الدرس في كتاب الصلاة 187، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استحباب ذكر الموت لما له من تأثير في حياة القلب ويقظة الإنسان، وقد وردت روايات تحث على ذلك. يُشدد على أهمية تذكر الموت في كل لحظة لمراجعة الأعمال واستحضار خشية الله.
الاستعداد للموت يحتاج إلى عمل واجتهاد، وكان السلف يجتهدون في العبادة حتى لو قيل لهم إنهم سيموتون غدا لما استطاعوا أن يزيدوا في عملهم. يُذكر أن بعض السلف كانوا يحرصون على تذكر الموت لمراجعة أعمالهم وتقويم سلوكهم.
المقطع يتضمن الدعاء بحسن الخاتمة والثناء على الله عز وجل، ويُظهر الرغبة في أن يُحسن الله ختام الأعمال. الحمد لله يُذكر كتعبير عن الامتنان والشكر لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال المؤرخ رحمه الله الشيخ المحلي اليماني في "مزيد النعمة في جمع أقوال الأئمة": باب الجنائز، قال: وأجمعوا على استحباب الإكثار من ذكر الموت. استحب العلماء بإجماعهم أن المسلم يذكر الموت لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "تذكروا هادم اللذات". وجاء في رواية: "اذكروا هادم اللذات". وجاء: "هازم اللذات". وجاء أيضا "هادم" بالدال، لكن الرواية الصحيحة "هادم" بالدال. لكن من ناحية المعنى كلها صحيحة، فهادم اللذات أي قاطع، وهادم أي يهدمها ويخربها ويعطلها، وهازم أي يغلب هذه اللذات، فكلها بمعنى واحد. والمراد أنه يفنى بهذا الموت تفنى هذه اللذات التي كان يتمتع بها في الدنيا. فقوله: "اذكروا هادم اللذات"، فيذكروا الموت، فإنه لم يذكر في أمر ضيق إلا وسعة. فذكر الموت حياة القلب، القلب يحيا بذكر الموت، أي بتذكره، سواء كان بلسانه أو بقلبه. والمراد به بقلبه، عن العقل أنه يتذكر بقلبه أنه سيموت وأنه سيرجع إلى الله، فلهذا يحصل للقلب انتعاش ويحصل للقلب يقظة. لا شك أن ما من إنسان إلا وهو يعرف أنه سيموت، هذا حقيقة الناس يعرفونها، لكن ليس المراد أنه يعرف أنه سيموت لا، إنما يتذكر أنه سيموت. لأن الذكر شيء والمعرفة شيء، المعرفة كل الناس يعرفون أنه سيموت، لكن هل يتذكر هذا الموت؟ فهنا المراد به أنه يذكر هذا الموت، يذكر أنه سيموت وسينقطع عن هذه الدنيا، فلهذا يحتاج إلى عمل يحتاج إلى استعداد. ولهذا جاء في حديث شداد وجاء من حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "أكيس الناس أكثرهم استعدادا للموت". أكيس الناس أفضل الناس وأذكاهم الذي يستعد للموت. ولهذا تجد أن السلف كانوا يجتهدون اجتهادا عظيما. وقد قيل في جمع من السلف أنه لو قيل له: إنك ستموت غدا ما استطاع أن يزيد في عمله. لو قيل له غدا ستموت -مثلا مثل المريض مثلا الذي يتوقف قلبه أو يتوقف دماغه أو كذا- فيقال له: خلاص إنه ميت. فلو قيل لأحد هؤلاء السلف: إنك ستموت غدا لما استطاع أن يزيد في عمله. حمد بن سلمة رحمه الله عليه كان سليمان التيمي أكثر الناس اجتهادا، ما نأتي وقت فيه عبادة إلا وهو يفعلها، فلو قيل له: إنك ستموت غدا لما استطاع أن يزيد. وقيلت أيضا في سعيد بن جبير، وقيل في حماد بن سلمة، وقيل أيضا في غيرهم من السلف رحمة الله عليهم، فأوقاتهم كلها مشغولة بالطاعة. فلهذا فالاستحباب هنا كما قلنا أنه يكثر من ذكر الموت. قيل لمعروف الكرخي رحمه الله عليه -وهو من العباد ومن كان يجلهم الإمام أحمد ويثني عليه- حتى قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي إن معروفا ليس عنده علم -أنا ما كان عالما- فقال: يا بني نسكت، فمعروف عنده أصل العلم خشية الله، لأن العلم أصل أمره أنه يؤديك إلى خشية الله، فإذا لم ينتفع الإنسان بعلمه فما فائدة هذا العلم؟ فقال هذا معروف: قيل له إن أناسا جاءوا يصلون، فقال لهم إمامهم: صلوا وتذكروا أنكم بعد الصلاة ستموتون. ونتذكر الواحد أنه بعد الصلاة سيموت. فقال آخر: بل يتذكر الإنسان أنه لا يكمل هذه الصلاة إلا ويأتيه الأجل. فقالوا لمعروف: أيهم الصواب؟ فقال: أبعد، بل إن المؤمن يتذكر في كل لحظة أنه سيموت، ليس فقط أنه سيصلي ثم يموت لا، إنما يتذكر في كل لحظة أنه سيموت. ولهذا كان بعض السلف يقول: لو فارق الموت قلبي لخشيت أن أضل. ما يقول: إنه لو فارق ذكر الموت قلبه أخشى أن قلبه يتغير عليه، لكن دائما يتذكر ويذكر قلبه بالموت وأنه سيموت، فماذا قدم؟ فماذا عمل؟ فماذا سيراجع الله عز وجل به؟ ماذا سيقف بين يدي الله به؟ هذا هو تذكر الموت. فنسأل الله عز وجل أن يحسن ختامنا. الحمد لله رب العالمين.