإذا وجد الإنسان فرجة في الصف، فإنه يمشي حتى يسد هذه الفرجة، فهذا من باب الاستحباب. وبعضهم جعله من باب الوجوب، خاصة إذا كان فيه قطع للصف. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله». لكن هذا الحديث فيه قطع لمن قطع الصف، وفيه تأكيد الاستحباب لمن وصل هذا الصف. فهذا من الخطوات المندوبة أو الحركات المندوبة في الصلاة. وأحيانا يكون مثلا لمصلحة الصلاة، لمصلحة الصلاة، فهذا أيضا قد يكون من باب الاستحباب، مثل مشي النبي عليه الصلاة والسلام لما أرادت البهمة أن تمر بين يديه، فساعدها حتى ألصق بطنه الشريف على الجدار حتى مرت من خلفه. فهذا الحديث يدلنا أيضا على استحباب مثل هذه الأمور: أن الإنسان لا يجعل شيئا يمر بين يديه، ولو كانت بهمة، لو كانت حيوانا أو طفلا، فلا يجعله يمر بين يديه. ولو تحرك إلى ذلك المكان. بعض طلبة العلم كان يجتهد أيضا في مسألة في مكة؛ لأن بعض العلماء يقول إن السترة واجبة في مكة وفي غيرها، فكانوا بعضهم -لأنه ما يستطيع الإنسان أن يصلي ويدفع الناس في الحرم لكثرة الناس وكثرة مرورهم- بعضهم يأتي ويصلي خلفه إنسان أو صاحبه، فإذا أراد أن يركع رجع إلى الخلف وركع. وهذا لأجل أن لا تقطع صلاته، أو يمر بين يديه. هذا على الاجتهاد الذي يقول بأن السترة في مكة وفي غيرها لا فرق بينها. لكن أكثر العلماء يفرقون بين الصلاة في مكة وفي غيرها؛ لأنها أصبحت ضرورة. وأما الحركة المباحة فهي ما يكون فيها حركة إما في مصلحة الصلاة أو في غير مصلحة الصلاة، لكن حركة تكون ليس من العبث، ليس فيها عبث. إما مثلا إنسان سقطت عمامته وأراد فأخذها، أو إنسان مثلا سوى الأرض، كانت مثلا المكان الذي سيسجد فيه فيه شيء من التراب أو فيه شيء مما يحتاج إلى أن يميله، كما كان الصحابة أحيانا يفعلون ذلك، كما جاء في حديث معيقيب قال: النبي عليه الصلاة والسلام «فمن كان فاعلا فليفعل واحدة»، يعني من كان يريد أن يفعل هذا يسوي الأرض أو يسوي الحصى، فيفعل مرة واحدة لا يكثر في هذا الأمر. فلهذا فهذا قال العلماء إنه من المباح من المباح في الحركة. وأما الكراهة فما يكون من الحركة التي فيها عبث، عن كثرة الحكة أو فرقعة الأصابع، دائما يحك في رأسه، يمسك لحيته، وهكذا يمسك أنفه. فهذه الحركات أحيانا قد يكون الإنسان يفعلها دون أن يشعر، لكن فعلها هذا خطأ ويعتبر من العبث. والذي ينبغي للإنسان أنه يحرص على السكون في الصلاة كما ذكرنا. ولهذا جاء عن سعيد بن المسيب -وإن كان أيضا في الإسناد فيه ضعف- وأما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح قطعا أنه وجد رجلا يمسك لحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه». فقال بعض العلماء إن هذا الكلام صحيح: الإنسان إذا خشع قلبه خشعت جوارحه. وأما إذا كان قلبه لم يخشع، فأيضا جوارحه لا تخشع. ولهذا تجد النبي صلى الله عليه وسلم شدد في مسألة النظر: أنه لا يلتفت في الصلاة، ولا ينظر إلى السماء. وكذلك أيضا في مسألة اليدين: يضعهما أو يقبض اليمنى على اليسرى، حتى يكون على هيئة لا يكون فيها حركة يتحرك، حتى يساعده على الخشوع في الصلاة. فلهذا فالعبث في الصلاة يعتبر من المكروه من الحركة بغير حاجة. وكذلك قبل هذا من الحركة المباحة، ذكروا أيضا حمل الطفل يعتبر من الحركة المباحة، يباح للإنسان أن يحمل طفله إذا احتاج لهذا، ليس أن يتعمد إذا كان مثلا تعلق به ولا يريد أن يضعه في الأرض؛ لأجل أنه قد يبكي، أو مثلا امرأة بكى طفلها وأرادت أن تصلي، فلا بأس أن تأخذه معها، أن تأخذه معها وتصلي وتحمله، فإذا ركعت وضعته، فإذا سجدت أخذته، معنى إذا تمت السجود أخذته وتقوم قائمة وتحمله. وهكذا أيضا ما يكون فيه من مصلحة الصلاة في قتل الحية والعقرب، أو في الخطوات التي يكون مثلا سد الإمام بمأموم، وغيرها، فهذا قد يكون من استحباب، وقد يدخل بعضها في المباح. وأما الكراهة فقد تقدم معنا. وأما ما يكون فيه حرام فكثرة العبث في الصلاة، كثرة الحركة في الصلاة، إذا كثرت الحركة في الصلاة فهذا تصير محرما، وقد تكون مبطلة للصلاة. والضابط كما قلنا أنها إذا أخرجت عن هيئة الصلاة. إنسان مثلا عنده عمل يريد أن ينجزه، مثلا نجارة، يأتي بالمطرقة ويصلي ويدق المسمار، فهذا عمل معنى يخرج عن وضع الصلاة. أيضا بعضهم مثلا يقال: هكذا والله أعلم أنه مثلا يكون في قارب يصطاد، يضع العدة في رجله أو يضعها في يده ويصلي، فإذا أمسكت هذا السنور مثلا أو هذا الطعم أمسك الصيد، قام مطلعا واستمر في صلاته، فهذا أيضا مما يبطل الصلاة؛ لأن هذه حركة كثيرة، وكذلك أيضا تخرج عن هيئة الصلاة. فهذا إن شاء الله خلاصة ما يذكر في الحركة في الصلاة، فنكتفي بذلك والله تعالى أعلم.