الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 328، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع الحديث عن خالد بن الوليد وسيرته في الإسلام ودوره في الغزوات. كما يشير إلى فضائله وقيادته الناجحة في العديد من الغزوات.
يتحدث المقطع عن وفاة خالد بن الوليد على فراشه رغم كثرة جهاده، ويحذر من تعذيب الناس وضربهم بغير حق. كما يشرح حديثًا حول أشد الناس عذابًا يوم القيامة.
يناقش المقطع تحريم تعذيب الناس وضربهم بغير حق، ويحذر من الإضرار بالآخرين ويبين العاقبة السيئة لذلك. كما يستشهد بأحاديث نبوية تشير إلى عذاب الذين يعذبون الناس.
الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مصند خالد بن الوليد رضي الله عنه، وخالد بن الوليد من الصحابة الأجلاء، نقبه النبي صلى الله عليه وسلم، سيف الله وسيف رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن الوليد بن المغيرة من سادات قريش، في أشهر التفسيرين، في قول الله عز وجل: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾، أنه الوليد بن المغيرة، وكان خالد ابنه، ويقال إنه أسلم قبل الحديبية، منهم من قال بعد الحديبية، وحسن إسلامه رضي الله عنه. وقدمه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات كغزوة ذات السلاسل، التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزو بعض القبائل النجدية، ثم أردف له بأبي عبيدة، وكان معه أبو بكر وعمر وجماعة من الصحابة، وقال لي أبي عبيدة: تطاوع أنت وخالد؟ فلما جاء أبي عبيدة، فقال بعضهم لخالد: إن أبي عبيدة هو الأمير. قال: بل أنا الأمير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرني. فقيل لأبي عبيدة: قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطاوع، وإني قد تنازلت له طاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان قائد تلك الغزوة هو خالد. وأيضا قد أمره نبي صلى الله عليه وسلم، أبو بكر وعمر وغيرهم، في غزوات كثيرة، وكان أكثر وقته في الغزو رضي الله عنه. ويقال إنه كما ذكر ذلك ابن سحاق وغيره: أنه لم يهزم في غزوة من الغزوات بعد إسلامه، لم يهزم في غزوة من الغزوات، أي إذا دخل غزوة لم يهزم. وأما غزوة مؤتة فهي ليست هزيمة، غزوة مؤتة ليست هزيمة، بل هي نصر، وإن كان قد خرج جيش المسلمين لكثرة الكفار، وأيضا لعدم أو لموت بعض القادة كزيد بن حارثة، وكذلك جعفر بن أبي طالب، وكذلك أيضا عبد الله بن رواحة، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى القتل قد استحر في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الراية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خالد بن الوليد سيف الله، سيف رسوله صلى الله عليه وسلم»، ثم أخرج أهل الإسلام من هذه، أخرج المسلمين من الكفار بدون أي خسائر، وأثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا فليست هي هزيمة أبدا، بل كان القتل أكثره في الكفار، قتلوا كثيرا حتى ملوا من القتل وتعبوا، إنه أنهك أهل الإسلام بسبب كثرة القتل في المشركين، فلهذا رجعوا؛ لأنه أيضا كانوا في أماكنهم معنا في بلاد الروم في الشام، وكان الروم هناك أكثرهم، فهي بلادهم، وجيش المسلمين قليل، وليس له مدد لبعد المسافة، فلهذا رجع خالد رضي الله عنه، وفضائله كثيرة. ومات على فراشه كما هو معلوم رضي الله عنه، وكان يقول: لا قرت أعين الجبناء. ويصدق فيه قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سهل بن أبي حنيف، وقال عليه الصلاة والسلام: «من سأل الله شهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه، وإن مات على فراشه». خالد بن الوليد مات على فراشه، ومع كثرة حروبه، مع كثرة جهاده، إلا أنه مات على فراشه رضي الله عنه، وهذه عبرة عظيمة على أن الإنسان لا يموت ولو كان في أماكن القتل، أماكن الموت، ما يأتي الموت إلا لأجل، لما أجله الله عز وجل له. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا سفيان بن عيينة وأبو محمد الهلالي عن عمرو بن دينار الجمحي، إمام أهل مكة وحافظهم، قال: عن ابن أبي نجيح، الظاهر أنه عن أبي نجيح، وليس ابن أبي نجيح، الظاهر كأنه في خطأ في بعض معنى نسخ المسند، كلهم عندكم ابن أبي نجيح؛ لأن عمرو بن دينار يروي عن أبي نجيح، وهو ابن أبي نجيح، لم يدرك خالد بن حكيم محزام، خالد بن حكيم صحابي من مسلمة الفتح. والظاهر أنه في سقط أو أن ابن هنا زائدة، كما في بعض الروايات: أنه عن أبي نجيح، قال عمرو بن دينار عن أبي نجيح عن خالد بن حكيم قال: تناول أبو عبيدة رجلا بشيء أنه ضربه، فنهاه خالد بن الوليد، فقال: أغضبت الأمير؟ فقال: أنا أغضبت الأمير. قال له رجل: أغضبت الأمير؟ فأتاه فقال: إني لم أرد أن أغضبه، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة أشد الناس عذابا للناس في الدنيا». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح إلا خالد بن حكيم بن حزام، وقد وثقه ابن معين كما في تعجيل المنفعة. ولهذا ظاهر الشيخ الألباني ضعفه بسبب أنه ظن أنه ابن أبي نجيح وليس كذلك، وإنما هو أبو نجيح، وإنما خطأ حصل في المسند، بالمسند نفسه، لعله الخطأ من النقل، فصحيح أنه أبو نجيح الذي يروى عنه عمرو بن دينار؛ لأن ابن أبي نجيح يعتبر أصغر من عمرو بن دينار، عبد الله بن أبي نجيح صاحب التفسير. قال هنا: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة أشد الناس عذابا للناس في الدنيا»، أي كما جاء في حديث في صحيح مسلم: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يعذبون الناس»، كما في حديث هشام بن حكيم، وجاء أيضا كذلك عند أبي داود أن عياض بن غنم قال لهشام بن حكيم: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة أشد الناس عذابا للناس في الدنيا». وكان قد عذب هشام بعض الناس، فقال هشام بن حكيم لعياض بن غنم: يا عياض إني قد سمعنا ما سمعت، وقد حضرنا ما حضرت، وإنك لجريء تجترئ على سلطان الله، ألا تخاف أن يقتلك سلطان الله؟ فيقال: إنك قتيل سلطان الله. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولينصحه سرا» إلى آخر الحديث. وقد أنكر أيضا هشام بن حكيم -كما في صحيح مسلم- على بعض الأمراء من أمراء الشام الذين كانوا رأهم يعذبون بعض النبط الذين كانوا في الشام بسبب الجزية، فيضعونهم في الشمس ويضعون عليهم الزيت. فلما رأهم هشام دخل على ذلك الأمير وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يعذبون الناس». والظاهر أن المراد العذاب الذي يكون فيه شدة، ولا يستحق ذلك الشخص. وأيضا كذلك قد جاء في صحيح مسلم حديث أبي هريرة، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أمتي لم أرهما قط: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، ورجال معهم أسواط يضربون بها الناس». وفي رواية: «معهم أذناب يضربون الناس». كحال الشرط في بعض في تلك الأزمان، يأتي الشرطي ومعه عصا فيضرب بها الناس في الأسواق، كل من رأوا في طريقه يضرب، فهذا لا يجوز، هو من تعذيب الناس. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على أبي مسعود البدري لما شدد في ضربه لعبده، كان معه عبدا فكان يضربه ضربا شديدا، فسمع صوتا من خلفه يقول: «اعلم أبا مسعود». قال: فتركت ونظرت، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «اعلم أبا مسعود؛ إن الله أقدر عليك منك على هذا». فقال: يا رسول الله، إنه حر لوجه الله أو أعتقته لله. فقال: «إن لم تفعل للفحتك النار». فلهذا فشدة العذاب لا ينبغي أن يكون، ولو كان الرجل لابنه، ما يضربه ضربا شديدا. كذلك أيضا مدرس لا يضرب الطالب ضربا شديدا، وغير ذلك. كلما اختلف الحاكم أو غيره، فإذا أراد الإنسان أن يعذب فيعذب على قدر المعصية أو على قدر الذنب أو على قدر المخالفة، ولا يشد كثيرا حتى يكسر عظما أو يجرح لحما. ولهذا قال العلماء: حتى في الحدود في الضرب في الحدود، قالوا: لا يجوز أن يكون الضرب مما يكسر عظما أو يشق لحما، فهذا لا يجوز أن يكون هكذا، وهو جلد لأجل الحد مثلا زنية أو غيره، فلا يكون الجلد فيه تعذيب حتى يكسر العظم أو حتى يشق اللحم. فلهذا كما قلنا هذا المقصود من هذا الحديث أنه شدة العذاب الذي لا يستحق الإنسان أو الذي قد لا يستطيع أن يتحمله. فقال: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة أشد الناس عذابا للناس في الدنيا»، فهذا هذا إن شاء الله شيء مما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.