الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  109

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 109

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 109، ألقاها

مقدمة في سند حديث الوليمة

يبدأ المقطع الأول بذكر سند حديث الوليمة للنبي صلى الله عليه وسلم على صفية بنت حيي، مع شرح لرجال السند وصفاتهم. يشمل ذلك تفاصيل حول حامد بن يحيى وسفيان بن عينة وغيرهم.

زواج النبي من صفية وأهمية الوليمة

يتحدث هذا الجزء عن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من صفية بنت حيي بعد غزوة خيبر، واستدلال المؤلف بحديث أنس بن مالك على أن النبي أولم عليها بسويق وتمر. كما يشرح سبب اختيار النبي لنساء ذوات مكانة عند قومهن.

مسائل فقهية حول الوليمة وتوقيتها

يتناول هذا الفصل مسائل فقهية متعلقة بالوليمة، مثل جوازها بدون لحم، ووجوبها أو استحبابها، وتوقيتها بالنسبة للعرس أو العقد أو الدخول. يشرح آراء العلماء والفقهاء حول هذه المسائل مستنداً إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة والتابعين.

توقيت الوليمة في الزواج

يختتم المقطع الأخير بالكلام عن حكم الوليمة في الزواج وتوقيتها، مشيراً إلى أن الأفضل أن تكون بعد الدخول بالزوجة وليس قبل ذلك، مع الإشارة إلى بعض المسائل المتعلقة بالوليمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا بقبولوا من هذه الوعدة، رحمه الله. قال أبو داود، رحمه الله تعالى: حدثنا حامد بن يحيى، وحامد بن يحيى هو البلخي، نزيل طرسوس، وكان حامدا ممن عاشر وزامل وجالس سفيان بن عينة كثيرا، حتى قال ابن حبان: عمره كله وهو يجالس سفيان بن عينة. ولهذا لما سئل علي بن المديني عن حامد بن يحيى، قال: تأخر الزمان حتى يسأل عن حامد بن يحيى، إن رجلا ثقة لا يسأل عن مثله، رجل اشتهر بطلب العلم وملازمة العلماء. قال: أخبرنا سفيان، وهو ابن عينة، أبو محمد الهلالي، كان حافظ أهل مكة. قال الشافعي، رحمه الله: لولا مالك وابن عينة لذهب علم الحجاز. والمراد أن هذين العالمين العظيمين هما من نشر العلم في الحجاز، ونشر الفقه والحديث. وإلا فأكثر العلماء قد تحولوا من مكة والمدينة إلى البصرة والكوفة وغيرها. أقصد أنه صار العلم أكثره في البصرة والكوفة، وصار معدوما من مكة والمدينة، حتى جاء مالك بن أنس، رحمه الله، ورحل الناس إليه من كل مكان. وجاء سفيان في مكة، سفيان أصله كوفي، لكن كان أباه يحج في كل سنة ويأخذه معه، ويجلس بعد الحج عدة أشهر، ثم يذهب إلى بلاده إلى الكوفة. وبعد أن مات والده استقر بعد ذلك في مكة، وجاءه الناس من كل مكان، فكان إمام أهل مكة، رحمه الله. قال ابن جريج: أخبرنا سفيان، قال: أخبرنا وائل بن داود. وسفيان بكر في طلب العلم، أنا سمع وهو صغير، أول ما لقي عمر بن دينار. قال عمر بن دينار: يا غلام، ائتني بماء من زمزم. قال: لا آتيك بماء حتى تحدثني. وهو عرف أنه رجل محدثين، فقال: ما تريد بالحديث؟ قال: أريدك أن تحدثني. قال: فحدثك. فلما جاء له بالماء، حدثه بخمسة أحاديث، فسمعها له. لما أعطاه هذه الخمسة كلها، سمعها له وجاء بها مثل ما تكلم، ففرح عمر بن دينار بهذا الصبي الصغير الذي يحفظ مثل هذا. فمن ثم قال له: أتني إلى الحلقة. وأتى إلى حلقتنا في أندى الميزاب، أو كذا. فكان بعد ذلك يلزم حلقة عمر بن دينار. وكان عمر لما كبر خرجت أطرافه، فكان يتكلم ولا يعرف كلامه، لكن لملازمة بعض أهل الحديث له، كسفيان، كانوا يعرفون كلامه. لهذا قال بعض المحدثين: حضرت عمر بن دينار، ولم أفهم من كلامه شيئا. قال: حضرت عمر بن دينار، ولم أفهم من كلامه شيئا، لأنه قد خرجت أطرافه، فكانت بعض الحروف تذهب عليه. قال: أخبرنا سفيان، قال: أخبرنا وائل بن داود. ووائل بن داود هو تيمي، أبو بكر الكوفي، رحمه الله، كان ثقة، وهو قد أدرك الشعبي وجماعة، لكنه لتواضعه روى عن ابنه، روى عن ابنه بكر، قال: عن ابنه بكر بن وائل. وإنما روى عن ابنه بكر حديث الزهري، لأن وائل لم يلق الزهري، ولقيه ابنه، وابنه مات قبله. بكر بن وائل مات قبل أبيه، وأدرك أو لقي الزهري. وليس أن وائلا لم يدركه، لكنه لم يلقه. ولعل بكر