الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 86، ألقاها
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديثًا عن حرص الصحابة على الخير وتفقد قلوبهم، ويبين دلالة الحديث على خوف الصحابة من النفاق.
يتناول المقطع خطورة النفاق وتغير حال القلب، حيث يبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن التغير في حال الصحابة طبيعي وأن الواجب تعاهد القلب.
يجب على الإنسان أن يخاف على نفسه من النفاق ولا يغتر بإيمانه، وأن يلازم الخير ويخاف من تغير قلبه بسبب المعاصي.
ينهي شرح الحديث بما تم ذكره، ويعبر عن الاكتفاء بما قدم من تفسير، مع الاعتراف بأن الله تعالى هو الأعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو يعلى رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الواحد، وهو ابن غياث أبو بحر البصري رحمه الله، قال: حدثنا غسان بن برزين، يعني الطهوي، وهو كذلك أيضًا بصري، ووثقه ابن معين، ذكره أيضًا ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. وذكر له الإمام الذهبي رحمه الله في الميزان نكارة هذا الحديث، وأنه منكر عن ثابت عن أنس. الظاهر أن هذا الإسناد فيه شيء، فقد رواه حمد بن سلمة عن ثابت عن نبي عثمان النهدي عن النبي صلى الله عليه وسلم من مرسل، وهذا صحيح كما ذكره الإمام البخاري في التاريخ الكبير. ولكن لعل الشيخ رحمه الله أخذ بظاهر الإسناد، وإلا فهو صحيح فيه أنه مرسل. لكن يشهد له ما سيأتي، جاء في صحيح مسلم في حديث حمضة الأسدي رحمه الله. وظاهر أن هذا الحديث نفسه حديث حمضة، لكن غلط غسان بن برزين فرواه عن ثابت عن أنس. قال رحمه الله تعالى: حدثنا ثابت البنان، وكان الإمام أحمد يقول: أهل البصرة إذا أخطأوا قالوا: ثابت عن أنس، وأهل المدينة إذا أخطأوا قالوا: ابن المنكدر عن جابر. ومراد الإمام أحمد رحمه الله أن يبين أن كثيرًا من أهل البصرة ممن يخطئ، فإذا وهم قال: ثابت عن أنس، أنا إذا يضع الحديث عن ثابت عن أنس لكثرة حديث ثابت عن أنس وأهل البصرة. وأهل المدينة من غلط منهم أو ضعفاء منهم يقولون: محمد بن المنكدر عن جابر. فأراد هذا الإمام أحمد رحمه الله أن من أخطأ غالبًا من البصريين في حديث أنس ينسبها إلى ثابت، أنا صارت سليقة عندهم أو شيء أعتاد أنه دائمًا يقولون: ثابت عن أنس، فإذا حصل الوهم تجد أنه وضع أو يقول: ثابت عن أنس. والظاهر هذا منها، الله أعلم. قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وأبو حمزة النجاري الأوسائي، قال: غدا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، فقالوا: يا رسول الله، خلتنا ورب الكعبة. قالوا: ماذا؟ قالوا: النفاق، النفاق. قال: لستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ قالوا: بلى. قال: ليس ذاك النفاق. قال: ثم عادوا الثانية، فقالوا: يا رسول الله، خلتنا ورب الكعبة. قالوا: ماذا؟ قالوا: النفاق، النفاق. قال: لستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ قالوا: بلى. قال: ليس ذاك النفاق. قال: ثم عادوا الثالثة، فقالوا: يا رسول الله، خلتنا ورب الكعبة. قالوا: ماذا؟ قالوا: النفاق، النفاق. قال: لستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ قالوا: بلى. قال: ليس ذاك النفاق. قالوا: إننا إذا كنا عندك كنا على حال، وإذا خرجنا من عندك حمتنا الدنيا وأهلونا. قال: لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على الحال الذي تكونون عليه لصافحتكم الملائكة بقبضي أو على الطريق. قال الشيخ رحمه الله: هذا حديث حسن، وعبد الواحد بن غياث، أنه هو ابن غياث، فهذا الحديث فيه حرص صحابة رضي الله عنهم على الخير، وأنهم يتفقدون قلوبهم، ويجدون أن قلوبهم تتحول من حال إلى حال. فإذا كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكون على حال عظيمة أقرب إلى الله جل وعلا، فإذا ذهبوا إلى بيوتهم كما قال في حديث حمضة: عافسنا الأزواج، ولعبنا الأطفال. فجاء كما هو معلوم في حديث حمضة الأسدي: غسيل الملائكة، أو أقصد حمضة الأسدي، ليس هو غسيل الملائكة، جاء عنه أنه قال: مر بأبي بكر رضي الله عنه، وقال: يا أبا بكر، إني أجد أو قال: هل أكتب؟ قال: وماذا؟ قال: النفاق. إننا نكون عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيذكرنا بالجنة، فكأننا نراها رأي عين، يذكرنا بالنار، فكأننا نراها رأي عين. ثم إذا جئنا إلى البيوت ضحكنا الأولاد، وعافسنا الأزواج، قال: فنسينا. فقال أبو بكر: وإني لأجد ذلك، وإني لأجد ذلك. ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما جاء قال: حمضة نافق حمضة رسول الله. قال: وماذا؟ قال: حمضة وذكر له ما ذكر لأبي بكر رضي الله عنه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو أنكم تدومون على ما أنتم عليه لصافحتكم الملائكة في الطرقات، لو أنتم تدومون على ما أنتم عليه لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حمضة ساعة وساعة. فهذا الحديث يشبه هذا الحديث، والظاهر أنه نفسه، لكن في هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: وليس ذاك النفاق. وهذا أيضًا كما قلنا فيه ما كان عليه الصحابة رضي الله عنه من حرص على الخير، ومن حرص على قلوبهم. لأن الإنسان فيه مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد كله، وهي القلب، كما جاء بحديث النعمان بن بشير الذي أخرجه البخاري ومسلم. فالواجب على المسلم أنه يتعاهد قلبه، يتعاهد قلبه، لأن القلب يصدأ الإيمان في القلب يصدأ كما أخبر بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنه يخافون على أنفسهم أن يقعوا في شيء من التغير لما يجدونه من تغير حالهم وحال قلوبهم. لكن بيّن لهم نبي صلى الله عليه وسلم أن هذا حال القلب المسلم. ولو أنه يدوم على شيء أو على هذه الحالة التي يكون فيها عند حلق الذكر وعند سماع الخير، ويكون قلبه مشتاقًا إلى جنة الله جل وعلا، لكان هذا قد يرتفع منزلة عظيمة حتى أن الملائكة لتصافحهم في الطرق. وقد كان جماعة من الصحابة أيضًا تصافحهم الملائكة في الطرق، كما جاء عن عمار بن ياسر وغيره، فلهذا. لكن الإنسان يتحول من حال إلى حال، وهذا القلب يتحول من حال إلى حال. كلما قرب طاعة الله جل وعلا زاد إيمان، وكلما ابتعد عن ذكر الله وعن طاعة الله تجد أنه يبتعد عن الإيمان ويقرب إلى الكفر والنفاق. وإذا ازدادت المعاصي أيضًا تربى من ذلك. ولكن المؤمن يخاف على نفسه، يخاف أن يقع في شيء من هذه الأمور الكبيرة، وخاصة النفاق، أنه يبطل ما لا يظهره أو ما لا يظهره يظهر الخير للناس وهو يبطن الشر، ويظهر القول الحسن وهو في قلبه أشياء من الخبائث عظيمة. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يخافون من هذا الأمر العظيم ألا وهو النفاق. ولهذا قال أبو رجاء العطاردي كما ذكر الإمام البخاري رحمه الله: أدركت سبعين من أصحاب رسول الله أو ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كلهم يخاف على نفسه النفاق. كلهم يخاف على نفسه النفاق، وليس فيه محد يقول أن إيمانه كإيمان جبريل، أي مثل ما تقول المرجئة. وأيضًا قال الحسن البصري رضي الله عنه: ما خافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق. ما خافه إلا مؤمن، أي النفاق، وما أمنه إلا منافق. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يخافون على أنفسهم أن يقعوا في ذلك الأمر كما وقع فيه بعض من كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقعوا في النفاق الأكبر، مع أنهم كان عندهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا جاء في البخاري أن حذيفة بن اليمان وقف على حلقة عبد الله بن مسعود، ومعلوم أن حذيفة هو صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض المنافقين. فوقف حذيفة رضي الله عنه في حلقة عبد الله بن مسعود، كان فيها علقمة والأسود وجماعة، فقال حذيفة رضي الله عنه: إن أناسًا أدركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم خير منكم، لكنهم أكبهم الله عز وجل في النار بسبب نفاقهم، أو كما قال رضي الله عنه. فتبسم عبد الله بن مسعود، وقام رضي الله عنه ودخل، وكأنه أراد تعجبًا من فطنة حذيفة، كما قال علقمة: تعجب من فطنة حذيفة رضي الله عنه. فإن الإنسان مهما فعل لا يغتر بنفسه، لا يغتر بنفسه، فإنه قد يقع في مثل هذه الأمور، وخاصة إذا أطلق على نفسه العنان في الغش والكذب والخيانة وغيرها من هذه الأمور. لأن هذه نفاق العمل قد يوصله إلى النفاق الاعتقادي. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يخاف إلا إذا فعل هذه الأمور، لا، بل يخاف، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فلهذا فالإنسان يخاف أن يقع في مثل هذه الأشياء، ويتغير قلبه، فيلازم الخير، يلازم الخير ما استطاع. وأيضًا إن روح على نفسه، فإنه يروح على نفسه بالمباح، إن روح على نفسه، فإنه يروح على نفسه بما أباحه الله عز وجل له من ملاطفة الأزواج والأولاد وغيرها من هذا الذي يكون مباحًا. أما أنه يروح نفسه بما حرم الله عز وجل، فهذا باطل. ولهذا غلط كثير من الناس في فهمهم لحديث حمضة، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا حمضة ساعة وساعة. فظن بعضهم أن الساعة الأخرى كما يقولون: ساعة لقلبك، وساعة لربك. ساعة لقلبك، وساعة لربك، يريدون أنه ساعة لقلبك، أي تدخل على نفسه على قلبك المعاصي، وهذا باطل، بل هذا إفساد القلب. فإذا أدخل الإنسان على نفسه المعاصي، فإنه قد تذهب تلك الساعة التي لربه، قد تذهب تلك الساعة التي لربه، ويستمر في معاصي الله، ويبتعد عن الخير. وأيضًا يصدأ قلبه، وقد يبلغ بعد ذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وجاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام أبو داود رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ورجع صقل قلبه، فإن عاد عادت حتى يعلو على قلبه الران إذا داوم على هذه المعاصي». على قلبه الران الذي يطبع على قلبه كما ذكر الله عز وجل عن المنافقين والكافرين: ﴿أَنَّ اللَّهَ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. فهذا شيء مما يذكر في شرح هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.