ذهب إلى المدينة أو مكة، فوجد الزهري وسمع منه، وشهد بسماعه سفيان بن عينة. قال: كنت شاهدا، أو قال: كنت عند الزهري، وكان بكر بن وائل معنا. قال سفيان: أخبرنا وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل. وكلاهما ثقة، الوالد والابن. وسئل عنهما أحمد، لم يرجح بينهما. قال: عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتمر. قال: هذا حديث حسن. وأخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتمر. هذا الحديث أصله في البخاري، هذا الحديث أصله في البخاري، من حديث أنس، لكنه لم يروه عنه الزهري. وسفيان في هذا الحديث أحيانا يدلس، هذا الحديث أو أنه سمع، لأنه جاء في رواية الترمذي أنه قال: قد سمعت هذا الحديث من الزهري، ولكني لم أفهمه. وظهر أنه لما رأى وائل بن داود معه هذا الحديث عن ابنه فروى عنه، وإلا في مسند الإمام أحمد، قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عينة، عن الزهري، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتمر. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من خيبر، كما قال أنس: عرس بصفية. لما قال: صفية من السبايا، اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جحش الكلبي، اذهب وخذ لك امرأة من السبايا». فعقد على صفية. فجاء رجل من الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن صفية سيدة بني قريظة وغنية، وهي لا تصلح إلا لك. قال: فدعاه، ثم قال له: خذ لك امرأة أخرى. وإنما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يحصل حزازات بين الصحابة في ذلك. وأيضا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار مثل هذه النساء لعظم أنها لها شهرة عند قومها ولها مكانة عند قومها، فلهذا ستكون داعية لقومها. ولهذا الجويرية من بني المصطلق، لما دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، أسلم بنو المصطلق كلهم ببركة هذه المرأة، رضي الله عنها. أسلموا وقالوا: أصهار النبي صلى الله عليه وسلم. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتزوج من مثل هذه النساء لأجل الدعوة ولأجل ميل الناس إليها. فعرس النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه في خيبر بصفية بنت حيي، رضي الله عنها. وعرست أو أخلدت أم سليم، أم أنس، ثم دخل عليها عليه الصلاة والسلام، وأولم عليها بسويق وتمر. وجاء في البخاري أنه فرش أنطاعا. الأنطاع معناه الفرش، مثل ما يفرش للطعام، مثل السفرة. فمعنى مثل ما يسمون عندنا هذه إيش هذه مسرفة، يعني يسمون عندنا مسارف التي من الخوص. ففرش النبي صلى الله عليه وسلم سمى أنطاعا، فوضع فيها السمن وتمر، والسويق. كان النبي صلى الله عليه وسلم عنده تمر من عجوة، كما جاء في حديث جابر: قال لما بنى النبي صلى الله عليه وسلم على صفية بنت حيي أخرج معه تمر عجوة، ووضعه في نطع. وفي حديث أنه قال له: من كان معه شيء فليضعه، وجعلها وليمة لصفية. فجاء الرجل بالتمر، وجاء بسويق. والسويق هو الدقيق المطحون، الدقيق المطحون الذي يطحن مع سمن أو غيره، ثم يوضع فيه التمر أو في غيره، فيكون حيسا، يعني يخلط بماء وتمر أو غيره، فيصير إن كان فيه لحما فهو ثريد، وإن كان ليس فيه لحما فهو حيس. فكما في حديث صفية، قال في حديث البخاري: فصنع له حيسا. فصنع له حيسا، أي خلطت هذه الأشياء: التمر والسمن والسويق، وصارت حيسا، فأكلوا منه. فهذا الحديث هو نفسه في هذا، معنى أصل هذا الحديث في البخاري. فقوله هنا: أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتمر. الوليمة هي ما يدعى من الطعام للعرس وغيره، ثم اشتهر للعرس. كما قال أهل اللغة: وبعض العلماء من أهل الفقه يقولون: أن الوليمة تعتبر عامة، سواء كان في عرس أو لغيره. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا أحدكم أخاه لعرس أو لوليمة عرس أو غيره فليجب». فهنا أو غيره، هل هو للوليمة معنى لوليمة أو غيرها، أو لوليمة عرس أو غيره؟ معنى الوليمة تسمى وليمة طعام، وهي المعدبة التي يدعى إليها الناس. فإن كانت لعرس سميت وليمة عرس، وإن كانت لغيره سميت وليمة غيره. هذا قاله بعض الفقهاء، وينقل عن الشافعي، رحمه الله. وكثير من أهل اللغة لم يرطدوا ذلك، وقالوا: بأن الوليمة إنما هي وليمة العرس، ولا يطلق على غير العرس وليمة الطعام، لا يطلق طعام معنى الوليمة إلا على طعام العرس. فهذا قاله أهل اللغة، لهذا قال بعض العلماء، وهم أعلم باللغة من غيرهم، والله أعلم. وقد كان الإمام الشافعي، رحمه الله، أيضا حجة في لغة العرب، ويعرف ذلك. فهذه الوليمة أولم على صفية بسويق وتمر. في هذا الحديث عدة مسائل. في هذا الحديث عدة مسائل، منها: أن الوليمة تجوز بدون لحم، تجوز بدون لحم. وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أولم على بعض نسائه، وهي زينب بنت خزيمة، أولم عليها بلحم وخبز، وأشبع الناس لحما وخبزا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: أولم ولو بشاة. أولم ولو بشاة. فدلت هذه الأحاديث على أن اللحم لا يجب، وإنما يجوز أن يولم بغير اللحم. وهذا مذهب جمهور العلماء. وأيضا مسألة أخرى، وهي: الوليمة للعرس، هل هي واجبة؟ هل الوليمة للعرس واجبة؟ ذكر صاحب المغني، وكذلك من بطال لشرحه البخاري، نقلوا الإجماع على أنها مستحبة، لكن هذا الإجماع غير صحيح. فقد نقل القرطبي عن بعض أصحاب مالك، بل نقلوها عن مالك: أنه يقول بالوجوب. وكذلك أيضا نقل بعضهم عن الشافعي: أنه يقول بالوجوب. وأيضا ذكر أيضا هذا القول عند جماعة من أصحاب أحمد، وهو قول الظاهرية. قالوا بوجوب الوليمة في العرس. وهذا هو الذي جاء به الدليل. أولم ولو بشاة. فهم استدلوا بقوله: ولو بشاة، على إسقاط الوجوب. قالوا: أنتم لا تقولون بالوجوب اللحم، فكيف تقولون بوجوب الوليمة؟ فهذا لا يلزم. لا يلزم أن يكون مثلا الوليمة واجبة، والشاة ليست بواجبة. قال: أولم ولو بشاة. لكن كما قال الإمام الشوكاني: العلة أن فيه الوجوب، لكن صرفنا الوجوب بالشاة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أولم على صفية بسويق وتمر. وإن كان الإمام الشوكاني أيضا له رأي آخر، يقول: حتى ولو كان هذا من فعله، فهو يرى أن اللحم واجب. لكن الصحيح: ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم بذلك، فيدل على أنه يجوز أن يولم بغير اللحم. بعضهم يقول: كما ذكر الشوكاني وغيره: أن هذا حصل في سفر، وغالبا السفر لا يتوفر عند الناس اللحم وغيره. فهذا ليس بشيء. فغالبا يكون هناك مثلا لحم عندهم، معهم الإبل، معهم كذا. فلم يولم النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه جاء من خيبر بعد رجوعه، فأولم بذلك. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين الجواز، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين جواز الوليمة بغير اللحم. وأما الوليمة، فهي واجبة على من كان موسرا. وأما من لم يكن عنده الشيء، فلا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها. طيب، أيضا كذلك من هذه المسائل التي في هذا: هل هذه الوليمة تكون بعد العرس أو بعد العقد أو بعد الدخول أو عند العقد أو عند الدخول؟ فقال بهذه الأشياء كلها كثير من أهل العلم. معنى منهم من قال: أنها تكون عند العقد. ومنهم من قال: تكون بعد العقد أفضل. ومنهم من قال: تكون عند الدخول. وبعضهم قال: عند بعد الدخول. والصحيح الذي جاء به السنة: أنه بعد الدخول، كما في هذا الحديث، حديث الذي في البخاري. فإنه لما بنى عليها أولم. معنى بعد البناء، بعدما دخل عليها أولم. وأما ما يفعله الآن كثير من الناس: أنهم يولمون قبل العقد، هذا خطأ. وغالبا يفعله عندنا أهل العرس، معنى أهل المرأة يفعلون وليمة قبل أن يعقد. وهذه ليست وليمة عرس. وأيضا كذلك المرأة ليس عليها وليمة، وإنما على العريس هو الذي يولم. وأما المرأة ليست عليها وليمة. فلهذا فإن كان فعلوه لأجل الضيوف، فهي طعام يقدم للضيوف، طعام يقدم للضيوف. وأما إن كان عملوه لأجل الوليمة، فهي ليست وليمة على ما تكون قبل العقد، لأنه لم يعقد بعد، ولم يكن عرسا بعد. فلهذا الأفضل أن تكون بعد الدخول، تكون هذه الوليمة بعد أن يدخل الرجل بامرأته، بعد ذلك يولم. فهذه بعض المسائل التي تذكر في هذا الباب أو في هذا الحديث. فنكتفي بها، والله تعالى أعلم.

شاركنا على